تستمر الذاكرة التاريخية في الإلقاء بثقلها على العلاقات الجزائرية الفرنسية، حيث تسعى الجزائر جاهدة لإحياء ملفات لطالما حاولت السلطات الفرنسية، إبقاءها حبيسة الأدراج وعدم الخوض فيها لأنها ستكشف أسرارًا كبيرةً قد تكبدها تعويضات مالية كبيرة وقد تهدد مصالحها بالدرجة الأولى.

وتزامنًا مع اليوم الدولي للتوعية بالألغام الذي يصادف الـ4 من أبريل/نيسان من كل عام، سلَمت الجزائر لمنظمة الأمم المتحدة تقريرًا رسميًا كشفت فيه بالأرقام المجازر التي خلفتها الألغام التي زرعتها فرنسا بالأراضي الجزائرية، وجاءت هذه الخطوة في وقت تشهد علاقات الجزائر بباريس توترًا كبيرًا ظهرت معالمه منذ استقالة الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة.

وكشف التقرير السنوي للجزائر أن الألغام التي زرعها المستعمر الفرنسي، وما زالت تحصد أرواح الجزائريين حتى الآن، خلفت في مجموعها 7300 ضحية، بينهم 480 ضحية مدنية خلال ثورة التحرير و2470 ضحيةً بعد الاستقلال، إضافة إلى مئات المعطوبين الذين بترت أجزاء مهمة من أجسامهم أو تسببت لهم بإعاقات لا تقل عن نسبة 20%.

ويحصي التقرير المرفوع إلى الأمم المتحدة، 7 محافظات حدودية، وتضم هذه الأخيرة أكبر عدد من الضحايا، يمر عبرها خطا شال وموريس على الحدود الشرقية مع تونس وهي كل من الطارف على الحدود الجزائرية مع تونس وسوق أهراس وقالمة وتبسة، وعلى الحدود الغربية مع المغرب وهي محافظات تلمسان والنعامة وبشار.

تاريخيًا، تعود هذه الألغام إلى فترة الاستعمار الفرنسي، حيث أقامت سلطات الاستعمار حينها أسلاكًا شائكة وحقولًا من الألغام على الحدود الجزائرية الشرقية والغربية، بطول 1710 كيلومترات، خلال الفترة الممتدة بين 1956 و1962، لمنع تسلل الثوار الجزائريين من تونس والمغرب وإدخال السلاح والذخيرة لدعم الثورة الجزائرية.  

وأقامت الخطين، الأول سمته خط "موريس" نسبة إلى وزير الدفاع الفرنسي السابق آندريه موريس، على الحدود الجزائرية الغربية مع المغرب، على امتداد 700 كيلومتر، ووضعته تحت رقابة دائمة انطلاقًا من شهر يوليو/تموز 1957، من خلال زرع حقول من الألغام، وعزز هذا الخط بخط ثانٍ يسمى "شال" نسبة إلى الجنرال موريس شال على الحدود الشرقية مع تونس، ويمتد على طول الحدود التونسية (460 كيلومترًا) بين عامي 1958 و1960.

شهادات مرعبة

نقلت وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية ووسائل إعلام محلية، قصصًا مرعبة على ألسنة ضحايا الألغام في الحدود الشرقية والغربية، لا سيما لمن يمتهنون الرعي والزراعة وحتى الصيادين والأطفال الصغار في أثناء رحلاتهم للعب والتنزه والترفيه.

عمار قواسمية، أحد ضحايا هذه الألغام، يروي لوكالة الأنباء الجزائرية قائلًا: "تعرضت لانفجار لغم سنة 1960 ولم يكن عمري يتجاوز حينها 9 سنوات، حيث كنت ألعب رفقة صديقين لي توفيا بفعل إصابتهما بالألغام بعين المكان فيما كنت أنا الناجي الوحيد"، ويتابع "نقلت على إثر اللغم إلى المستشفى حيث تم بتر ساقي، وتعرضت لجروح في أجزاء أخرى من جسدي، ولا أزال أعاني جراء العجز عن العمل والعيش من منحة لا تتجاوز 18 ألف دينار شهريًا، مثلما فقدت لذة الحياة منذ تلك الحادثة".

يرى مراقبون في الجزائر أن مسألة الألغام تشكل قنبلة سياسية تحاول السلطات الفرنسية طمرها

ويكشف أيضًا مالك بوزرافة، أن اللغم انفجر به وعمره لم يكن يتعدى 13 سنة، حيث فقد ساقيه، ومنذ ذلك اليوم يعيش في دوامة معاناة يومية، ويؤكد المتحدث أن شبح الألغام لا يزال يحوم ويخيف عائلات بأكملها من سكان المناطق الحدودية.

