شهادات توثق تعذيب الأطفال داخل السجون المصرية

في مطلع العام 2015 أوقفت قوات الأمن (زياد ز) الذي كان يبلغ من العمر 15 عامًا، أثناء مظاهرة في القاهرة، فيما كان يرافق شخصًا مصابًا إلى مستشفى الزيتون بالعاصمة، وعلى مدار 3 أيام كاملة لم تعرف أسرته عنه شيئًا، وبعد سؤال متواصل في المستشفيات ومراكز الاستغاثات، اتصل بأحد أفراد الأسرة شخص ليخبرهم بأن ابنهم في القسم (مركز الشرطة).

طيلة ثلاثة أيام كامة من الاستجواب قامت عناصر الأمن بضرب، وصعق، وتهديد زياد، قبل عرضه على النيابة العامة، على حد قول قريبه، الذي نقل شهادة الطفل وقوله إن أفراد الأمن علقوه من ذراعيه لتعذيبه، في حجرة يسميها السجناء "التلاجة"، أما قريبته فقد وصفت شكله بعدما رأته قائلة "كان جسمه كله منتفخًا نتيجة للضرب المبرح. كان مصابا في ساقيه وهناك ندبات على باطن قدميه، وانتفاخ. وكان لون النصف العلوي من قدميه – حفظك الله – أسود اللون، وهناك جرح كبير. كان مصابًا بالحمى ويشعر بالإرهاق طوال الوقت. ما كان ليوافق أي طبيب على دخول قسم الشرطة ليكشف عليه، فذهبنا إلى المسجد ووجدنا طبيبًا عسكريًا وافق على الذهاب معنا".

لم يكن زياد الحالة الوحيدة التي تعرضت للانتهاكات والتعذيب داخل السجون المصرية، أذ كشف تقرير لـ"هيومن رايتس ووتش" بالتعاون مع "بلادي- جزيرة الإنسانية" نُشر في 23 مارس الجاري، بعنوان: "لم يراعِ أحد كونه طفلاً… انتهاكات قوات الأمن المصرية ضد الأطفال المحتجزين" عن العديد من الجرائم التي ارتكابتها السلطات الأمنية المصرية بحق 20 طفلاً محتجزاً تراوحت أعمارهم بين 12 و17 عاماً عند اعتقالهم، في مناطق مختلفة من مصر منها الإسكندرية والقاهرة ودمياط والجيزة والإسماعيلية والمنصورة وشمال سيناء والقليوبية والشرقية.

شهادات موثقة

في مطلع 2017 توجهت عناصر من قوات الأمن، مزودة بسيارات مصفحة، لاعتقال ماجد (17عامًا) من بيت أحد أقاربه، الذي أفاد إلى أنه في اليوم السابق للاعتقال وبينما هو في المدرسه، سأله مُعلم عن اسمه ثم أجرى اتصالًا، وقال "ماجد معي"، ما يشير إلى أن أجهزة الأمن طلبت من المُعلم إخبارها بمكان الفتى. تكرر اتصال الأسرة بالسلطات، لكن لم تتمكن من معرفة مكان احتجازه إلا بعد مرور فترة طويلة.

وبعد 4 أشهر كاملة عرفت الأسرة بمكان ابنها عندما مثل أمام النيابة، وصف ماجد الانتهاكات التي تعرض لها في الاحتجاز حين قابل الأسرة، التي تعتقد أن ما تعرض له يرقى لمصاف التعذيب. في الاحتجاز، على حد قوله: "تعرضت للإهانة، وحدثت لي أشياء كثيرة"، بحسب أحد أقاربه. قاوم إطلاعهم على التفاصيل، لكنه أعرب عن خوفه من تبعات التعذيب: "إذا أفرجوا عني، قد لا أتمكن من الزواج أو أن أُرزق بأطفال".

وطبقا لتحليل أجرته "بلادي" والجبهة المصرية لحقوق الإنسان لوثائق النيابة الخاصة بـ 130 مدعى عليهم في القضية العسكرية 64، قال 120 مدعى عليهم إنهم تعرضوا للإخفاء القسري، وقال 77 شخصًا إنهم تعرضوا للتعذيب البدني أو النفسي، وهو ما تطابق بشكل كبير مع شهادة الشهود.

وفي أغسطس 2016 اعتُقل عمرو (16 عامًا) بسبب اتهامه بارتكاب بجرائم وقعت في 2015، حيث أوقفه عناصر أمن بثياب مدنية دون إبراز مذكرة توقيف، وهو في طريقه إلى درس خصوصي ببلدته في دلتا النيل، بحسب أسرته، عصبوا عينيه وأخذوه إلى قسم الشرطة حيث قضى ليلة واحدة، ثم احتُجز نحو ثلاثة أشهر في منشأة تابعة للأمن الوطني.

