يمثل التقارب بين محمد السادس ومحمد بن سلمان سياسة ناجحة لكلا المملكتين.

ترجمة وتحرير نون بوست

بعد الزيارة الرسمية التي أجراها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى المملكة العربية السعودية في شباط/ فبراير، تواجه الرباط ضغوطًا لتوطيد العلاقات مع الرياض. وهكذا، أرسل ملك المغرب محمد السادس مستشاره الأول فؤاد عالي الهمة إلى الرياض في 26 شباط/ فبراير لإجراء محادثات مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

مع ذلك، لم يهمل الملك المغربي علاقاته الجيدة مع قطر، حيث أنه بعد يوم واحد من اللقاء الذي عُقد الرياض، استقبل أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني المستشار عالي الهمة ووزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة. لماذا يسارع المغرب والجزائر إلى الانحياز لطرف معين في النزاع الخليجي؟ هل يمكن أن يعني ذلك تحولًا دبلوماسيًا في علاقة الرباط بالرياض، أم أنه تودد مؤقت في الوقت الذي تستعد فيه الزعامة المغربية لعودة دبلوماسية؟.

التوترات حول الصحراء الغربية

في كلتا الحالتين، توجد الكثير من الفوائد التي سيكسبها المغرب والمملكة العربية السعودية من حل خلافاتهما السياسية. بالنسبة للمغرب، يمكن للتحالف مع المملكة العربية السعودية أن يضفي الشرعية على مطالباته في الحرب الدبلوماسية ضد جبهة البوليساريو وداعمها الرئيسي، الجزائر.

في مطلع هذه السنة، تمكنت الرباط من إقناع عدد من الدول الإفريقية الصغيرة بفتح قنصليات في الصحراء الغربية. وسرعان ما استجابت الجزائر، واستدعت سفيرها لدى ساحل العاج لإجراء "مشاورات" في شباط / فبراير بعد أن فتحت البلاد قنصلية في مدينة العيون.

في المقابل، تعتبر جبهة البوليساريو المناورات الدبلوماسية المغربية إهانة سياسية لشعب الصحراء الغربية. كما أن السيناتور الجمهوري ورئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الأمريكي، جيم إنهوف، أعرب عن وجهة نظر مماثلة في شباط/ فبراير عندما أكد دعمه لشعب الصحراويين في نضاله. وعلى الصعيد الإقليمي، نجحت جبهة البوليساريو، بدعم من الجزائر وجنوب أفريقيا، في تعزيز موقعها داخل الاتحاد الأفريقي بنجاح. وفي اجتماعها الذي عُقد في السابع من شباط/ فبراير في أديس أبابا، طالبت المنظمة بحضور إلزامي لجميع الدول الأعضاء في مؤتمرات القمة.

  كان الدبلوماسيون المغاربة في السعودية قبل الزيارة الرسمية المقررة من قبل الملك محمد السادس نفسه. وقد كانت المملكتان تسعيان على ما يبدو إلى تعزيز العلاقات التاريخية العميقة بينهما

"البوادر السياسية"

ربما يفسر ذلك قرار السعودية المفاجئ بتأجيل القمة العربية الإفريقية التي كان من المقرر عقدها في 16 آذار/ مارس في الرياض؛ حيث توقعت جبهة البوليساريو تلقي دعوة. يبدو أن الدبلوماسيين المغاربة تقبلوا رفض محمد بن سلمان غير المعلن لاستقبال جبهة البوليساريو بشكل إيجابي. ولكن هذه اللفتة تضمنت إيحاءات سياسية؛ لقد مد وليّ العهد يده للملك العلوي الذي لم يرد مباشرة على "البوادر السياسية" للأمير السعودي.

لكن الرئيس الجزائري الأكثر جرأة فاجأ المغرب عندما أجرى زيارة رسمية إلى المملكة العربية السعودية بناء على طلب من الملك سلمان. وكانت هذه الزيارة أول زيارة يجريها تبون إلى دولة أجنبية منذ انتخابه في كانون الأول/ ديسمبر. على خلفية ذلك، أرسل الملك محمد السادس بسرعة المستشار عالي الهمة وبوريطة للقاء محمد بن سلمان في المملكة العربية السعودية.

