لم يخف نظام آل الأسد منذ الأيام الأولى للثورة السورية نيته مواجهة المتظاهرين بالحديد والنار، وبات شائعًا سماع المتظاهرين عبارات "الأسد أو نحرق البلد" ترددها ألسن الشبيحة وعناصر الأفرع الأمنية، في أثناء مداهمتهم المظاهرات على امتداد الأرض السورية.

وعندما كانت هذه المجموعات تعجز عن مواجهة جموع المتظاهرين التي كانت أعدادها تتزايد رغم استهدافها بالرصاص الحي وتساقط الشهداء، بل ربما تزايدت بسبب سقوط الشهداء، كان نظام آل الأسد يزج بجيشه لأداء هذه المهمة، حتى تحولت وظيفة الجيش مع أواخر عام 2011 بشكل كلي لإحكام قبضة النظام على المدن والبلدات الثائرة، في مواجهة مفتوحة ضد متظاهرين كانوا يرون أصواتهم أمضى من أي سلاح.

حرك نظام آل الأسد جيشه مقطعًا الطرق الرئيسية في البلاد بمئات نقاط التفتيش، ومقيمًا على مداخل معظم القرى والبلدات الثائرة في جل المحافظات السورية حواجز عسكرية، والحاجز هو قطعة عسكرية مصغرة تضم 50 - 150 جنديًا، إضافة إلى عدد من المجنزرات والأسلحة المتوسطة والثقيلة، حسب حجم البلدة وعدد الحواجز في محيطها، مع وجود بعض الحواجز التي وصلت أعداد الجنود فيها إلى أكثر من 250 جنديًا، حيث اشتهر عن بعض هذه الحواجز ارتكابها الفظائع بحق السوريين الذين يجبرون على التحرك عبرها.

لتتسارع وتيرة تأسيس الثوار مجموعاتهم التابعة للجيش السوري الحر، خاصة مع تزايد أعداد المنشقين عن جيش النظام، والمنضمين إلى ثورة الشعب السوري، الذين انتقلوا تدريجيًا من حماية المظاهرات إلى تنفيذ عمليات أمنية ضد رموز الشبيحة والإجرام التابعين لنظام الأسد، وصولًا إلى الدخول في مواجهات مفتوحة بغاية التحرير وليس تنفيذ عمليات خاطفة أواسط عام 2012، حيث دخلت الثورة السورية رمضانها الثاني مع معارك تحرير كبرى، كانت البداية الحقيقية لانتقال الثورة من الحالة السلمية إلى الحالة المسلحة، ضمن حرب تحرير كبرى.

تحرير الشمال السوري

في أواسط عام 2012 كان ثوار الشمال قد تمكنوا من تحرير عدد من البلدات والقرى في ريفي حلب الشمالي والشرقي، حيث كان يكفي آنذاك أن يهاجم الثوار مخفر قرية أو بلدة مسيطرين عليه ليعلنوها محررة، حتى وصلوا إلى معركة مصيرية في بلدة إعزاز شمالي حلب على الحدود السورية التركية، التي كانت المنطقة الوحيدة في الشمال التي تضم جميع المفارز الأمنية إضافة إلى كونها تشرف على واحد من أهم المعابر البرية للبلاد.

في إعزاز حاصر الثوار آخر جنود النظام في البلدة داخل مفرزة الأمن العسكري وعدد من الأبنية في محيطها من ضمنها مسجد حولته قوات النظام إلى حصن عسكري، وعلى مدار 17 يومًا خاض الثوار المعركة على محورين أساسيين: الأول في محيط الكتلة المحاصرة التي كانوا يحاولون اقتحامها، والآخر على مشارف إعزاز التي كانت تتقاطر إليها أرتال الآليات الثقيلة والمجنزرات التي أرسلتها قوات النظام من الثكنات العسكرية القريبة في محاولة لفك الحصار عنها، التي تمكن الثوار من تدمير العديد منها حتى دعيت البلدة بمقبرة الدبابات، ليتمكن الثوار في أواسط يوليو/تموز من تحرير البلدة، معلنين بذلك إخراج الريف الشمالي من سيطرة نظام الأسد.

الدخول إلى حلب

بالتزامن مع تحرير بلدة إعزاز تجمع ثوار ريف حلب الشمالي رفقة عدد من مجموعات الجيش الحر في ريفي حلب الشرقي والغربي معلنين تشكيل لواء التوحيد، الذي كان يتحضر لمعركة تحرير مدينة حلب، وسط خلاف واسع داخله بين من يرى أهمية دخول المدينة ومساندة الأحياء الثائرة فيها، ومن يرى أن دخول المدينة استنزافٌ لا طائل منه، لكن ثوار المدينة استبقوا الأحداث قبل يومين من قدوم شهر رمضان، وعلى إثر اشتباك في حي صلاح الدين ضد إحدى الحملات الأمنية لنظام الأسد، تمكنوا فيه من دحر القوة التي كانت تعتزم اقتحام الحي لاعتقال مطلوبين، خرج الثوار بسلاحهم في الحي منتشرين في طرقاته، ومقيمين حواجزهم فيه على طريقة المناطق المحررة، ليحسم ثوار الريف قرارهم ويدخلوا المدينة من أحيائها الشرقية في منطقة "أرض الحمرا" مطلع شهر رمضان، التي أقام فيها لواء التوحيد غرفة عملياته.

