بات يظهر عيانًا للقاصي والداني، أن وقوف نظام الأسد أمام الثوار إلى اليوم لا يستند إلى قوة ذاتية، وإنما إلى طبيعة القوى الإقليمية والدولية التي تخشى حدوث تغييرات جذرية لا تخدم مصالحها الحيوية في المنطقة "ما بعد الأسد".

وذلك ما يخدم جميع أطراف الصراع في سوريا، باستثناء الشعب السوري، لأن المنظور الأخلاقي للعلاقات الدولية لا وجود له، والبنية المادية المصلحية الصلبة هي التي تتحكم بمسارات الأحداث، فالقوى الإقليمية والدولية الموالية للمعارضة تهدف لإضعاف محور "المقاومة والممانعة"، ولمنع توسع النفوذ الروسي في المنطقة، وللحفاظ على أمن "إسرائيل"، ولا تهدف للقضاء على الأسد والإطاحة بنظامه.

يشير الواقع إلى أن تعقيد الموقف في سوريا تجاوز كثيرًا قدرة العالم على السيطرة عليه، فالأحداث سريعة التغير والعدد المتنامي من القوى المؤثرة هناك وخطوط المعركة المتغيرة بلا انقطاع، كل هذا يشير إلى وجود مستنقع يجرف الجميع للغرق.

تحولت سوريا لرقعة شطرنج أنزلت القوى الإقليمية والدولية أحجارها عليها ضمن خطط وإستراتيجيات تتعلق بمصالحها أولًا وأخيرًا، ولتلك القوى دور كبير في استمرار الصراع، وهو ما يجعل إمكانية الحسم وإنهاء الصراع في سوريا في حكم المستحيل.

مشهد معقد وغياب للحلول

- أطراف عسكرية متعددة في سوريا:

أنظمة وحكومات كثيرة لها مصالح متضاربة ومتقاربة تتعلق بالملف السوري، على النطاقين الإقليمي والدولي، ولكن الفواعل الكبرى التي ترأس الصراع في سوريا هي أمريكا و"إسرائيل" وروسيا وتركيا وإيران، وما خلفها من الأنظمة العربية والاتحاد الأوروبي وغيرها، تبقى فواعل غير مؤثرة بشكل فعلي ومباشر في الملف السوري، وترتبط مصالحها طردًا بمصالح تلك القوى الكبرى المتصارعة.

بدوافع جيوسياسية/إستراتيجية انغمست إيران في مضمار الصراع في سوريا إلى جانب حليفها الإستراتيجي "الأسد" بداعي استكمال/عدم خسارة الوضع الإستراتيجي الفريد الذي خلفه لها خروج العراق من المعادلة الإقليمية سابقًا، وحماية قبضتها في المنطقة "حزب الله" والممر البري "سوريا" الواصل معه، لا سيّما أنها تعتبر الصراع في سوريا ورقة ضغط رابحة ضد الغرب فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني، ومن جهة ثانية، تعتبره فرصة ذهبية لتحقيق الحلم الإيراني في الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط.

بحضور أكبر وأكثر فاعلية تدافع روسيا عن وجودها ومصالحها في سوريا والشرق الأوسط، من خلال الحفاظ على موطئ قدم لها بالمياه الدافئة "قاعدة حميميم العسكرية" على السواحل السورية، وتبرز بثقل سياسي وعسكري كبير في المنطقة أمام خصميها اللدودين، أمريكا وتركيا، لتمكين نفوذها الحيوي في الشرق الأوسط، وردع الدرع الأمريكي الصاروخي من الانتشار، بعد أن بات على مقربة من الحدود الروسية، ولتستخدم الصراع في سوريا كورقة ضغط وابتزاز للغرب إزاء "الدرع الصاروخي"، والعقوبات الاقتصادية المتتالية عليها من الأخيرة.

