تمثل مشكلة البطالة صداعًا مزمنًا في رأس السلطة العمانية، إذ لا تزال الأعلى في منطقة الخليج، حيث تصل إلى نسبة 50% بين الشباب الذكور، فيما تتجاوز 70% من الإناث، الأمر الذي دفع السلطنة لاعتماد العديد من الإستراتيجيات والبرامج لتعمين الوظائف ولو على حساب الموظفين الأجانب.

ونتيجة لهذه المعضلة قررت السلطنة توطين العمالة في شركات الدولة والاستغناء عن الموظفين الأجانب فيها، لصالح أبناء البلد، فيما أمرت الشركات المملوكة للدولة بتسريع عملية استبدال الموظفين الأجانب بشباب عماني، بدءًا من المناصب القيادية العليا، وصولًا إلى الوظائف العادية.

وزارة المالية العمانية المعنية بهذا الشأن، أمهلت شركات القطاع العام حتى يوليو 2021 لتقديم خطة زمنية وإدارية لتعيين العمانيين بدلًا من الأجانب، فيما أوضحت الوزارة أن الكثير من الأجانب لا يزالون يشغلون مناصب إدارية مرموقة في الشركات المملوكة للسلطنة وهو ما يجب إعادة النظر فيه خلال العام القادم.

تأتي هذه الخطوة في وقت يعاني فيه اقتصاد السلطنة من حالة ركود شديد جراء التدهور الملحوظ في أسعار النفط الذي تعتمد عليه البلاد في دعم اقتصادها، بجانب التداعيات الناجمة عن تفشي فيروس كورونا المستجد، الذي ألقى بظلاله القاتمة على الاقتصاد العالمي بصفة عامة والاقتصادات النفطية بصورة خاصة.

لم يكن تحرك مسقط بشأن تعمين الوظائف هو الأول من نوعه في المنطقة، حيث لجأت معظم دول مجلس التعاون الخليجي للإستراتيجية ذاتها، في إطار خطط تنويع الاقتصاد ودمج الملايين من المواطنين في القوة العاملة بدلًا من العمالة الأجنبية التي سيطرت على نسبة كبيرة من قطاع الأعمال، ما تسبب في زيادة معدلات البطالة بين الشباب الخليجي.

إستراتيجيات التعمين

سعت السلطات العمانية على مدار السنوات الماضية إلى تخفيف وطأة تزايد معدلات البطالة بين مواطنيها، فتصاعد - بجانب إستراتيجية التوطين التي تتبعها في القطاعات الحكومية - رهانها على القطاع الخاص من أجل مواجهة تلك التحديات التي تجهض خطط التنمية التي تقوم بها.

وفي الربع الأول من العام 2019 نجح القطاع الخاص في توفير قرابة 27 ألف فرصة عمل وفق ما أشارت البيانات الرسمية، فيما نالت قطاعات البناء والتشييد، والبيع والتوزيع والصناعة، نصيب الأسد في هذا المضمار، إذ استحوذت على قرابة نحو 58% من تلك الوظائف.

ورغم أن قطاع السياحة من أكثر القطاعات التي يعول عليها في مسار التوطين إلى أنه لم يوفر إلا 6% فقط من إجمالي الوظائف، وذلك جراء العديد من الأسباب على رأسها حالة الكساد التي تعرض لها هذا القطاع خلال الأشهر الماضية، منذ نهاية العام الماضي، بجانب الشلل الذي أصاب حركة السفر والتنقل حول العالم منذ تفشي كورونا.

رئيس مجلس إدارة "غرفة تجارة وصناعة عمان" قيس اليوسف، يذهب بمخطط التعمين إلى ما هو أبعد من السنوات القليلة الماضية، لافتًا إلى أن بلاده تسعى منذ تسعينيات القرن الماضي إلى توطيف الوظائف، مؤكدًا أن بعض القطاعات الحيوية في الاقتصاد العماني تصل نسبة العمالة الوطنية بها نحو 90% مثل النفط والغاز والمصارف.

اليوسف، وفي مقابلة مع وكالة الأنباء الروسية "سبوتنيك" أوضح أن السلطنة قطعت شوطًا كبيرًا في هذا الأمر، حيث جيشت الدولة إمكاناتها كافة لتعزيز هذا الاتجاه، وحثت القطاع الخاص على تبني التوجه ذاته، مضيفًا أن هناك تشريعات عدة تعزز موضوع التوطين، ومن المتوقع أن تصل النسبة في كثير من القطاعات الاخرى إلى أكثر من 80%.

