بعد الثورات العربية، ظهر على الساحة نقاشات كثيرة عن طبيعة الحكم العثماني للدول العربية عامة وتونس خاصة، حيث وصفه البعض بأنه احتلال مثله مثل الاحتلال الإسباني في القرن السادس عشر والحماية الفرنسية منذ 1881 إلى الاستقلال 1956، فيما اعتبره آخرون فتحًا لأقطار عربية اقتضاه الواقع في تلك الحقبة وكان بناءً على عدة عوامل سياسية ودينية، وبعد أن طالب أهالي تلك المناطق المساعدة من الباب العالي.

وهي أيضًا حقبة من التاريخ وجب التدقيق والتمحيص فيها نتيجة لطبيعة الحكم في إسطنبول الذي مر بفترات القوة والوهن، وسيحرص "نون بوست" من خلال ملف "تونس العثمانية" والتقارير التي سينشرها تباعًا على تسليط الضوء على تاريخ العثمانيين في تونس ومساهمتهم في بلورة الطابع السياسي والاجتماعي والثقافي لذلك البلد.

في القرن الـ16 كانت تونس كمعظم دول شمال إفريقيا تعيش ركودًا على جميع المستويات الفكرية والسياسية والاقتصادية، وكان السلطان محمد بن الحسن الحفصي الذي كان يحكم البلاد، جائرًا ومنشغلًا باللهو والمجون عن أمور الرعية وحاجياتها، يُضاعف في الضرائب دون اهتمام لأحوالهم ومعيشتهم الضنكة، ما ولد لديهم شعورًا بالقهر الذي تحول فيما بعد إلى ثورة ضد الحاكم، فانشقت العديد من القبائل والبوادي عن الحكم وأصبحت تونس مطمعًا للقوى العظمى ومنها الإمبراطورية الإسبانية.

الاحتلال الإسباني

مع أفول القرن الـ16، احتل الإسبان العديد من المراسي والمدن الساحلية لبلدان المغرب العربي، سعيًا منها لتركيز إمبراطورية صليبية مترامية الأطراف على طول سواحل شمال إفريقيا، فبعد انتصارهم على المسلمين في الأندلس وتهجيرهم، فكروا في توسيع ملكهم وبادروا إلى السيطرة على حوض البحر الأبيض المتوسط واحتلال الشواطئ، ونجحوا في تحقيق ذلك في ظل غياب سلطة مركزية قوية يلتف حولها السكان تكون قادرة على تزعم المقاومة والجهاد ضد الغزاة، إضافة إلى أن دول المغرب الثلاثة المرينية والزيانية والحفصية كانت في صراع فيما بينها.

كان الإسبان يريدون احتلال تونس نظرًا لموقعها الإستراتيجي الممتاز، فهي تطل على مضيق صقلية (الممر الرابط بين البحر الأبيض المتوسط الشرقي والغربي)، وأصبحت إسبانيا بعد الاكتشافات الجغرافية تبحث عن أسواق خارجية لبعث تجارتها إلى ثغور جديدة تحتلها لحماية أساطيلها المثقلة بالحمولات من القراصنة.

الاحتلال الإسباني لتونس لم يكن بدافع الأطماع التوسعية والمنافع الاقتصادية فقط، فبعد سقوط دولة غرناطة المسلمة، بدأت إسبانيا في عهد إيزابيلا وفرديناند ما يسمى بالفتح، وكان أول أهدافه احتلال سواحل شمال إفريقيا لتطهيره من مسلمي إسبانيا الذين بدأوا من موانئ هذه السواحل بالجهاد ضدها بعد أن أخرجتهم من ديارهم، فشنوا الغارات على السفن الإسبانية في البحر المتوسط وعلى البر الإسباني.

كانت إسبانيا في ذلك الوقت أقوى دولة استعمارية في البحار بفضل أسطولها القوي ما مكنها من استعمار دول كثيرة منها الواقعة في أمريكا الجنوبية، ومن توفير إيرادات وموارد دعمت خططها التوسعية، وكانت تعتبر نفسها الدولة الكاثوليكية الأولى والمسؤولة على نشر الكاثوليكية في العالم، ولذا فقد اجتثت الوجود الإسلامي في الأندلس واحتلت هولندا البروتستانتية وأجبرت أهلها على تغيير معتقداتهم.