تحرك الثوار ضمن الأحياء الشرقية في المدينة بشكل قوس انطلقوا من طرفيه في أرض الحمرا وصلاح الدين، والتقوا في منتصفه عند مخفر حي الصالحين، متمكنين من تحرير الأحياء الشرقية بمعظمها، إضافة إلى مساحة واسعة من أحياء حلب القديمة وبعض الأحياء شمالي المدينة، التي شكلت برفقة المناطق المتاخمة للمدينة في شمالها وشمالها الغربي منطقةً محررة تشبه حرف U، تمثل أكثر من ثلثي المدينة، بينما حافظ النظام على الأحياء بين هذه المناطق المحررة تحت سيطرته.

تأتي أهمية هذه المعركة كونها أول عملية عسكرية تستهدف تحرير مدينة كبرى، بل عاصمة الشمال السوري وعاصمة البلاد الاقتصادية، ورغم أن العملية لم تنجح في تحرير المدينة كاملة، فإنها نجحت جزئيًا في تحرير مساحة واسعة منها والحفاظ عليها، حيث تابع الثوار عملياتهم العسكرية داخلها وفي محيطها على مدار العام اللاحق، محققين انتصارات متتابعة، كانت تبشر آنذاك بتحرير الشمال السوري - ومن بعده سوريا كلها - من نظام آل الأسد.

تحرير الشرق السوري 

في محافظة دير الزور شرقي سوريا كان الثوار قد بدأوا يتحولون بشكل واسع للعمل المسلح منذ أواخر عام 2011، بعد اقتحام جيش النظام للمحافظة الثائرة في رمضان من العام نفسه.

ليتمكنوا عبر سلسلة من العمليات العسكرية خلال النصف الأول من عام 2012 من تحرير معظم قرى وبلدات خط الجزيرة (على الضفة اليسرى لنهر الفرات)، إضافة إلى عدد من قرى الضفة المقابلة "منطقة الشامية" التي تضم مدن المحافظة الرئيسية، وقبيل دخول شهر رمضان تمكن الثوار من تحرير عدد من أحياء مدينة دير الزور، بعد أن تصدوا فيها للحملة الثانية لقوات النظام التي كانت تحاول اجتياحها، محولين فيها شارع بورسعيد إلى "مقبرة دبابات" صنعت أسطورة المدينة.

ثم ومع دخول شهر رمضان بدأ ثوار الشرق مرحلة جديدة تهدف إلى تحرير كامل المحافظة من نظام آل الأسد، حيث بدأوا عملياتهم بتحرير "الميادين" ثاني كبرى مدن دير الزور، ليتابعوا عملياتهم بعدها طوال النصف الثاني من عام 2012، محررين البوكمال ومطار الحمدان وكتيبة المدفعية في الميادين وكامل المحافظة تقريبًا، في أكبر مساحة محررة متصلة عرفتها البلاد حتى ذلك الحين.

بركان دمشق

بالتزامن مع عمليات التحرير الواسعة في الشمال والشرق، بدأ ثوار دمشق معركة واسعة في عاصمة البلاد أطلقوا عليها اسم "بركان دمشق"، حيث تمكنوا من السيطرة على عدد من أحياء العاصمة أبرزها الميدان والقابون، في الوقت الذي حدث فيه تفجير مبنى الأمن القومي وسط العاصمة في 18 من يوليو/تموز 2012، في أثناء اجتماع لعدد من رموز النظام ومفاصل حكمه، متسببًا في مقتل عدد منهم كان أبرزهم صهر بشار الأسد آصف شوكت، الأمر الذي دفع السوريين في كل مكان للاستبشار بدنو أجل النظام نفسه.

لكن الحملة الشرسة التي شنتها قوات النظام على تلك الأحياء، واستخدم فيها الطيران لأول مرة داخل العاصمة، إضافة إلى الآليات الثقيلة في اجتياحها، مع ضعف إمكانات الثوار العسكرية، دفعهم للانسحاب من معظمها بعد معارك ضارية، لتنتهي بذلك معركة "بركان دمشق" التي لم تتمكن من تحرير العاصمة، لكنها أسست بلا شك لمرحلة جديدة، لم يعد فيها الثوار مجرد "مجموعات مسلحة" تقوم بعمليات أمنية فقط، بل قوة تهدد عرش نظامٍ يقارب عمره نصف قرن.

أواسط عام 2012 كان الثوار في إدلب ودرعا وغوطة دمشق وحمص وحماة إضافة إلى حلب ودمشق ودير الزور يتحركون في معارك اتسعت رقعتها على قدرة قوات النظام على المواجهة، مجبرينها على الانكفاء على نفسها في ثكناتها العسكرية، وتوزيع قوتها لحماية بعض المناطق الإستراتيجية الأكثر أهمية بالنسبة لها، في الوقت الذي انطلق فيه الثوار لتحرير البلاد بطولها وعرضها، متمكنين خلال عام واحد من إخراج أكثر من ثلثي مساحة البلاد عن سيطرة النظام، حيث بدا أن سقوط النظام مسألة وقت لا أكثر.