ومن الخطوات التي اتخذتها مسقط في هذا المضمار، وقف التصريح باستقدام عمالة أجنبية بشكل مؤقت، في بعض القطاعات، وفق القرار الذي نشرته الجريدة الرسمية للبلاد والصادر عن وزير القوى العاملة عبد الله البكري في فبراير 2019، مستثنيًا المنشآت التي يعمل بها مئة عامل أو أكثر، والمنشآت العاملة في تنفيذ المشاريع الحكومية.

البطالة في عمان
تزايد معدلات البطالة في عُمان

مصير العمالة الأجنبية.. إلى أين؟

لجأت الحكومة العمانية إلى تعمين الوظائف بالتدريج، حيث بدأت بتأهيل الشباب العماني أولًا وتنمية قدراته للوظائف المطلوبة، بجانب التنسيق مع اللجان والكيانات الوظيفية الأخرى لتفعيل مخطط التوطين، هذا بجانب محاولة فتح آفاق جديدة في سوق العمل لاستيعاب العمالة الجديدة.

لكن التجربة خلال السنوات الماضية أوضحت أن الإجراءات كافة التي اتخذتها الحكومة لم تحقق الهدف المنشود، حيث باء معظمها بالفشل، فما زالت العمالة الأجنبية تسيطر على المشهد بصورة كبيرة، في ظل فشل البرامج المتبعة في تأهيل كوادر شبابية قادرة على تحمل المسؤولية وتعويض غياب العمالة الوافدة، وهو ما دفع بعض النخب العمانية لانتقاد مخططات الحكومة ووصفها بالتنظيرية.

ورغم هذا الفشل وفي ظل الإصرار على إستراتيجيات التعمين التي كان آخرها القرار الإلزامي الصادر قبل أيام بشأن فرض التوطين في القطاع الحكومي، يبقى مصير العمالة الأجنبية في السلطنة تساؤلًا يفرض نفسه على ألسنة الجميع، فهل يجد هؤلاء أنفسهم بين غمضة عين وانتباهتها على أرصفة البطالة، مجبرين على العودة إلى أوطانهم؟

يمثل الأجانب أكثر من 41.7% من إجمالي سكان السلطنة الذين يبلغ عددهم قرابة 4.6 مليون نسمة، فيما ذهبت بعض المؤشرات إلى أن هناك 1.8 مليون عامل في عمان من غير مواطني الدولة، وهو رقم ليس بالقليل حال تفعيل إستراتيجية الإطاحة بهم واستبدالهم بالعمالة الوطنية.

أحمد حمودة، صحفي مصري كان يعمل بإحدى الصحف اليومية العمانية، أشار إلى أنه فوجئ العام الماضي، ودون أي مقدمات، بقرار الاستغناء عنه من رئيس التحرير، وعند السؤال عن السبب كانت الإجابة: قرارات عليا، إلا أنه اكتشف بعد ذلك أن هناك تعليمات من الحكومة بتقليص العمالة الأجنبية لصالح العمانيين، خاصة أنه ليس الصحفي الوحيد الذي أُطيح به.

الصحفي المصري في حديثه لـ"نون بوست" أشار إلى أنه كان الذراع اليمنى لمدير التحرير في العمل، وكان يعتمد عليه في كل الأمور، وكان الحديث عن الاستغناء عنه دربًا من الخيال في ظل العلاقة القوية التي بينه وبين الإدارة، إلا أنه تفاجأ حين لاحظ عدد من الخريجيين الجدد داخل الجريدة، وما هي إلا أيام قليلة حتى صدر قرار الاستغناء عن قرابة 6 صحفيين من جنسيات عربية مختلفة.

لم تكن حالة حمودة الوحيدة، فهناك العشرات بل والمئات من العاملين في الوظائف الإدارية في الشركات المختلفة تم الإطاحة بهم، حتى دون صرف أي مستحقات عن فترة العمل التي قضوها كما تقول العقود الموقعة بينهم وبين جهات العمل، وفجأة فقدت مئات الأسر مصدر دخلها وما كان منها إلا أن عادت إلى أوطانها مرة أخرى، على حد قول الصحفي المصري.