ووفق رواية أقاربه لـ "هيومن رايتس ووتش"، عذب عناصر الأمن عمرو، واحتجزوه مع بالغين، ولم يعرضوه على أي مسؤول قضائي، لم تعرف أسرته بمكانه خلال تلك الفترة، وبعد أكثر من ثلاثة أشهر، وفي نوفمبر من نفس العام، عرفت أسرته أنه مثل أمام نيابة أمن الدولة في القاهرة. ثم نُقل من الاحتجاز لدى الأمن الوطني إلى منشأة للأحداث.

 قال قريب له: وصل هناك الساعة 2 صباحًا. سمح له الأخصائي الاجتماعي بالاتصال بي على الهاتف. قال لي: "هاتوا لي كل الطعام المغذي. لم آكل منذ ثلاثة أشهر"، فجلبنا له طعام، وثياب، ومعجون أسنان، ومراهم للتقرحات والجروح التي تعرض لها بسبب غياب النظافة. كان قد فقد الكثير من الوزن. عندما رأيته لم أكن متأكدا: أهذا ولدي أم لا؟... كان يرتدي نفس الثياب منذ ثلاثة أشهر، لا حمام، لا ماء، لا شيء". رفض إخباري بما حدث له [أثناء الاحتجاز طرف الأمن الوطني] حتى لا أحزن، لكن ما عرفته منه أنهم لم يعرضوه على النيابة حتى اختفت آثار التعذيب.

ويذكر التقرير أن عبدالله عكاشة مثلاً كان يبلغ من العمر 12 عاماً حين اعتقاله في سيناء، وقد أُخفي قسرًا لمدة ستة أشهر، تعرض خلالها للتعذيب بالإيهام بالغرق والصعق بالكهرباء، ووُضع في حبس انفرادي لمئة يوم بحجة انتماء أخيه الأكبر لجماعة "ولاية سيناء" التابعة لتنظيم داعش.

الأمر لم يتوقف عند الذكور وفقط، فهاهي (نادين ن) واحدة من هؤلاء، وقد اعتُقلت خمس مرات منذ كانت في سن الثالثة عشر، بدءاً من عام 2013 في القاهرة، حيث قالت إنها إنها لم تعرف لماذا قادها عناصر الشرطة مع صديقتين إلى المركز، وهناك تم ضربهن وتقييدهن بالأصفاد وطرح أسئلة مبهمة عليهن، حتى حضر والداها فأُخلي سبيلها بعد ساعات.

اعتقال أطفال في مصر

في العام التالي، كان هناك تظاهرة بالقرب من مدرسة نادين، كانت هي وصديقاتها في طريقهن إلى خارج المدرسة حين أوقفهن عناصر من الشرطة وقادوهن بعنف إلى القسم، حيث تعرضن للضرب، قيّدت الشرطة الفتيات وأمرتهن بالوقوف في الردهة طوال الليل، دون طعام أو مياه، مع السماح لهن بدخول دورة المياه مرة واحدة فقط. وعلى حد قول نادين، عصب شرطي عينيها وأخذها إلى حجرة حيث صعقها شرطي آخر بعصا مكهربة، وقال: "أنت كنت في التظاهرة"، وعندما نفت الأمر لم يصدقها.

وفي 2017 اعتقل عناصر الأمن الوطني (محمود م.) وكان عمره وقتها 16 عامًا، وأخفوه قسرًا، بعد شهور من صدام قوات الأمن مع سكان بلدته في دمياط (شمال)، قال أحد أقاربه: "اختفى لنحو ثلاثة أشهر قبل أن يتصل بنا أحدهم ويقول: محمود في النيابة"، قُبض عليه من البيت، لكن النيابة ذكرت في تقريرها كذبًا أن الشرطة أوقفته في اجتماع انعقد للتخطيط لمظاهرات وللتحريض على العنف، على حد قول قريبه. اتهمت النيابة العامة محمود بالانضمام إلى تنظيم إرهابي وحيازة أسلحة بصورة غير قانونية.

وفي شهادة أخرى لأحد أقاربه قال إن عناصر الأمن الوطني: "قضوا ثلاثة أيام يعذبونه باستخدام كافة أنواع التعذيب، من الصعق بالكهرباء والضرب بالعصي المعدنية، وعلقوه رأسًا على عقب من قدميه". وأضاف: "لثلاثة أيام، لم يرَ النور". ثم نُقل إلى معسكر للأمن المركزي حيث، وطبقًا لقريبه، حُرم من الطعام الكافي، ووضع في الحبس الانفرادي مع حرمانه من دورة المياه، وتكرار ضربه وإهانته.