كجميع الدول، لتركيا مصالحها القومية العليا التي تبني عليها جميع تحرّكاتها السياسية والعسكرية، ضد تنظيم "داعش" و"وحدات الحماية الكردية"، بدأ التدخل التركي في شمال غرب سوريا، بدعم لوجود ومواقف المعارضة السورية وعداء لنظام الأسد وسياسته تجاه الأزمة السورية وبتنسيق كبير مع الجانبين الأمريكي والروسي في المنطقة، بذلك تصوغ تركيا وجودها وسياستها في سوريا، ولا تخفي مصالحها الحيوية والإستراتيجية من خلال التدخل السياسي والعسكري لها في الملف السوري، وللحفاظ على نفوذ جيوسياسي ومكاسب سياسية في مستقبل ما بعد الأسد. وإلى جانب روسيا، تعتبر تركيا الدولة الأكثر حضورًا وفاعليةً في الملف السوري وما يتعلق بمستقبل المنطقة.

أما الولايات المتحدة الأمريكية، ذات الهيمنة والنفوذ الأكبر في الشرق الأوسط، فقد صرحت عن سياستها إزاء ما يحصل في سوريا من خلال مسار مزدوج: الأول في منع النفوذ الروسي من التمدد والتوسع على حساب النفوذ الأمريكي، فيما يمكن أن يكون مستقبلًا إن حصل إدارة جديدة للمنطقة تحت إشراف موسكو، والثاني هو خنق الهلال الإيراني وقطع طهران عن قبضتها في لبنان، وعدم ترك الساحة لها كما حصل سابقًا في العراق.

وكلا المهمتين لا يقلّان شأنًا عن المسألة الأم، وهي الحفاظ على أمن "إسرائيل" من أي تهديدات محلية أو إقليمية، ما دفع واشنطن لدعم وحدات الحماية الكردية وزجّ جنودها في قواعد جديدة شمال شرق سوريا، ورسم مسار الحزام الآمن مع تركيا في تلك المنطقة، وعدم ترك القرار لبقية الأطراف المتنازعة محاصصة.

- نقطتان ساهمتا في استعصاء الصراع في سوريا:

1. الموقف الأمريكي

يذكر الباحث والكاتب الصحفي هشام نجار في كتابه عن سوريا "التحولات الكبرى" أن السبب الرئيس في احتمالية تزايد وتيرة الصراع في سوريا ودخول أطراف جديدة في النزاع يعود إلى الموقف الأمريكي المتخبط، الذي أشار إليه بوصفه "الحاسم" في مسائل الشرق الأوسط. فيما لم تبد واشنطن أي رغبة حقيقية في إنهاء النزاع، ولم تقم بعمليات اصطفاف واضحة.

يأتي ذلك في ضمار مصالح وطموح دول كبرى في المنطقة، وقد أتاحت الأزمة في سوريا بالأساس فرصة ذهبية لتلك القوى، وما عزز فرص مشاركتها هو ضبابية مواقف واشنطن إزاء سوريا وعدم التدخل المباشر لإنهاء الصراع.

ويرجح الكاتب والباحث الفلسطيني ماجد كيالي أن الولايات المتحدة لم تدر ظهرها وإنما تلعب بتورية وتعمل على استثمار الصراع في سوريا، بكونها تعمل على توريط الجميع في دائرة الصراع لاستنزافهم وإنهاكهم.

ويؤكد الباحث والدكتور حازم نهار أن الموقف الأمريكي هو الحاسم في الوضع السوري، إذ يذكر بأن أمريكا ليست في وارد التدخل لمصلحة الثورة السورية.

وتعود الأسباب وراء ذلك لجملة من الأسباب: رغبة الولايات المتحدة في ذهاب الأمور في سوريا نحو المجهول واستمرار تحطيم الدولة السورية على يد السلطة الحاكمة. فالنظام السياسي في سوريا براغماتي ويمكن التفاهم معه ولم يشكل حالة إرباك طوال أربعة عقود لـ"إسرائيل".

الإدارة الأمريكية الحاليّة جاءت ببرنامج لسحب الجيش الأمريكي من العراق وأفغانستان، وليست في وارد توريط القوات الأمريكية في حرب جديدة في المنطقة، ولعدم وجود مصالح أمريكية اقتصادية مباشرة في سوريا، وعدم وجود نقاط ارتكاز أمريكية في المجتمع السوري، ولدى القوى السياسية والاقتصادية.

