استهداف النظام المغربي من ذباب الإمارات الإلكتروني

شنت بعض الحسابات الوهمية الممولة إماراتيًا هجومًا شديدًا ضد المملكة المغربية خلال الأيام الماضية، فيما حذر نشطاء مغاربة من ظهور صفحات جديدة على مواقع التواصل الاجتماعي بهدف المساس بالشأن المغربي الداخلي من خلال تدوينات تسعى لاستقطاب النشطاء وتوجيه الرأي العام لخدمة أجندات خارجية.

يأتي هذا الهجوم بعد شهر ونصف تقريبًا من هجوم سابق شنته حسابات الذباب الإلكتروني الإماراتي التي كشفت بعض وسائل الإعلام المغربية أنها تدار وتمول من الحكومة الإماراتية لتأليب الرأي العام بشأن قضايا معينة، بما يخدم في نهاية المطاف أجندة أبناء زايد في منطقة الشرق الأوسط.

استهداف الرباط بالحملات الإلكترونية التي تشكك في وطنية الحكومة وتسعى لتقسيم الشارع المغربي ضد نظامه، ليست المحاولة الأولى من الجانب الإماراتي، كما أنها تعكس في الوقت ذاته حالة الاحتقان والتوتر المكتوم بين البلدين، المغرب والإمارات، خلال العام الأخير على وجه التحديد في ظل تباين وجهات النظر حيال ملفات بعينها.

صفحة جديدة تضاف لسجل أبو ظبي المشين في التدخل بالشؤون الداخلية لدول المنطقة عبر ذبابها الإلكتروني، ففي الأيام الأخيرة أوقفت شركتا تويتر وفيسبوك آلاف الحسابات وقالتا إنها مرتبطة بالإمارات والسعودية، وذلك لتبنيها منهج الهجوم على دول كقطر وتركيا بناء على توجيهات حكومية واضحة، كما كشفت أول أمس مجموعة تحليل التهديدات في شركة البحث العملاقة "غوغل" أنها أغلقت حسابات تابعة للدولتين تروّج لهما وتنتقد بعض الدول الأخرى.

مركز الإمارات للدراسات والإعلام

شنً الذباب الإماراتي هجومه على المملكة هذه المرة من حساب على فيسبوك يحمل اسم "مركز الإمارات للدراسات والإعلام" ففي الـ25 من مايو/أيار الماضي نشر هذا الحساب تدوينة مصغرة قال فيها "استقرار المملكة المغربية يبدأ بالإطاحة بحزب العدالة والتنمية" وهي التغريدة التي أثارت حفيظة الشارع المغربي بصورة كبيرة.

عرفت الصفحة نفسها ابتداءً بالإشارة إلى أنها خاصة بمركز للدراسات مختص بمنطقة المغرب (ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب، موروتانيا) وتسعى إلى توعية شعوب تلك الدول بخطر الإخونجية على حد قولها، مكرسة منشورتها كافة لانتقاد حكومات دول المغرب وهو ما اعتبره نشطاء تدخلًا صريحًا في الشأن الداخلي لتلك الدول.

غير أن المتابع لما تنشره يجد أنها لا تستهدف تأليب الشعب المغربي على نظامه فحسب، بل شعوب دول المغرب جميعًا، حيث أشارت في أحد منشوراتها "لا استقرار في الجزائر وهي تحت حكم مجتمع السلم الإخوانجية" كذلك "ننتظر الأخبار من تونس.. نهاية حكم النهضة باتت قريبة جدًا".

التوجه العام للصفحة يتماشى مع توجه محور الشر الذي تقوده كل من السعودية والإمارات ويستهدف دول الربيع العربي ويدعم أنظمة الحكم الديكتاتوري بها، على حساب إرادة الشعوب، وقد لخصت هذا المنهج في البوست الذي نشرته آخر مايو/أيار الماضي حين كشفت النقاب عن أيديولوجيتها السياسية بقولها "يجب القضاء على الإخوان في تونس وليبيا والمغرب كما تم القضاء عليهم في مصر".

اللافت للنظر من خلال منشورات تلك الصفحة وغيرها من الصفحات الوهمية الأخرى أنها تستخدم نفس العبارات والجمل، التي تتمحور حول اتهام حكومة العثماني بأنها تمول الجماعات الإخوانية على حساب شعبها، وهو ما يؤكد خضوعها للجان إلكترونية ممنهجة تستهدف المملكة وفق ما توصل نشطاء.