الإخفاء القسري الممنهج

وثق التقرير كذلك التصاعد الكبير في حالات الإخفاء القسري بشأن الأطفال خلال تظاهرات سبتمبر 2019 التي دعا إليها الفنان المقاول محمد علي والتي لاقت استجابة طفيفة من المصريين، حيث أوقفت السلطات أكثر من 4,400 شخص، بينهم متظاهرون، وساسة، ومحامون، ومارة، وأطفال.

ووفق ما وثقته مؤسسة بلادي الحقوقية فإن نحو 100 من أصل ما يُقدر بـ 180 طفلا، قُبض عليهم بين 20 و28 سبتمبر، قابلت منهم هيومن رايتس ووتش ثلاثة من هؤلاء الأطفال أثناء إعداد تقريرها، حيث قال صبيان عمرهما 16 و17 عاما، وفتاة عمرها 17 عامًا، إنهم تعرضوا للاختفاء القسري بين سبعة وتسعة أيام قبل مثولهم أمام النيابة.

(فريدة ف)، كانت طالبة في الصف الـ 12 وعمرها 17 عامًا، قُبض عليها حوالي الساعة 5 مساء 22 سبتمبر في  وسط البلد في القاهرة، بعدما أوقفها شرطي. طبقا لشخص كان على تواصل مع فريدة ذلك اليوم، أخذ الشرطي هاتفها "وفتح حسابها على واتس-آب ورأى رسائلها النصية إلى صديقاتها حول السياسة. لذا قبض عليها".

كما قبضت الشرطة على (مروان م)، طالب الثانوية البالغ من العمر 17 عامًا، مع قريب آخر له مساء يوم 20 سبتمبر، وهما يتجولان في سيارة في ميدان التحرير بالقاهرة، على حد قول أحد الشهود: "أوقف الشرطي السيارة لأنه رأى مروان ممسكا بهاتفه الخلوي، وعندما خطر له أنه يصور مقطع فيديو، أمره بتسليم هاتفه."

تعذيب ممنهج للأطفال المحتجزين في مصر

وظل مروان مختفيًا لمدة 9 أيام، محتجزا في معسكر للأمن المركزي إلى أن عرضته السلطات على النيابة وتمكن من مقابلة محامي، فأخبر الأخير الأسرة، ثم أحيل إلى قسم شرطة حيث تمكنت أسرته من إرسال طعام إليه، لكن لم تتمكن من زيارته أو الكلام معه. أضافت النيابة مروان إلى نفس قضية فريدة ف. واتهمته بالتظاهر ودعم تنظيم إرهابي.

وفي 20 سبتمبر كذلك قبضت الشرطة على ( زيد ز.)، 17 عامًا، الطالب بالصف الـ 11، في محافظة الغربية،  فيما كان يتابع مباراة كرة قدم على التلفزيون في أحد المقاهي، بحسب قول أحد أقاربه، حيث تمكن من توصيل رسالة إلى بعض أقاربه، قال فيها إن شخصًا واحدًا قبض عليه وإنه في سيارة شرطة لكن "تم إغلاق هاتفه بعد هذا ولم نتمكن من الوصول إليه طيلة عشرة أيام".

وفي 23 أكتوبرـ أمر النائب العام المصري، حمادة الصاوي، في بيان إنه أمر بإخلاء سبيل "الأطفال والنساء والشيوخ" الذين قُبض عليهم بعد مظاهرات 20 سبتمبر "التماسا للرأفة"، وذلك رغم نفي النظام والإعلام الموالي له آنذاك بوقوع أي حالات اعتقال من قبل قوات الأمن.

التقرير أشار إلى حدوث انتهاك صارخ للقانون الدولي والمصري، في تلك الانتهاكات التي ارتكبها مسؤولو الشرطة والأمن الوطني والقضاء ضد الأطفال، والتي وثقها التقرير، في منشآت احتجاز مختلفة وأحياء ومدن ومحافظات مختلفة على مدار سنوات عديدة، ولم يتم تعريض أي مسؤولين للجزاء أو المحاسبة، لافتًا إلى أن هذه الانتهاكات تخرق القواعد الأساسية للقانون الدولي ونصوص رئيسية في الدستور المصري وقانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية وقانون الطفل، فضلًا عن القوانين الدولية التي وقعت عليها القاهرة مثل "الميثاق الأفريقي لحقوق ورفاه الطفل" الموقعة عليها في 2001، و"اتفاقية حقوق الطفل"  الموقعة عليها في 1990.

وخلص التقرير إلى أن القضايا الموثقة فيه ليست إلا النذر اليسير من مئات حالات الانتهاكات من قبل قوات الأمن المصرية بحق الأطفال ومحتجزين آخرين، لكن جميع المعلومات المتوفرة تشير إلى أن الاحتجاز التعسفي والانتهاكات ضد المحتجزين، وبينهم أطفال، في عهد حكومة السيسي، هي "ممارسات موسعة وممنهجة".