تبرع مصاب بفيروس كورونا بالبلازما بعد شفائه في مركز هاينان للدم في هايكو بالصين في فبراير.

ترجمة وتحرير: نون بوست

في الوقت الذي تجاوز عدد المصابين بفيروس كورونا 450 ألف شخص في جميع أنحاء العالم، ومع التزام أكثر من مليار شخص بالحجر الصحي في منازلهم، فإن العلماء يتصارعون مع أحد أكثر أسئلة الوباء إلحاحًا، "هل يصبح الأشخاص الناجون من العدوى محصنين ضد الفيروس؟". الجواب هو نعم ولكن بشروط، إلى جانب بعض الأمور المجهولة المهمة. ويعتبر هذا الأمر مهما لعدة أسباب.

على سبيل المثال، يمكن للأشخاص الذين ثبت أنهم يتمتعون بمناعة الخروج من منازلهم والمساعدة في دعم القوى العاملة حتى يصبح اللقاح متاحًا، كما يمكن للعاملين في مجال الرعاية الصحية الذي يشاع أنهم محصنون بشكل خاص الاستمرار في رعاية المرضى الذين ساءت حالتهم.

علاوة على ذلك، يعتبر تعزيز المناعة في المجتمع بمثابة السبيل الذي من شأنه أن يضع حدا للوباء، فمع تقلّص عدد الأشخاص المصابين بالعدوى، سيختفي فيروس كورونا، وحتى المواطنين الأكثر ضعفاً يصبحون بمنأى عن الخطر. وقد تساهم المناعة أيضًا في التوصل إلى دواء بسرعة. وبناء على ذلك، يمكن استخدام الأجسام المضادة المستمدة من أجسام الناجين لمساعدة الأشخاص المصابين بعدوى فيروس كورونا، والذي يُعرف أيضا باسم "كوفيد-19".

يوم الثلاثاء، وافقت إدارة الغذاء والدواء على استخدام البلازما من المرضى الذين تماثلوا للشفاء لعلاج بعض الحالات الخطيرة. وقبل يوم واحد، أعلن الحاكم أندرو مارك كومو أن نيويورك ستصبح أول ولاية تبدأ في اختبار المصل المستخرج من الأشخاص الذين تعافوا من فيروس كوفيد-19 لعلاج المرضى الذين يعانون من حالة مرضية خطيرة. وقد صرّح كومو: "إنها تجربة تهمّ الأشخاص ذوي الحالات الخطرة، لكن وزارة الصحة بولاية نيويورك تعمل على هذا الأمر بالتعاون مع بعض أفضل وكالات الرعاية الصحية في نيويورك، ونعتقد أن الأمور تبشر بالخير".

لدى معظم الأشخاص الذين أصيبوا بالعدوى أثناء وباء انتشار السارس، مناعة طويلة المدى تستمر من 8 إلى 10 سنوات

يحتوي الجسم على مضاد يسمى "الغلوبولين المناعي م" وهو يشكل خط الدفاع الأول ضد الفيروسات المعدية، وتقوم وظيفته على التيقّظ وتنبيه الجهاز المناعي حول المتطفلين على غرار الفيروسات والبكتيريا. وبعد أيام من التقاط العدوى، ينقح الجهاز المناعي هذا الجسم المضاد إلى نوع ثان، يسمى "الغلوبولين المناعي ج"، المصمم بشكل رائع للتعرف على فيروس معين والقضاء عليه.

يمكن أن يستغرق التنقيح أسبوعًا، حيث يمكن أن تختلف كل من العملية وقوة الأجسام المضادة النهائية. يُنتج بعض الأشخاص أجسامًا مضادة قوية للقضاء على العدوى، في حين يستجيب البعض الآخر بصفة أكثر اعتدالًا. تمنح الأجسام المضادة التي تولّدت من استجابة للعدوى ببعض الفيروسات، على سبيل المثال شلل الأطفال أو الحصبة، المناعة مدى الحياة. غير أن الأجسام المضادة للفيروسات التاجيّة التي تسبب نزلات البرد تستمر لمدة تمتد من سنة إلى ثلاث سنوات فقط ، وقد ينطبق ذلك على فيروس كورونا المستجدّ أيضًا.

عموما، أشارت دراسة أُجريت على قرود المكاك المصابة بفيروس كورونا المستجد إلى أن القرود تُنتج أجسامًا مضادة محايدة وتقاوم العدوى بقوة بمجرد إصابتها بالمرض. ولكن من غير الواضح إلى متى قد تظل القرود، أو الأشخاص المصابين بالفيروس، محصنين.

