يسيطر فيروس كورونا المستجد على الملفات كافة في جميع دول العالم، وبكل تأكيد القطاع السياحي أحد أبرز القطاعات المتضررة بشكل ضخم، نظرًا لإلغاء تذاكر الطيران وكذلك حجوزات الفنادق، فضلًا عن الدخل الذي يأتي مع حركة السياح.

وبطبيعة الحال، فإن تركيا أحد أبرز هذه الدول التي تضرر موسمها السياحي، بعد أن كانت المؤشرات إيجابية للغاية في مطلع عام 2020، فما الوضع الآن؟ وهل تعمل تركيا على اتخاذ تدابير تخفف من آثار كورونا على السياحة لهذا العام؟ 

المشهد قبل فيروس كورونا

شهدت السياحة التركية، بداية مبشرة مطلع العام الحاليّ، حيث أظهرت البيانات الرسمية أن 1.8 مليون زائر وصلوا البلاد في الشهر الأول من عام 2020، بزيادة 16.1% عن نفس الفترة من العام الماضي، وذلك بالتماشي مع خطة الحكومة التي تستهدف جذب 58 مليون سائح خلال العام الحاليّ، مقارنة بأكثر من 45 مليونًا العام الماضي، كما أظهرت معدلات إشغال الفنادق لمطلع 2020 نسبة مبشرة جدًا أيضًا، حين قفزت 6.4% عن العام السابق.

صورة

المشهد في أثناء تفشي فيروس كورونا

في بادئ الأمر، كان مشهد تأثر قطاع السياحة التركي بتفشي فيروس كورونا فيه نوع من اللبس، بين بيانات تتحدث عن خسائر محدودة تكبدها القطاع وأخرى تشير إلى استفادته كون تركيا واحدة من الوجهات السياحية القليلة التي ما زالت آمنة نسبيًا من هذه الفيروس.

فبعد ازدياد الانتشار العالمي للفيروس المستجد، صرح سروري جوراباتر رئيس اتحاد الفنادق التركية بأن انخفاضًا كبيرًا في حجوزات العطلات حدثت بعد أن خفضت العديد من شركات الطيران عدد رحلاتها بنسبة 50% مع غالبية البلدان، وعلى الفور أظهرت الدلائل أن البلاد ستشهد تباطؤًا في الأشهر التالية.

لكن تم حسر الخسائر في وقف استقبال السياح الصينيين الذين تم إلغاء 30 ألف حجز فندقي لهم في مناطق كابادوكيا ودينيزلي ونيفشهير وإسطنبول، كما سُجّل انخفاض في عدد رحلات الخطوط الجوية التركية إلى سبعة مطارات في إيطاليا من 119 رحلة أسبوعيًا إلى 52 فقط.

وفي المقابل، أشارت المعطيات إلى ارتفاع كبير في أعداد السياح القادمين من دول أخرى - غير الصين وإيطاليا - أهمها الفلبين وباكستان وألمانيا واليونان وبريطانيا، وحافظت الغرف الفندقية على معدل الأسعار ذاته ومستويات الإشغال نفسها بشكل عام في مناطق السياحة الربيعية التركية، خاصة إسطنبول وأنطاليا وفتحية.

وعلى عكس الدول الأخرى، لم يعلن قطاع السياحة أو المؤسسات النقابية التركية تسجيل حالات استغناء عن اليد العاملة في هذا القطاع بصورة استثنائية، حيث يتوقع رئيس اتحاد أصحاب الفنادق السياحية في كابادوكيا يعقوب دينلار أن تتجاوز تركيا مشكلة انخفاض السياحة القادمة من الصين وإيطاليا مطلع أبريل المقبل.

صورة

تدابير تركيا لتخفيف آثار كورونا على السياحة 

تعاملت الحكومة التركية مع فيروس كورونا بكل جدية وحزم منذ بداية تفشيه، حيث أغلقت حدودها مع إيران، كما علقت الرحلات الجوية منها وإليها، وكذلك الحال مع الصين، وأجلت بطائرة عسكرية مواطنيها ومواطني بعض الدول الصديقة من مدينة ووهان الصينية.

ووضعت وزارة الصحة التركية العائدين من الصين وإيران في الحجر الصحي لمدة 14 يومًا، لتتأكد من عدم إصابتهم بالفيروس، وبالفعل ثبت خلوهم منه، وهنا بدأت تركيا بأخذ الاحتياطات ونشر الحملات التوعوية بين الناس.