يذكر أن مستقبل ما يقرب من 25 مليون أجنبي يقيمون في دول الخليج بات على المحك في ظل الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تتعرض لها المنطقة النفطية على وجه التحديد، يتعاظم هذا القلق مع تزايد معدلات البطالة في تلك الدول، ما يمثل ضغطًا كبيرًا على الحكومات التي لم تجد أمامها إلا الأجانب للتضحية بهم.

هروب من المأزق الاقتصادي

الخسائر التي مُني بها اقتصاد السلطنة جراء كورونا، وكان من بينها زيادة معدلات البطالة، دفعها - كما معظم دول العالم - إلى إعادة النظر في الإجراءات الاحترازية المتخذة، حيث لجأت إلى التخفيف شيئًا فشيئًا من تلك القيود في محاولة للتعايش مع الوباء لحين التوصل إلى علاج فعال يجهز عليه ويعيد الحياة إلى طبيعتها قبل ديسمبر 2019.

وتماشيًا مع هذا التوجه سمحت السلطنة بإعادة فتح بعض المجالات مرة أخرى، بما في ذلك الصرافة وإصلاح السيارات وقطع غيار قوارب الصيد ومتاجر بيع السلع الإلكترونية، كخطوة أولية نحو توسعة مساحة التقييد المفروضة على بقية المجالات الاقتصادية التي أغلقت أو عُلقت طيلة الأشهر الماضية، وذلك وفق بيان نشرته وكالة الأنباء العمانية.

ويعد الاقتصاد العماني من أكثر اقتصادات المنطقة تأثرًا بأزمة كورونا، كونه مرتبط بصورة كبيرة باقتصاد الصين، حاضنة القيروس وموطنها الأول، حيث تصدر مسقط قرابة 45.1% من بضائعها إلى الصين، هذا وسط توقعات بتراجع معدلات النمو التي أعلنتها المؤسسات المالية قبل ذلك.

ووفق مؤسسة "أوكسفورد إيكونوميكس" فقد تراجع متوسط توقعات النمو في سلطنة عمان، إلى 1% في 2019 و1.7% في 2020 و2.3% في 2021، مقارنة بالتوقعات الصادرة قبل ثلاثة أشهر التي كانت تتوقع نمو الناتج المحلي الإجمالي للسلطنة بنسبة 1.3% في 2019 و3.2% في 2020 و3% في 2021.

ومن جانب آخر، فإن من بواعث الأزمة الانهيار الكبير في أسعار النفط في ظل تراجع الطلب عليه عالميًا، وهو ما يضع الدول المنتجة تحت ضغط كبير لإجراء مزيد من التخفيضات، الأمر الذي اضطر معه وزير النفط العماني محمد الرمحي، للطلب بإجراء خفض قصير وأكبر لإنتاج النفط حتى نهاية يونيو المقبل، للحد من خسائر السلطنة بسبب هبوط سعر برميل النفط إلى ما دون الـ30 دولارًا للبرميل.

يذكر أن السلطة تعتمد بصورة كبيرة على العائد من بيع النفط الخام الذي يبلغ معدل إنتاجه قرابة 30 مليون برميل، خلال يوليو الماضي، تستحوذ الصين وحدها على 78.4% من إجمالي إنتاجه وقد ترتفع هذه النسبة إلى 85% في بعض الأحيان، وهو ما يزيد من تفاقم الأزمة.

الأمر ذاته ينسحب على الغاز الذي من المتوقع أن تبلغ نسبة التراجع في طلب الصين له بنسبة 2% خلال هذا العام، علمًا بأن واردات الصين من الغاز سنويًا تتجاوز 82 مليون طن، وهو ما يعني خسارة كبيرة من المتوقع أن تواجهها السلطنة التي تعد من أكبر عشرة مصدرين للغاز المسال في العالم.

اختبار صعب يواجهه حاكم عمان الجديد السلطان هيثم بن طارق، لتجاوز هذه المرحلة الحرجة التي تواجهها بلاده كما تواجهها دول المنطقة، وبينما يحيي العالم أعياد العمال التي تصادف الأول من مايو فإن ما يقرب من مليوني عامل أجنبي في السلطنة باتت حياتهم على المحك في ظل سياسة التوطين الإجبارية التي تفرضها السلطنة.