في هذا السياق، قال الدكتور فينيت ميناشيري عالم الفيروسات بجامعة تكساس الطبية في مدينة غالفستون، إنه لدى معظم الأشخاص الذين أصيبوا بالعدوى أثناء وباء انتشار السارس، وهو الفيروس الذي ينتمي إلى فصيلة الفيروس التاجي المستجد ذاتها، مناعة طويلة المدى تستمر من 8 إلى 10 سنوات.

أضاف ميناشيري أن أولئك الذين تعافوا من متلازمة الشرق الأوسط التنفسية، وهو فيروس تاجي آخر، لديهم مناعة أقصر من ذلك. وتابع بالقول إن الأشخاص الذين أصيبوا بالفيروس التاجي الجديد قد تكون لديهم مناعة تستمر من سنة إلى سنتين على الأقل و"لا يمكن التنبؤ بمدة أطول من ذلك". 

من جهته، قال فلوريان كرامر، عالِم الأحياء الدقيقة بكلية إيكان للطب بمدينة ماونت سيناي في نيويورك، إنه حتى لو كانت الحماية بالأجسام المضادة قصيرة المدى وأصيب الناس بالمرض مجددا، فإن مقاومة هذا الفيروس التاجي من جديد ستكون على الأرجح أخف بكثير من الأولى، مضيفََا أنه إذا توقف الجسم عن إنتاج أجسام مضادة محايدة، يُمكن لمجموعة فرعية من خلايا الذاكرة المناعية إعادة تنشيط الاستجابة بفعالية.

في هذا الصدد، قال كرامر إنه "من المحتمل أن تقوم باستجابة مناعية جيدة حتى قبل أن تصاب بالأعراض مرة أخرى، وتخفف فعلاََ من تطور المرض". والسؤال الحاسم عند هذا المستوى هو ما إذا كان الأطفال والبالغون الذين لديهم أعراض خفيفة  قادرين على توفير استجابة مناعية قوية بما يكفي للبقاء في مأمن من الفيروس حتى يتوفر اللقاح.

قامت الدكتورة ماريون كوبمانز، عالمة الفيروسات في جامعة إيراسموس في روتردام وفريقها، بفحص استجابات الأجسام المضادة لدى 15 مريضََا مصابًا بفيروس كورونا وعمال الرعاية الصحية. كما يستخدم الباحثون أيضًا عينات دمِِ مأخوذة من حوالي مئة شخص سبق وأصيبوا بأحد الفيروسات التاجية الأربعة المعروف بأنها تُسبب  نزلات البرد.

يلتقط اختبار الدكتور كرامر استجابة الجسم المضاد في وقت مبكر بعد ثلاثة أيام من ظهور الأعراض

بيّنت الدكتورة كوبمانز، أنه إذا أظهرت هذه العينات بعض الاستجابة المناعية لفيروس كورونا المستجد، فإن هذا الأمر يفسر سبب عدم ظهور سوى أعراض خفيفة فقط لدى بعض الأشخاص، على غرار الأطفال. قد يكون لديهم أجسام مضادة للفيروسات التاجية ذات صلة تكون فعالة إلى حد ما ضد فيروس الكورونا المستجد.

تتمثل أسرع طريقة لتقييم المناعة في إجراء فحص الدم، الذي يبحث عن الأجسام المضادة الواقية في دم الأشخاص الذين تعافوا. ولكن عليك أولاً إجراء الاختبار. ويقع استخدام اختبارات الأجسام المضادة في سنغافورة والصين وبعض الدول الأخرى، لكنها وصلت للتو الى السوق في  معظم أنحاء الدول الغربية.

في الأسبوع الماضي، طور الدكتور كرامر وزملاؤه مثل هذا الإختبار للأجسام المضادة الذي يمكن أن يتوسع حسب قوله في "أيام أو أسابيع" بينما تحقق الفريق من صحة الاختبار في بلازما الدم المأخوذة من ثلاثة مرضى بـ "كوفيد-19". ويسعى الباحثون  للحصول على موافقة سريعة من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية.
 

كما تعمل عديد المخابر الأخرى على قائمة مذهلة من الاختبارات، على الرغم من أنها تعتمد في الغالب على بيانات ضئيلة لم تخضع لمراجعة علماء آخرين بعد. أفاد الدكتور كرامر أنه "بغض النظر عمن يقوم بالصنع، وطالما أن هذه الطريقة موثوقة، يمكن اعتبارها أداة رائعة للغاية". فهذا الفيروس التاجي جديد، ويجب أن يقدم الاختبار "بشكل أساسي، إجابة واضحة بنعم أو لا، تماما مثلما هو الحال بالنسبة لاختبار فيروس نقص المناعة البشرية الذي يمكنك من معرفة المصاب من السليم.