ومع إعلان ظهور الفيروس في هذه الدول، علقت تركيا مباشرة رحلاتها من العراق وإيطاليا وكوريا الجنوبية وألمانيا وفرنسا وإسبانيا والنرويج والدنمارك وبلجيكا والنمسا والسويد وهولندا، مع ملاحظة أن بعض الدول المدرجة في القائمة مثل إيران والصين وألمانيا، تمثل نسبة كبيرة من إجمالي السائحين الوافدين إلى البلاد.

وفي آخر بيان لها، قالت الحكومة التركية إنها تعطي الأولوية لمنع انتشار المرض داخل البلاد من خلال ضمان سلامة الحدود الأمر الذي يعني الحد من وصول السياح، ونصحت الفنادق المنتشرة على سواحل بحر إيجه والبحر المتوسط بتأجيل افتتاح موسم الصيف لمدة شهر.

الآن، تجري وزارة الثقافة والسياحة التركية اجتماعات عدة مع ممثلي القطاع، حيث سيتم الإعلان قريبًا عن الدعم المالي للقطاع السياحي قريبًا، في سبيل تقليل الآثار المترتبة على كورونا، بحسب وزير الثقافة والسياحة محمد آرصوي.

وفي إجراء تدبيري آخر، أجل اتحاد الفنادق التركية افتتاح الفنادق في المناطق السياحية الذي كان من المخطط له أن يتم في أوائل أبريل، مدة 30 يومًا، وستتعاون الوزارة والاتحاد في اتخاذ الإجراءات الوقائية لدعم القطاع السياحي من أجل التغلب على هذه الأزمة بأقل الأضرار.

كما تكثف السلطات التركية من عمليات تعقيم وتنظيف القصور الوطنية والمساجد في البلاد، التي يزورها آلاف السياح يوميًا، ضمن إجراءات الوقاية من فيروس كورونا، وكذلك الحال في المطاعم والمتاجر، وفرض رقابة شديدة على هذا الأمر.

صورة

الحكومة تسخر إمكاناتها

علاوة على كل الإجراءات التي تم ذكرها، أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن الدولة سخّرت إمكاناتها من أجل القضاء على تهديد كورونا، وأن بلاده ستُفعّل حزمة "درع الاستقرار الاقتصادي" المتضمنة تخصيص أموال بقيمة 100 مليار ليرة للتخفيف من آثار كورونا، حيث إن "الإدارات الاقتصادية والمؤسسات المعنية أتمت استعداداتها للحد من هذه الآثار". 

ولكن أردوغان دعا مواطني تركيا إلى تحمل المسؤولية بجانب الحكومة والمؤسسات، بمراعاة التدابير الوقائية المتخذة سابقًا لمكافحة فيروس كورونا، وعدم الخروج من المنزل إلا للضرورة القصوى وعدم ملامسة أي شخص حتى يزول خطر الفيروس.

روسيا تنصح مواطنيها بالتوجه إلى تركيا 

لا يمكن تجاهل حقيقة أن انتشار فيروس كورونا في تركيا محدود حتى هذه اللحظة، بفضل أخذ التدابير الجدية منذ بداية المرض، فالحالات المصابة به لا تقارن مع الدول الأخرى التي يتنشر بها الفيروس، وعلى أساس ذلك، أوصت رابطة منظمي الرحلات السياحية الروسية، المواطنين الروس بالتوجه نحو تركيا لقضاء عطلتهم دون التعرض لتهديد الإصابة بفيروس كورونا، حيث جاء ذلك في قائمة أعدتها الرابطة ضمت الدول الأقل تأثرًا بوباء فيروس كورونا.

وقيدت روسيا في وقت سابق الرحلات الجوية المتجهة من أراضيها إلى الصين وبعض دول الاتحاد الأوروبي وإيران وأوزبكستان، وأعلنت الرابطة في بيان نشرته قبل مدة أن السياح الروس أصبحوا يفضلون التوجه إلى تركيا عوضًا عن الصين.

على أي حال، فإن موسم السياحة في تركيا لهذا العام، بكل تأكيد لن يكون كالأعوام السابقة له، وبكل تأكيد ستكون الأرقام في حالة هبوط، ولكن تعمل الحكومة الآن بكل ما لديها من قوة وإمكانات على حسر هذا التراجع، للتخفيف من آثار كورونا على القطاع السياحي.