ومن هذا الجانب، قال المؤرخ محمد مقديش في كتابه نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار، عن سطوة الإسبان وقمعهم لأهل تونس عامة والمسلمين خاصة، "وقسمت المدينة بين المسلمين والنصارى وأهين المسجد الأعظم، ونهبت خزائن الكتب التي كانت به، وداستها الكفرة بالأرجل، وألقيت تصانيف الدين بالأزقة تدوسها حوافر خيل الكفار، حتى قيل إن أزقة الطيبيين بجانب جامع الزيتونة كانت كلها مجلدات ملقاة تحت الأرجل، وضربت النواقيس، وربطوا الخيل بالجامع الأعظم، ونبش قبر سيدي محرز بن خلف، فلم يجدوا به إلا الرمل".

وعن هذه الحقبة، أورد المؤرخ الإيطالي ماركو بلليغريني في كتابه "الحرب المقدسة ضد الأتراك.. الحرب الصليبية المستحيلة لشارل الخامس"، أن 15 ألفًا من سكان المدينة بتونس أُبيدوا وهم ثلث الأهالي، وفر الثلث الثاني، فيما كان مصير الثلث الأخير النخاسة، وألزم الملك الشارل الحكام في تونس بعدم استضافة الموريسكيين الأندلسيين، مع دفع غرامة سنوية تُسدد لإسبانيا مالًا وخيلًا.

ويمكن القول إن التعصب الديني المتمثل في العداء التقليدي المسيحي للمسلمين والأطماع الاقتصادية التوسعية دفع بالإسبان لاتباع سياسة توسعية استعمارية منذ احتلال تطوان المغربية في 1401، والعمل على احتلال ثغر آخر في شمال إفريقيا، فتوسعوا في الجزائر من خلال بسط نفوذهم في وهران وبجاية ثم دمروا ميناء طرابلس (ليبيا) في 1510، ثم توجهت أنظارهم بعد ذلك إلى تونس التي كانت تشهد صراعًا داخليًا بين ملوك الدولة الحفصية.

دخول الأتراك

تعود العلاقة بين الإمبراطورية العثمانية ودول شمال إفريقيا إلى القرن السادس عشر، عندما اتجه الأتراك إلى المنطقة التي تقع غرب البحر المتوسط وجنوب أوروبا، حيث نجحوا عام 1530 في السيطرة على الجزائر والدخول إلى طرابلس الغرب سنة 1551، لتنتهي بفتح تونس وافتكاكها من يد الإسبان سنة 1574، وبذلك أصبحت كل منطقة المغرب العربي تابعة للدولة العثمانية باستثناء المغرب الأقصى، وأُطلق على تونس والجزائر وطرابلس الغرب الثلاث ولايات العثمانية اسم "غرب أوجاقلري" أي الولايات الغربية.

كان بداية توجه العثمانيين إلى تونس في 1533، حيث فتحها البحار خير الدين بربروس في تلك السنة، بأمر من الخليفة العثماني سليمان البحار، وحررها من ملكها حسن الحفصي الذي تحالف مع الدول الأوروبية، وعين مكانه أخاه الحسن بن محمد على تونس، معلنًا ضمها للدولة العثمانية.

غير أن الحكم العثماني في ذلك الحين لم يدم أكثر من سنتين، فقد عمدت إسبانيا إلى غزو تونس عام 1535، واحتلال ميناء حلق الواد، وبقيت المهدية عند العثمانيين، وأعاد الإسبان تنصيب حليفهم حسن الحفصي بايا على تونس، على أن يكون حليفهم ومساعدًا لفرسان القديس يوحنا بطرابلس، وأن يعادي العثمانيين ويتحمل نفقات ألفي إسباني على الأقل يتركون كحامية في قلعة حلق الواد.