سوريا محاطة بدول هشة كلبنان والأردن، وأي تغيير في سوريا يعني فوضى محيطة يمكن أن تؤثر على جيرانها وعلى "إسرائيل".

2. قوى المعارضة السياسية للثورة

ويعزو الدكتور حازم استعصاء الصراع أيضًا لحالة قوى المعارضة السياسية، مشيرًا باحتمالية كونها نقطة حاسمة في الملف السوري، ويقول في وصفها "أما تلك الموجودة في الداخل، فتتكون من قوى هشة، منقطعة عن ممارسة السياسة منذ زمن بعيد، وليس لها امتداد في المجتمع السوري، ومنقسمة على نفسها لاعتبارات شخصية أكثر منها سياسية، ولا يوجد حوار حقيقي بينها، وتتمترس خلف شعارات بالية، بعض قواها فقير الطموح ومهتم باعتراف النظام بوطنيته، وتأقلم مع العمل في إطار معارضة النظام القائم فحسب. قوام هذه المعارضة قوى أيديولوجية، ناصرية وقومية ويسارية، تخثرت عند مرحلة معينة، وتقارب الواقع من خلال ما ورثته من شعارات، وليس عبر التعاطي مع معطياته وحقائقه".

أما المعارضة الموجودة في الخارج، فقد انتحلت خطابًا غوغائيًا، تكمن أسبابه أساسًا في الجهل والفقر المعرفي وعدم الدراية السياسية، فضلًا عن محرك "الحقد" على النظام، من دون الانتباه إلى المقولة الصائبة "الحقد موجه سيء في السياسة". وظهرت السياسة ضامرة في خطابها، الذي اقتصر على ترديد مقولات الشارع في حالة أقرب ما تكون إلى "البلاهة السياسية"، إذ قامت بأدوارها من خلال اللعب على العواطف والصوت المرتفع والجعجعة، مستخدمة ذلك بخبث لاستبعاد الآخرين، والاستئثار بصفة تمثيل الثورة. كما أسبغت هذه المعارضة سمة "الإسلاموية" على الحراك الشعبي، وهي تعلم أن ذلك لا يتوافق مع طبيعة المجتمع السوري، واندرجت مواقفها وممارساتها في سياساتٍ خليجية، قطرية وسعودية، وظهر أنها فاقدة الإرادة والاستقلالية، فضلًا عن انغماس بعض شخصياتها في الفساد المالي.

الدكتور يزيد صايغ الباحث الرئيسي في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، يوافق النقطة الأخيرة بعزو استعصاء الصراع في سوريا إلى حالة قوى المعارضة السياسية الثورية، حيث يقول "يبدو أن سوريا قد عادت إلى فترة الاضطرابات التي شهدتها في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، عندما أدّى غياب التوافق السياسي الداخلي وضعف التماسك المجتمعي إلى جعلها رهينة المنافسات الإقليمية العربية وسياسات الحرب الباردة، ما أدّى إلى كثرة تغيير الحكومات والانقلابات العسكرية.

مرحلة جديدة

انحسار العمليات القتالية اليوم وتراجع قوى الثورة ميدانيًا لا يعني أبدًا انتهاء الثورة السورية، ولا يعني هزيمة مؤسساتها وانتصار النظام عليها، بل تشير إلى الانتقال من مرحلة لها طبيعتها وأدواتها إلى مرحلة أخرى مختلفة عنها لها معطياتها وأدواتها، حيث يتحول المشهد السياسي للثورة من مرحلة الهدم إلى مرحلة البناء، في حين يواجه نظام الأسد تحديات سياسية واقتصادية وتأزم دبلوماسي، لم يسبق أن شهدها من قبل.

تشير المعطيات إلى أن الصراع في سوريا لن يتوقف دون تحقيق نوع من الانتقال السياسي الذي يضمن تغيير طبيعة نظام الحكم، ويفتح الباب أما عودة السوريين في الداخل والخارج لأوطانهم ومنازلهم.