قنبلة سياسية

يرى مراقبون في الجزائر، أن مسألة الألغام تشكل قنبلة سياسية تحاول السلطات الفرنسية طمرها بسبب التعويضات التي ستنجر عنها، حيث تطالب منظمات المجتمع المدني الجزائري، فرنسا منذ زمن بعيد بضرورة تعويض المتضررين من الألغام التي زرعها الاستعمار الفرنسي.

وتضاف هذه الخطوة إلى مساعي نواب في البرلمان الجزائري لإحياء قانون يجرم الاستعمار الفرنسي، هذا الملف الذي أجهض على مدار العقود الماضية، بعد أن وقفت أطراف موالية لفرنسا في الجزائر سدًا في وجه تمريره، كرد على القانون الصادر عن الجمعية الفرنسية في فبراير/شباط 2005 الذي مجد عمل الجيش الفرنسي خارج حدود المستعمرات، واعتبر ذلك من قبيل نشر الحضارة وتمدين الشعوب المتخلفة.

ومن شأن هذه الخطوة أن تلقي بظلالها على العلاقات الفرنسية الجزائرية التي تشهد فتورًا ملحوظًا منذ استقالة الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة، ووصل هذا الجمود حد تأخر الطرف الفرنسي في تهنئة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، بفوزه في الانتخابات الرئاسية التي جرى تنظيمها في 12 من ديسمبر/كانون الأول الماضي، وهو الأمر الذي زاد من حدة الشكوك.

الماضي يرهن الحاضر

يقول الإعلامي الجزائري أحسن خلاص، في تصريح لـ"نون بوست": "العلاقات الجزائرية الفرنسية لا يمكن أن تشهد استقرارًا ملحوظًا في أي مرحلة من المراحل، لسبب رئيسي وهو أن الماضي لا يزال يرهن الحاضر وحتى المستقبل، فعدم تسوية ملف الذاكرة سيؤجل أي تقارب بين الطرفين في الظرف الحاليّ"، ويشير المتحدث إلى أن "حرب فرنسا على الجزائر لم تنته في سنة 1962".

ويتابع المتحدث "الألغام إحدى مخلفات الاستعمار الفرنسي وقد تعهد الرئيس عبد المجيد تبون بمتابعة جميع القضايا العالقة ومن بينها قضية الألغام التي أسقطت آلاف الضحايا".

ورغم أن السلطات الفرنسية سلمت للجزائر في 20 من أكتوبر/تشرين الأول 2008 خرائط لمزارع وحقول الألغام التي زرعتها، غير أن المحلل السياسي الجزائري أحسن خلاص، يقول: "هذه الخرائط باتت غير مجدة لعدة عوامل طبيعية بينها انجراف التربة والتحولات البيئية التي شهدتها مناطق واسعة من الجزائر"، ويؤكد أحسن خلاص أن إزالة الألغام كان بمجهود جزائري مكلف ودامٍ لأعوام قام به الجيش الجزائري".

ومنذ الاستقلال، شرع الجيش الجزائري في عمليات كشف وتدمير كل الألغام، حيث تم كشف وتدمير نحو 8.8 مليون لغم وتطهير 42 مليون هكتار من الأراضي، ومن المرتقب أن يعاد استغلالها في الزراعة والأنشطة الاقتصادية والتنمية المحلية، وكلَف تدمير هذه الألغام، الدولة الجزائرية أعباءً ماليةً بينها التكفل الصحي بالضحايا وعائلاتهم، إضافة إلى منحهم منحًا مالية لمساعدتهم على مواجهة أعباء الحياة.

وأقرت السلطات الفرنسية، في تقارير رسمية بزرع 11 مليون لغم على الحدود الجزائرية الشرقية والغربية، واعتمدت في ذلك على المساجين، وهجرت كذلك 3 ملايين من الجزائريين من سكان المناطق الحدودية لإقامة الخطين المكهربين وزرع حقول من الألغام.

يقول النائب البرلماني السابق محمد حديبي، في تصريح لـ"نون بوست" إن الخطوة جاءت جد متأخرة حيث كان لزامًا أن تتحرك الجزائر منذ السنوات الأولى للاستقلال، لكنه يؤكد أن الخطوة تأتي في الطريق الصواب خاصة أنها تزامنت مع إعادة إحياء مقترح تجريم الاستعمار الفرنسي وهو أحد الملفات التي تزعج فرنسا بشكل كبير.

ويرى محمد حديبي أن توقيت طرح هذا الملف له دلالات كبيرة، ويعبر أيضًا عن التوجه الوطني لصانعي القرار في البلاد مع ملفي الذاكرة والسيادة.