في سنة 1573، عاد الإسبان مجددًا إلى تونس بعد أن استدعاهم السلطان الحفصي أبي العباس الثاني، ونزلوا بقلعة حلق الواد، واحتلوا مدينة تونس، ما دفع الحاكم العثماني حيدر باشا إلى الانسحاب لمدينة القيروان وسط البلاد.

لم تمض سنة واحدة حتى أمر السلطان سليمان القانوني وزيره سنان باشا بالتوجه إلى تونس وفتحها، فكان لهم ذلك بمساعدة قوة من الجزائر بقيادة رمضان باشا وأخرى من طرابلس بقيادة مصطفى باشا ومتطوعين من مصر فضلًا عن مقاتلين من تونس جاؤوا إلى جانب حيدر باشا.

فتح أو غزو

مع انتصاب العثمانيين في تونس عام 1574 وُضع حد للفوضى التي ميزت البلاد في القرن الـ16، وبدأت تونس مرحلة جديدة من الاستقرار النسبي عرفت خلالها نهضة اقتصادية وانتعاشًا للحياة العلمية والثقافية، حيث استقطبت الإيالة كفاءات بشرية ماهرة جاءت من أماكن مختلفة من العالم وساهمت في تنشيط البلاد وإحيائها من خلال بناء المدارس والجوامع والقصور، وكان من بينهم الأتراك والمشرقيون والأندلسيون والأوروبيون واليهود القرانة (سمي باسمهم سوق بالمدينة العتيقة).

 

ومع بداية حكم البايات والدايات لتونس في القرنين السابع عشر والثامن عشر، شجع الحكام على تركيز العلوم والفنون والصناعات وشيدوا على غرار سلاطين إسطنبول الجوامع والمدارس والأسواق والحمامات، كما ترتب عن دخول الأتراك إلى تونس تحولات عميقة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، وأفضى إلى إكساب مشروع الدولة المراقبة لمجالها الجغرافي المسيطرة على عمرانها جذورًا محلية عميقة، وأعطت مدلولًا ترابيًا للسيادة من حيث الالتزامات الضريبية التي وقع تقنينها (توحيد المسطرة الضريبية)، وذلك بعكس الدولة الحفصية المخزنية القائمة على "تجميع الجموع"، وكانت الإصلاحات التي أقرتها الدولة في ( 1726 - 1727 و1801 - 1802) وإقرار الضريبة الشخصية أو "الإعانة" سنة 1856، غيرت النسيج الاجتماعي التونسي في العمق ونقلته من "جموع" مشتتة لا رابط بينها إلى مفهوم الشعب الكتلة الموحدة تحت مظلة الدولة، ما يعني أن تونس في تلك الفترة كانت تشهد حراكًا فكريًا وإصلاحيًا.

وفي السياق ذاته، قال المؤرخ التونسي عبد الجليل التميمي في تصريح لـ"نون بوست" إن من يدعي أن الوجود العثماني استعمار فهو غباء معرفي ينم عن جهل قائله بصفحات التاريخ والوقائع التي شهدتها تونس في تلك الفترة، مضيفًا أن الوثائق التركية أكدت بشكل لا يدع مجالًا للشك أن العثمانيين قدموا إلى تونس والجزائر بعد طلب ومراسلات من الأهالي الذين تعرضوا للجور والظلم.

وأشار مدير مركز التميمي للبحث والمعلومات إلى أنه كان من السباقين في تأريخ الحقبة العثمانية وتبيان علاقة إسطنبول بتونس، وهو أيضًا أول من عثر على الوثائق التي تؤكد أن دخول العثمانيين إلى تونس والمنطقة لم يكن غزوًا، مشددًا على ضرورة أن لا يُنكر المهتمون بالتاريخ بياض يدهم.

وأوضح المؤرخ التونسي أن التاريخ الصحيح تُميزه الوثائق العربية والتركية والأرشيف والدراسات الأكاديمية ذات القيمة ومنها التي كتبت في خير الدين باشا والكتابات التي اهتمت بمنظومة العلاقات التونسية التركية، مشيرًا إلى أن المركز التونسي للبحث والعلوم نشر أكثر من مئة دراسة عن هذه العلاقات، متابعًا القول: "الكتابات ومخرجات المؤتمرات وكذلك الدراسات لم تُطرح إلى الرأي العام التونسي ووقع تهميشها من وسائل الإعلام الجاهل في هذا المجال، فالتأريخ موضوع وازن ودقيق وله أهمية تعليمية ولكن الإعلام في تونس يُحارب المعرفة والبحث العلمي".