 

مؤامرة إماراتية

الصحافي والناشط المغربي حسن بويخف، كشف من خلال مقال له على صفحته على فيسبوك أن تلك الصفحة تتضمن تدوينات مشبوهة تحمل صيغة التحريض والتدخل في الشأن الداخلي لكل من المغرب وتونس، كما تعمل على التحكم في الرأي العام الوطني للدولتين خدمة لأهداف التحالف الاستبدادي الخليجي، على حد قوله.

وأضاف أنه وحسب المعطيات التفصيلية التي تقدمها إدارة فيسبوك عن الصفحة، فإن المكان الرئيسي الذي تدار منه الصفحة يتوقع أن يكون متواجدًا داخل الأراضي الليبية، على حد تصوره، معززًا رأيه بما نشرته الصفحة في 20 من مايو/أيار، حين كتبت: "مطلوب نساء ورجال ليبيين للعمل في مؤسسة حماية المنشآت في دبي، من يجد في نفسه الكفاءة يراسلنا على الخاص"، وهو ما اعتبره الصحفي المغربي "دعوة واضحة تبين الأدوار الموازية التي تلعبها الصفحة في تجنيد الليبيين، بالطبع ضد بلدهم ولخدمة التحالف اللعين".

بويخف أعرب عن تخوفه من إعجاب بعض المغاربة بمثل تلك الصفحات رغم وضوح أهدافها الاستخباراتية المشبوهة، مستبعدًا التشكيك في وطنيتهم، مرجعًا ذلك إلى حسن نواياهم في الغرور بالاسم العلمي والبحثي للصفحة ومن ثم الانضمام إليها دون الوقوف على تفاصيل مخططها الخبيث.

واختتم مقاله بضرورة مقاطعة مثل تلك الصفحات التي تستهدف أمن واستقرار بلادهم من خلال التلاعب بالرأي العام، محذرًا من الترويج لها بأي شكل من الأشكال، ومناشدًا قادة الرأي في المملكة بتنوير الشعب المغربي بالتصدي لمثل هذه المخططات التي تخدم أجندات خارجية.

وتشهد العلاقات المغربية الإماراتية خلال الآونة الأخيرة حالة من التوتر بسبب تباين وجهات النظر حيال بعض الملفات، منها عدم تماهي موقف الرباط مع موقف أبو ظبي والرياض بشأن الحصار المفروض على قطر منذ 2017 وحتى اليوم، هذا بجانب الموقف من الأزمة الليبية، إضافة إلى انسحاب المملكة من الحرب في اليمن، التي تدعم فيها الرياض القوات الموالية للحكومة اليمنية، في مواجهة الحوثيين المدعومين من إيران.

ورغم اللقاءات المتباعدة التي تتم بين الحين والأخر بين محمد السادس ومحمد بن زايد إلا أنها لم تنجح في رأب الصدع، وتطويق الأزمة الآخذة في الاتساع بين البلدين، والتي كان من مؤشراتها الواضحة استبعاد أبو ظبي من برنامج جولات وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، إلى بلدان الخليج في السنتين الأخيرتين، أعقبها لجوء الرباط لسياسة المعاملة بالمثل فيما يتعلق بإعادة ممثلي الدبلوماسية المغربية في الإمارات إلى المملكة ردًا على سحب أبو ظبي لسفيرها في الرباط، على سالم الكعبي، قبل عام تقريبا.

كنا قد أشرنا في تقرير سابق في "نون بوست"  إلى أن صناعة الفوضى باتت الثروة الحقيقية للإمارات بعد النفط، حيث سخًرت السلطات الحاكمة هناك كافة جهودها لتعزيز تلك الثروة، مستندة في ذلك إلى التأثير القوي للإعلام البديل مقارنة بالتقليدي، والذي تبين دوره وفاعليته خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يفسر الإنفاق الكبير على منصات التواصل الاجتماعي ومحاولة التأثير في صناعة الرأي العام لشعوب الدول.

وهكذا تواصل أبو ظبي عبر أدواتها الإلكترونية ذات الميزانية المالية المفتوحة مساعيها للعبث في الأنظمة العربية التي لا تتماشى مع أهواء أجندات أبناء زايد في المنطقة، ورغم التصدي الشعبي الذي يعرقل نجاح مخططها كل مرة، فإنها لا تمل من استمرار الهجوم بين الحين والآخر، ليواصل القناع المزيف سقوطه يومًا بعد يوم، كاشفًا الوجه الحقيقي للدولة الصغيرة التي تسعى لتعميق نفوذها الإقليمي بطريقتها الميكافيللية المعهودة.