استنادًا إلى مصادر حكومية، كان الدبلوماسيون المغاربة في السعودية قبل الزيارة الرسمية المقررة من قبل الملك محمد السادس نفسه. وقد كانت المملكتان تسعيان على ما يبدو إلى تعزيز العلاقات التاريخية العميقة بينهما، وتطوير التعاون الاقتصادي والأمني بين الرباط والرياض

ذكر مصدر دبلوماسي سري فكرة الوساطة المغربية، خاصة أن البلد مُرشح محتمل لتنظيم مؤتمر دولي للمساعدة في تحقيق المصالحة بين الرياض والدوحة. ويُحيل هذا الأمر إلى استنتاج مفاده أن سياسة "الحياد النشط" للمملكة قد أعدّتها للعب دور الوسيط بين الرياض والدوحة.

يمكن للمكانة الاجتماعية والاقتصادية المعتبرة للمغرب في إفريقيا أن تمنح دول مجلس التعاون الخليجي المدى الاستراتيجي الذي تحتاجه لبدء الاستثمارات

بلد يحقق الاستقرار

في البداية، ساعدت الرياض الرباط في بناء الجدار الرملي في الصحراء الغربية في منتصف الثمانينات في ذروة الحرب بين المغرب وجبهة البوليساريو. وفي سنة 2012، تعهدت ممالك دول الخليج البترولية، بما في ذلك المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت، بمنح المغرب خمسة مليارات دولار للمساعدة في تمويل المشاريع الوطنية الهيكلية التي تهدف إلى دعم الاقتصاد والسياحة.

في سنة 2015، شارك المغرب في العمليات العسكرية بقيادة السعودية ضد المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن. لكن المملكة المغربية أوقفت مشاركتها في هذه الحرب سنة 2019 على الرغم من التزاماتها العسكرية تجاه دول مجلس التعاون الخليجي.

بالنسبة لدول الخليج، يمثل المغرب قوة استقرار وجذب للاستثمار الأجنبي وبوابة جيوستراتيجية لأوروبا. علاوة على ذلك، أظهرت المملكة المغربية استقلالها على الساحة الدولية من خلال الحفاظ على حيادها في حصار قطر سنة 2017. حتى أن محمد السادس قرر إرسال مساعدات غذائية إلى قطر وزار أيضًا الدوحة بعد وقت قصير من بدء الحصار.

يمكن للمكانة الاجتماعية والاقتصادية المعتبرة للمغرب في إفريقيا أن تمنح دول مجلس التعاون الخليجي المدى الاستراتيجي الذي تحتاجه لبدء الاستثمارات والحد من الخلافات الإقليمية، لا سيما في ليبيا، حيث يتم تنفيذ طموحات جيوستراتيجية جديدة بما في ذلك طموحات تركيا التي أصبحت جلية.

لا يزال أمام القيادة المغربية الكثير من العمل، نظرًا لاستبعادها من العملية السياسية الليبية في ظل السباق الدبلوماسي التركي

تلميع صورة بن سلمان المشوهة

إن التقارب بين محمد السادس ومحمد بن سلمان هو عبارة عن سياسة مربحة للجانبين. فيما يتعلق بصراع الصحراء الغربية، يمكن لدول الخليج أن تُعزز محاولات المغرب في التأثير على الأعضاء المؤثرين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حتى يقع تبني المطالب السيادية للمملكة المغربية.

 أما بالنسبة للمملكة العربية السعودية، يُمكن أن يساعد هذا التقارب مع المغرب على تلميع الصورة المشوهة جدًا لولي العهد السعودي، المتورط في مقتل الصحفي جمال خاشقجي. ومن جهتها تأمل إمارة قطر في إنهاء الحصار بهدف إعادة إطلاق مشاريعها الاستثمارية والتأثير على العملية السياسية الإقليمية الجارية. وفي حين أنه بالكاد يمكن اعتبار زيارة محمد السادس الرسمية على أنها تغيير للسياسة الخارجية الإقليمية للرباط، فإن العمل الدبلوماسي يُمكن أن يساعد بشكل واضح على استعادة العلاقات السياسية الودية بين المملكتين.

الخطة المتطرفة

مع ذلك، لا يزال أمام القيادة المغربية الكثير من العمل، نظرًا لاستبعادها من العملية السياسية الليبية في ظل السباق الدبلوماسي التركي - هذا فضلًا عن رفض نظام السيسي العمل معها. وما زاد الوضع سوءا أن جبهة البوليساريو المدعومة من قبل الجزائر بات صوتها مسموعا على الصعيد الدولي. لهذه الأسباب، ظهر بمرور الوقت تحالف بين المغرب ودول الخليج يخدم مصلحة الطرفين - وهو تطور لا يبشر بالخير بالنسبة "للتوازن الدبلوماسي" الذي عمل عليه محمد السادس مع سعي محمد بن سلمان لمواصلة خطته المتطرفة بالنسبة للمنطقة.

المصدر: ميدل إيست آي