بدأ فيروس كورونا المستجد في الانتشار بليبيا، في وقت تشهد فيه المنظومة الصحية في هذا البلد العربي المنهك بالحروب تراجعًا كبيرًا وانهيارًا شبه تام. وضع صحي قاتم من شأنه أن يجعل خطر كورونا يتضاعف هناك إذا لم يتم تدارك الأمر واتخاذ إجراءات وقائية عاجلة بمعية المجموعة الدولية.

10 إصابات بالفيروس

ارتفع عدد إصابات فيروس كورونا المسجلة في ليبيا إلى 10 عقب تسجيل حالتين جديدتين، وفق المركز الوطني لمكافحة الأمراض التابع لوزارة الصحة في حكومة الوفاق الليبية، وأوضح المركز أن المختبر المرجعي لصحة المجتمع تسلم نتائج تحاليل 11 عينة وكانت نتائج 9 عينات سلبية (غير مصابة) وعينتين موجبة (مصابة).

وفي 24 من مارس/آذار الماضي، سجلت ليبيا أول إصابة بفيروس كورونا المستجد، وتعود الإصابة لمواطن ليبي يبلغ من العمر 73 سنة، دخل إلى ليبيا في الـ5 من مارس/آذار الحاليّ عبر تونس، بعد أداء العمرة في المملكة العربية السعودية، ليتم نقله على الفور إلى قسم الأمراض المعدية في مستشفى طرابلس المركزي، حيث يتلقى العلاج حاليًّا وفي حالة مستقرة.

تم تسجيل هذه الحالات، بعد أن كان الليبيون يأملون في أن تنجو بلادهم من الانتشار العالمي لوباء كورونا، بسبب عزلتها عن العالم وغلق أبرز موانئها ومطاراتها وحدودها البرية، ومن المتوقع أن يرتفع العدد أكثر.

ليبيا تتأهب قبل تفشي كورونا في ظل منظومة صحية متهالكة

أبرز الإجراءات في المعركة الجديدة

انتشار هذا الفيروس في البلاد، جعل حكومة الوفاق الوطني التي يقودها فائز السراج تفتح جبهة جديدة بالتوازي مع الجبهة المفتوحة للتصدي إلى قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر الذي يسعى منذ نحو سنة لاحتلال العاصمة طرابلس التي تضم مقر الحكومة والبعثات الدبلوماسية في البلاد.

معركة جديدة مع عدو جديد، اتخذت الحكومة إجراءات عدة للتصدي له حتى لا ينتشر أكثر ويفتك بأرواح الليبيين وينغص حياتهم كما يفعل بهم حاليًّا، حفتر وقواته المتهمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. 

منذ منتصف مارس/آذار الماضي، طبقت حكومة الوفاق الوطني سلسلة من الإجراءات لمعالجة هذا الوباء، بدءًا بإعلان حالة الطوارئ في البلاد وإغلاق كل المنافذ البرية والجوية، إلى جانب تعليق الدراسة لمدة أسبوعين قابلة للتجديد في المؤسسات التعليمية كافة.

إجراءات مهمة لوقف انتشار هذا الفيروس الخطير، لكنها تبقى دون المأمول خاصة في ظل تراجع القطاع الصحي في البلاد تحت وطأة الحرب

 كما تم إيقاف إقامة الصلوات الخمسة والجمعة في المساجد، وتأجيل إصدار تراخيص الزواج حتى إشعار آخر وغلق المتاجر والأسواق غير الأساسية، فضلًا عن تخصيص نصف مليار دينار ليبي (360.54 مليون دولار) لمكافحة تفشي الفيروس.

إلى جانب ذلك تم فرض حظر تجوال يوميًا منذ الساعة الـ6 مساءً حتى الـ6 صباحًا، مع استثناءات للموظفين الطبيين، وحظر التنقل بين المدن بشكل تام، كما أفرج مسؤولون قضائيون عن 466 معتقلًا من السجون الإصلاحية في طرابلس، بحسب بيان لوزارة العدل بحكومة الوفاق الوطني، للمساعدة في احتواء انتشار الفيروس التاجي.

صحة كورونا ليبيا

منظومة صحية منهارة

إجراءات مهمة لوقف انتشار هذا الفيروس الخطير، لكنها تبقى دون المأمول خاصة في ظل تراجع القطاع الصحي في البلاد تحت وطأة الحرب المتواصلة هناك منذ سنوات عدة، حرب عرضت نظام الرعاية الصحي الليبي، إلى جانب الخدمات العامة الأخرى للانهيار.

أغلقت النزاعات المسلحة في البلاد أغلب المراكز والمرافق الصحية بعد أن دمرتها بالكامل، كما دفعت الأطباء والممرضين إلى الهجرة، ما يحرم الآلاف من الخدمات الصحية ويزيد من إضعاف النظام الصحي بالبلاد.

وتتجاهل الأطراف المتحاربة في ليبيا، خاصة قوات الكرامة التابعة لخليفة حفتر سلامة العاملين الصحيين والمرضى والجرحى والمنشآت الصحية، حتى إنهم كثيرًا ما يستهدفون مباشرة المرضى والعاملين الصحيين والمرافق الصحية.