تشتت المعارضة، مشكلة واجهت السوريين والمتعاطفين معهم منذ تسع سنوات، وكانت من أهم مكاسب الأسد وحلفائه، إذ لم تنجح قوى الثورة بكل أطيافها حتى الآن من التوافق لتمثيل الشعب السوري، وأدى تفككها إلى ضياع وتبعثر جهودها في إسقاط النظام وعدم الضغط على المجتمع الدولي بشكل كافٍ.

ما سبق، هو ما يجعلها اليوم بحاجة ماسة إلى التوافق بشأن إستراتيجية واحدة لإسقاط الأسد، وتقديم خطة سياسية تستطيع بموجبها أن تشكل بديلًا حقيقيًا عن نظام الأسد، بديلًا يرقى لمستوى التضحيات التي قدمها الشعب السوري، وتدحض ما يحذر منه الأسد ويخاف منه المجتمع الدولي، بأن سقوطه سيؤدي إلى إحلال فوضى عارمة في المنطقة، وفراغ في البلاد، ويقود لحروب أهلية مستدامة.

معطيات ودوافع

تحمل المرحلة الحاليّة من عمر الثورة معطيات ودوافع عديدة، تشير لأهمية تفعيل النشاط والعمل السياسي، في ظل المشهد الذي يعتبر الأكثر تعقيدًا اليوم.

أولًا، التصالح مع الواقع السياسي والعسكري الحاليّ للثورة، فقد انتقلت المعادلة من كون الصراع محليًا شعبيًا فيما سبق، ليصير صراعًا إقليميًا دوليًا، فتجاهل انغماس الكثير من الأطراف المتنازعة في سوريا وتجاهل طبيعتها ومصالحها في المنطقة، من المعارضة، يبقيها في نطاق الصراعات المحلية القديمة ولا يؤهلها لدخول المعادلة الجديدة من النزاع، ما يفرض عليها حكمًا اصطفاف مباشر وراء إحدى القوى الكبرى المتنازعة.

ثانيًا، بناءً على ما سبق، احتضنت تركيا منذ البدايات فواعل الثورة وقدمت الدعم لتشكيلاتها وسهلت تنقلاتها، وأتاحت مشاركة سياسية فاعلة لقوى الثورة من أراضيها، فضلًا عن إيوائها لأكثر من 4 ملايين نازح، فقد ساهمت بحلول كثيرة على الصعيد الداخلي والخارجي للثورة السورية، آخرها اتفاقية خفض التصعيد مع الروس، وعليه، تكون هي الدولة الأقرب لمسألة الاصطفاف أمام مطامع باقي الأطراف المتنازعة.

خروج نظام الأسد من المعادلة تمامًا بعد أن بات ملف الدولة بيد موسكو وطهران، وانهيار مؤسسات الدولة في مناطق النظام اقتصاديًا

ثالثًا، دعم الموقف التركي والجهود السياسية في المنطقة له مهم جدًا، ولكن يجب أن يكون للمعارضة نواة سياسية واحدة تدفع باتجاه المصالح المشتركة مع تركيا، وليس العديد من التشكيلات في الداخل والخارج التي تقدم تباينات واختلافات تسفر عن انقطاع العمل السياسي وعن استشراف عملية الانتقال السياسي في سوريا، كما حدث سابقًا من خلافات عميقة بشأن أستانة، على الصعيدين الداخلي والخارجي.

رابعًا، توتر العلاقات الإيرانية - الروسية، ورغبة روسيا في إقصاء إيران ونفوذها خارج سوريا، أي إشارة لخروج طرف من المعادلة "ما بعد الأسد"، في نفس الوقت تصاعد الاتفاق بين روسيا وتركيا بشأن المسألة الأخيرة ومناطق النفوذ.

خامسًا، توتر العلاقات التركية - الأمريكية، خلال النزاع الأخير في سوريا، وسياسة تركيا في استمالة واشنطن من جديد من خلال "الترغيب والترهيب" في العلاقة التي تجمعها مع روسيا من جهة، ومخاوفها ومصالحها معًا في سوريا من جهة ثانية. بدعم الموقف التركي باستمالة واشنطن واستحضار الموقف الأمريكي لحل النزاع في سوريا.