فيوم الأربعاء، قال مسؤولو الصحة العامة في إنجلترا إنهم اشتروا ملايين من اختبارات الأجسام المضادة المطورة حديثًا وكانوا يقيمون مدى نجاعتها على المصابين لاستخدامها في المنزل. وأضاف المسؤولون أن المواطنين الذين اكتشفوا أنهم تعرضوا للعدوى وأنّ لديهم الآن بعض الحصانة ضد الفيروس التاجي قد يتمكّنون من العودة إلى حياتهم الطبيعية.

سيعود ذلك بالمنفعة خاصة على العاملين في مجال الرعاية الصحية، فيمكن وضع أولئك الذين يعرفون أن لديهم  بعض المناعة على الأقل في الخطوط الأمامية في قسم الطوارئ، لحماية الزملاء الذين لم يتعرضوا للعدوى.

في هذا السياق، أوردت أنجيلا راسموسن، عالمة الفيروسات بجامعة كولومبيا في مدينة نيويورك أنه "إذا استمرت هذه الوتيرة لمدة شهور، أو حتى لمدة 18 شهرًا كما توقع بعض الناس، فإن وجود عاملين في الرعاية الصحية محصنين ضد الفيروس سيكون ناجعا حقًا". لكن قد لا تكون هذه الاختبارات ذات فائدة كبيرة لتشخيص عدوى الفيروس التاجي أثناء حدوثها، نظرًا للوقت الذي يستغرقه الجسم لبدء إنتاج الأجسام المضادة.

يلتقط اختبار الدكتور كرامر استجابة الجسم المضاد في وقت مبكر بعد ثلاثة أيام من ظهور الأعراض، حيث قد لا تظهر على بعض الأشخاص أعراض لمدة 14 يومًا بعد الإصابة، لكن رغم ذلك تأخرنا لتقييم الاختبار ليكون أداة تشخيصية ناجعة.

سيتمكن العلماء من خلال هذه الاختبارات من معرفة متى يتراجع عدد المصابين بالفيروس ويصبحون محصّنين ضده

قد يساعد العثور على أشخاص لهم أجسام مضادة ذات ردود فعل قوية في تحديد طريقة لإيجاد العلاج، حيث يقع حقن الأجسام المضادة المستخرجة من دم المرضى الذين تماثلوا للشفاء ونقلها إلى مرضى آخرين لم يشفوا بعد. في الواقع، عملت العديد من الفرق بالفعل على هذه الفكرة، خاصة بعد صدور تقارير سابقة من الصين عن مدى نجاعة هذه الطريقة. 

في المقابل، قدمت شركة "أني غو تكنولوجي" التي مقرها بكين 50 ألف اختبار للمركز الصيني لمكافحة الأمراض والوقاية منها، وللمستشفيات في ووهان وبكين وشنغهاي، وذلك حسب ما صرّح به مؤسس الشركة الدكتور لو صن. من جهته، قال الدكتور شانغن تشنغ، وهو طبيب في الجيش الصيني، أن فريقه عالج أكثر من 10 مرضى حتى الآن، وفي الأثناء يجري تقييم للبيانات من العديد من المرضى الذين وقع معالجتهم بالبلازما في مقاطعة هوبي.

في الواقع، قال الدكتور كرامر إن هذا النهج المتبع هو في الواقع "قديم الطراز"، إذ وقع استخدامه لإنقاذ الجنود الأمريكيين المصابين بفيروس هانتا النزفي أثناء الحرب الكورية ولعلاج الأشخاص المصابين في الأرجنتين الذين كانوا يعانون من فيروس جونين النزفي. وقبل أن يقع استخدام هذه الطريقة على نطاق واسع، يجب على العلماء معالجة مشاكل السلامة، مثل التأكد من أن البلازما المأخوذة من المرضى الذين تماثلوا للشفاء خالية من الفيروسات والسموم الأخرى.

تأمل شركات الأدوية مثل تاكيدا وريجينيرون في تجنب بعض هذه الإشكاليات من خلال تطوير أجسام مضادة ضد الفيروس التاجي في المختبر. وفي نهاية المطاف، سيتمكن العلماء من خلال هذه الاختبارات من معرفة متى يتراجع عدد المصابين بالفيروس ويصبحون محصّنين ضده وكذلك متى يصبح الفيروس عاجزا عن إيجاد الأجسام المضيفة للاستقرار فيها. 

المصدر: نيويورك تايمز