حتى المستشفيات والمرافق الطبية التي لم تدمر بعد، لم يعد بإمكانها تأمين الحد الأدنى من الرعاية الصحية اللازمة للمواطنين بسبب نقص الأجهزة والمعدات وكذلك المستلزمات الطبية، ما جعل العديد من الليبيين يسافرون للعلاج في مستشفيات ومعاهد بالخارج، وخاصة في الأردن وتونس ومصر وتركيا رغم ارتفاع التكاليف بسبب ضعف سعر الصرف.

نتيجة هذه المؤشرات السلبية، تم تحديد ليبيا كواحدة من الـ27 دولة "الأكثر عرضة لتفشي الأمراض الناشئة والأقل استعدادًا لمنع الأزمات الصحية" في تقرير مؤشر الأمن الصحي العالمي (GHS) لعام 2019 نشر في مارس/آذار الماضي.

استباق الكارثة

تخشى العديد من المنظمات الإقليمية والدولية والمحلية من أن تفشي فيروس كورونا قد يكون كارثيًا بسبب تدهور النظام الصحي في ليبيا، ما جعل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يحث كل من قوات حكومة الوفاق وحفتر على الالتزام بالهدنة الإنسانية التي تم إعلانها.

ورغم إعلان ميليشيات خليفة حفتر الموافقة على هدنة إنسانية للتركيز على جهود مكافحة كورونا في البلاد، فإنها تواصل خرق التزاماتها بقصف مواقع مختلفة في طرابلس بوتيرة يومية، ضمن عملية عسكرية مستمرة منذ 4 من أبريل/نيسان 2019.

تقول منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية إنه إذا انتشرت جائحة كورونا في ليبيا، فلن يتمكن نظام الرعاية الصحية في هذا البلد العربي من التعامل مع أعداد كبيرة متوقعة من المرضى نتيجة وضع المنظومة الصحية في البلاد.

أمام هذا الوضع المتردي في البلاد، ترى هيومن رايتس ووتش ضرورة أن تتضمن الاستعدادات الليبية خططًا لحماية ورعاية الجميع، بما في ذلك الفئات الضعيفة مثل المحتجزين والنازحين، ومن بين الإجراءات التي ينبغي للسلطات تنفيذها خفض عدد المحتجزين من خلال الإفراج عن الأشخاص المحتجزين ظلمًا أو تعسفًا. 

صحة كورونا ليبيا

وترى هذه المنظمة الحقوقية ضرورة الإفراج عن المحتجزين تعسفًا لفترات طويلة دون تهم أو محاكمات، وكذلك عن المهاجرين وطالبي اللجوء المحتجزين فقط بسبب وضعهم كمهاجرين، كما على السلطات أيضًا النظر في إطلاق سراح الأطفال ومرتكبي الجرائم البسيطة وغير العنيفة والأشخاص الذين قضوا معظم عقوباتهم.

قالت هيومن رايتس ووتش إنه ينبغي تقديم بدائل عن الاحتجاز للمحتجزين الأكثر عرضة للخطر مثل كبار السن وذوي الإعاقة الذين تُعرضهم إعاقاتهم لخطر العدوى والأشخاص الذين لديهم حالات مرضية مسبقة.

كما ينبغى على حكومة الوفاق الوطني والسلطات الممسكة بزمام الأمور في الشرق الليبي تكثيف الحملات التوعوية في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بخطورة هذا الفيروس وكيفية الحماية والوقاية منه.

إلى جانب ذلك، على كل السلطات في البلاد تجهيز مراكز استشفاء مؤقتة للمصابين المحتملين بهذا الفيروس، حتى يتمكنوا من علاجهم وتفادي حصول الكارثة في البلاد، ففي حال انتشار الوباء والمؤسسات الاستشفائية على نفس الوضع لن يجد المريض مكانًا للعلاج.

التباعد الاجتماعي

من الآليات التي يمكن للفرد اتباعها في هذا الظرف الحرج، تنفيذ تباعد اجتماعي صارم لمنع انتقال العدوى بفيروس كورونا، فالعديد من الخبراء أكدوا أن التباعد الاجتماعي هو الحل الأسرع لاحتواء الفيروس وتقليل عدد الإصابات.

ويتطلب التباعد الاجتماعي بقاء الناس في منازلهم وإيقاف جميع الأنشطة والتجمعات، ويبين الباحثون أن تقليل التواصل بين عموم السكان بنسبة 40%، وبين كبار السن والضعفاء بنسبة 60%، قد يؤدي إلى خفض عدد المصابين بمقدار النصف تقريبًا.

صحة كورونا ليبيا

على الليبيين في ظل تدهور وضع البلاد الصحي أن يغيروا ممارساتهم الاجتماعية ويتجنبوا الأماكن العامة ويحدوا من حركتهم بشكل عام، حتى في حال اضطرارهم للخروج من المنزل عليهم أن يتركوا مسافة فيما بينهم، فتقليل الاختلاط يضعف فرص الفيروس في الانتشار، وهو ما يدل على أنه كلما زاد "التباعد الاجتماعي"، تباطأ انتشار الفيروس.

يحاول مسؤولو الصحة في ليبيا فعل كل ما بوسعهم لاحتواء انتشار فيروس كورونا في بلادهم، إلا أن مجهودهم لن يكفي وحده، ما يستدعي ضرورة التزام الناس ببيوتهم وتدخل المجموعة الدولية لمساعدتهم بالمال والمعدات الطبية الحيوية، بما في ذلك القفازات والعباءات المعقمة والأقنعة والقبعات الجراحية والمواد المطهرة والتحاليل المخبرية.