سادسًا، خروج نظام الأسد من المعادلة تمامًا بعد أن بات ملف الدولة بيد موسكو وطهران، وانهيار مؤسسات الدولة في مناطق النظام اقتصاديًا، وقانون قيصر الجديد الذي سيحمل المزيد من العقوبات والقيود على النظام.

إصلاح العمل السياسي

النتيجة لكل ما سبق، أنه لا يوجد للشعب السوري إلا قدراته الذاتية وإمكاناته البشرية الوطنية وقدرته على الصمود، لتحقيق أهدافه بالحرية والكرامة، ولمواجهة كل هذه الصراعات والإرباك في المواقف العربية والدولية التي تؤثر على مجريات الثورة السورية، تبرز الحاجة الماسة لتوحيد جهود وصفوف المعارضة والعمل المشترك بهدف قيادة المرحلة الحاليّة من الثورة من خلال جبهة قوية ومتناغمة توحد مطالبها مع المجتمع الدولي وتشكل لوبي ضاغطًا عليه لإنهاء الصراع وحل الملف السوري.

ليس من الضروري أن تتوحد المعارضة في كيان سياسي واحد، فمن الضروري احترام التعددية السياسية، ولكن ما هو ضروري وحدتها وائتلافها في تيارات سياسية وفكرية، تنسق فيما بينها من خلال مجلس موحد لقيادة الثورة، تجتمع تحته مظلة كل الفعاليات والتنسيقات الثورية.

ويمكن تحديد 9 نقاط لإصلاح العمل السياسي المعارض الداعم للثورة:

أولًا، تحتاج الثورة لكيان مفتوح غير مغلق، يلازمه سند شرعي وشعبي أو كفاحي، ولا تحتكره مجموعة أو مجموعات معينة لتمثيل السوريين، لأننا أمام مواجهة قطاع واسع من الكوادر السياسية المجربة وتشكيلات أخرى منافسة.

ثانيًا، استحضار الهوية السياسية للثورة، بعد أن بددتها التلاعبات الخارجية، وغلبة نفوذ الجماعات العسكرية التي أخذت الثورة إلى خطابات أخرى، لذلك على المعارضة اليوم أن تكون أكثر حرصًا على التمسك بخطاب الثورة وتوضيح ماهيته، باعتبارها ثورة ضد الاستبداد ومن أجل الديمقراطية وإقامة دولة المؤسسات والقانون والمواطنين.

ثالثًا، عدم السكوت مجددًا عن خطابات الجماعات العسكرية المتطرفة، ذات الطابع الطائفي والديني، التي هيمنت فيما سبق على المشهد، وأفادت النظام وحلفاءه.

رابعًا، الجماعات العسكرية في الداخل المحرر المتوزعة الولاءات، أضعفت موقف المعارضة فيما سبق، ومنعتها من التطور في أحوال الثورة ذاتها وأحوال مجتمعها، وقد بدت المعارضة منقطعة الصلة بالجماعات العسكرية وغائبة تمامًا عن المناطق المحررة، وهذه معضلة أخرى، تبدو المرحلة اليوم فرصة ذهبية للمعارضة لتلافي ما سبق، والاستفادة من الوجود التركي في المناطق المحررة والتنسيق لإعادة الحضور فيها.

ما يوحد المعارضة أكبر بكثير مما يفرقها، والواجب الوطني اليوم يطلب من الجميع الارتقاء لمستوى تضحيات الشعب السوري

خامسًا، لم تدرك المعارضة جيدًا الأخطار الكامنة وراء تشرد ملايين السوريين ونزوحهم إلى مناطق أخرى أو تحولهم إلى لاجئين في البلدان المجاورة أو في بلدان العالم، إذ إن ذلك أخرج السوريين من معادلة الصراع وحرم الثورة من البيئات الشعبية الحاضنة، وسهّل على النظام، فضلًا أنه حوّل القضية السورية إلى قضية إنسانية أو قضية لاجئين، وهنا تبرز الحاجة لإعادة تمركز شعبية الثورة والمعارضة، وزراعة حاضنة جديدة في ذوات السوريين.