من جهته، أكد الباحث التونسي مصطفى الستيتي، في وقت سابق، أن الأرشيف التركي به أكثر من 150 مليون وثيقة عثمانية من بينها 5 ملايين وثيقة عن القدس، ونحو 50 ألف وثيقة عن تونس، مشيرًا إلى أن هذه الوثائق تشكل بحد ذاتها أرشيفًا يساهم في إنارة فترة من التاريخ، معتبرًا "الحديث عن احتلال تركي لتونس ليس صحيحًا".

المؤرخ التونسي حمادي الدالي أوضح من جانبه، في حدث لـ"نون بوست" أن المصطلحين "غزو" أو "فتح" كانا يستخدمان تاريخيًا دون تفرقة تذكر بينهما، مضيفًا أن الوجود العثماني في تونس كان مغايرًا لذلك الموجود في المشرق، فالشام عرفت حكمًا عثمانيًا مباشرًا بعكس تونس التي حافظت على شيءٍ من الاستقلالية فيما يتعلق بالسياسة الداخلية والإدارة والتسيير، ولم تمارس الحكومة العثمانية سلطةً مباشرةً كما كان الشأن في العراق والشام، وحافظ التونسيون على لغتهم العربية ولم يستعملوا اللغة "العصمانلية" إلا نزرًا قليلًا في مراسلاتهم مع السلطة المركزية في إسطنبول كما بينتها الوثائق التونسية التي جمعها وحفظها الوزير الأكبر خير الدين باشا، مؤسس خزينة حفظ مكاتيب الدولة سنة 1874.

وأشار الدالي إلى أن الحكم العثماني في تونس انتقل تدريجيًا من سلطة الوالي الذي تفرضه إسطنبول إلى الحكم المحلي عن طريق الأسرة الحسينية، مؤكدًا أن تونس في تلك الحقبة عرفت إصلاحات كبيرة كتحديث الإدارة والجيش وإصلاحات أخرى قادها خير الدين باشا.

إلى ذلك، ومن بين الشواهد الأخرى التي تدل على أن العلاقة بين الدولة العثمانية وتونس لم تكن من منطلق استعماري، مشاركة التونسيين في حرب القرم التي دارت بين روسيا والعثمانيين، حيث أرسلت تونس 14 ألف جندي ليحاربوا في صفوف العثمانيين ضد الروس، فاستشهد أغلبهم وبقي منهم عدد قليل لم يرسله العثمانيون إلى تونس، بل أصروا أن يبقوا معهم عرفانًا بجميلهم، وتم إعطاؤهم قرية "تونسلر" (تونسيون) في قسطامنو، وما زال أحفادهم إلى الآن يحتفظون بعاداتهم وتقاليدهم.

بالمجمل، لا يُمكن فهم التاريخ وفق منظور سياسي أحادي أو من جانب عقائدي بحت لأن البحث حينها سيقتصر على رؤية محددة الأفق ووفق غايات مسطرة مسبقًا، لذلك وجب إعادة كتابته ضمن سياق شامل لا يستثني أيًا من العوامل كالاقتصادية والاجتماعية وحتى النفسية، وعدم اقتصاره على ما يكتبه الغرب الذي كان يلعب على حبل القطيعة بين الأتراك والعرب، خاصة أن مؤرخ روسي كتب عن "دور الدولة العثمانية في العالم الإسلامي" بأنه لو لم يرسل العثمانيون عام 1538 خير الدين بربروس أو سنان باشا إلى تونس لدخل الأوروبيون العالم الإسلامي قبل 400 سنة، ما يدحض قول إن الخلافة العثمانية ساهمت في دخول المستعمر الغربي إلى بلاد المسلمين، ويؤكد في المقابل أن كل قوة تؤول حتمًا إلى ضعف.