سادسًا، في علاقتها مع ما يسمى "معسكر الأصدقاء"، يؤخذ على المعارضة ضعف حساسيتها إزاء التدخلات والإملاءات الخارجية، في تحديد خطاباتها وأشكال عملها، وحتى لجهة وجود ممثلين لبعض الدول في بعض اجتماعاتها، وذلك في غمرة اعتمادها على الخارج وارتهانها له، لا سيما بعد التحول إلى العمل المسلح، من دون ملاءمة ذلك مع مصلحة السوريين وأولوياتهم، علمًا بأن الدول لا تعمل كجمعيات خيرية، وإنما وفق رؤيتها لمصالحها ولدورها الإقليمي وللنموذج الذي تريده، وهذا ينطبق على الفصائل التي ظلت تستجيب للأجندة التركية، لا سيما في عمليات درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام، على حساب أجندات أو مصالح الشعب السوري وثورته.

سابعًا، ظلت المعارضة السورية طوال الفترة الماضية تتحرك وفقًا لخطاب المظلومية، ووفقًا لنزعة تطالب الدول الغربية بالقيام بما عليها لنصرة الشعب السوري، بإيجاد مناطق آمنة أو مناطق حظر جوي أو بوضع حد للقصف بالبراميل المتفجرة، لكنها لم تنتبه إلى أن خطاب المظلومية والحق والعدالة لا يكفي لتعاطف العالم، بدليل تجربة الفلسطينيين.

والحال فإن الدول تشتغل على أساس المصالح وموازين القوى، لذا ربما كان الأجدر بالمعارضة أن تشتغل على بناء ذاتها، وتعزيز هيئاتها وأن تحافظ على خطاباتها المتعلقة بالحرية والديمقراطية والمساواة والمواطنة، التي تنسجم مع القيم العالمية، كي تكسب ثقة هذه الدول واحترام مجتمعاتها.

ثامنًا، فيما يخص المسألة القومية لم تستطع المعارضة إنتاج خطاب يعزز الثقة بين مكونات الشعب السوري، الأثنية والدينية والمذهبية، لا سيما مع سيادة الخطاب الطائفي ـ الديني، الذي عنى أنها تأثرت بخطاب النظام أو استدرجت إليه، ومثلاً ففي القضية الكردية تبنت الموقف التركي، ولم تتعاطى مع المسألة الكردية في سوريا بوصفها مسألة سورية، والمسألة الكردية في تركيا بوصفها مسألة تركية، ولم تجمع في خطابها بين حقوق المواطنة والحقوق الجمعية "القومية" للكرد بوصفهم جزءًا من أمة أكبر "مثل الأمة العربية".

تاسعًا، عدم قيام المعارضة، حتى الآن، بما عليها لتنظيم وتعبئة مجتمعات السوريين في الداخل وبلدان اللجوء، بل إنها لم تنشئ أي هيئات منظمة، حقيقية وفاعلة، تنشط في أوساط تجمعات اللاجئين السوريين في البلدان الأوروبية، مع وجود انتخابات أو من دونها، ناهيك عن غياب نشاطات منظمة في مجتمعات هذه البلدان.

إن ما يوحد المعارضة أكبر بكثير مما يفرقها، والواجب الوطني اليوم يطلب من الجميع الارتقاء لمستوى تضحيات الشعب السوري، وتصحيح المسار السابق وتلافي الأخطاء.

ثمة كثير من النقد يطال التجربة السورية، لكن المشكلة أن ذلك لا يتزامن مع قيام خطوات عملية لتجاوز هذا الوضع ببناء كيان جمعي للسوريين واستعادة المقاصد الأساسية للثورة السورية، مع علمنا أن النقد لا يضعف صدقية الثورة السورية ولا مشروعيتها، كثورة من أجل الحرية والكرامة والعدالة والمواطنة.