أزمات متلاحقة تلك التي يعيشها العراق منذ أشهر، فبعد التظاهرات الشعبية الواسعة في العراق في الأول من أكتوبر/تشرين الأول الماضي وما لحقها من استقالة حكومة عادل عبد المهدي وشغور المنصب لأشهر، يواجه العراق الآن مشكلات أخرى.

مع تفشي جائحة كورونا وانتشارها في دول العالم ومنها العراق، تراجع الطلب العالمي على النفط إلى أدنى مستوياته منذ سنوات، ما أدى إلى تهاوي أسعاره لمستويات قياسية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على العراق الذي يعتمد في 93% من موازنته المالية العامة على النفط وما يحققه من إيرادات بيعه. 

لتتبع تلك المشكلة واحدة أخرى تتمثل بقلة السيولة المالية لدى الحكومة العراقية ومشكلة رواتب الموظفين العموميين في البلاد الذين تقدر أعدادهم بالملايين إضافة إلى المتقاعدين والمتعاقدين والمصروفات الأخرى. 

الأسطر التالية لـ"نون بوست" تفصّل في المشكلة الاقتصادية للعراق ومشكلة رواتب موظفي الدولة. 

أعداد الموظفين في البلاد

كعادة جميع الوزارات العراقية، لا توفر وزارة التخطيط في موقعها الرسمي أي بيانات عن أعداد الموظفين العموميين في البلاد، لكن وفقًا لما ورد في الموازنة العامة للبلاد عام 2019، فإن عددهم يبلغ أكثر من 2.9 مليون موظف دون احتساب الموظفين الذين يعملون بصيغة العقود المؤقتة أو الوزارية. 

إذ يبلغ حجم رواتب الموظفين أكثر من 43 ترليون دينار عراقي (35.8 مليار دولار) وبما يعادل كذلك 43% من ميزانية الدولة العراقية العام الماضي، يضاف لهذا العدد من الموظفين 500 ألف موظف جديد إما تم تعيينهم او أعيدوا إلى وظائفهم بعد التظاهرات الشعبية التي انطلقت في أكتوبر الماضي، منهم 108 آلاف موظف في وزارة الدفاع وحدها. 

لا يحظى العراق حتى الآن بموازنة اتحادية

لا تتمثل مشكلة الرواتب في العراق بالموظفين فقط، فهناك عدد كبير من المتقاعدين أيضًا، إذ ووفق المدير العام للتقاعد والضمان الاجتماعي علي جعفر الحلو فإن عدد المتقاعدين يبلغ 3.6 مليون متقاعد ويتقاضون رواتب تقدر بين الـ400 ألف دينار (325 دولارًا) و4 ملايين دينار (3.25 ألف دولار) وأكثر من ذلك بالنسبة لتقاعدي الرئاسات الثلاثة (الجمهورية والحكومة ومجلس النواب). 

وفي السياق، يقول الخبير الاقتصادي محمد ياسر في حديثه لـ"نون بوست" إن الحكومات العراقية منذ عام 2003 لم تفلح في بناء نظام اقتصادي متنوع أو تراعي تذبذب أسعار النفط على أقل تقدير، ويضيف ياسر أن الحكومات اعتمدت على أسعار النفط والطفرات السعرية التي شهدها النفط خلال السنوات الماضية، وبالتالي لم تلتفت الحكومة لليوم الذي قد تتهاوى فيه أسعار النفط، خاصة أن العراق يعتمد بصورة عامة وشبه مطلقة على القطاع العام الذي يعد المشغل الرئيس للقطاع الخاص المتهاوي منذ سنوات بسبب الاستيراد المفرط وعدم حماية الصناعة والمنتج المحلي.

ويختتم ياسر حديثه قائلًا: "انخفاض سعر برميل النفط حاليًّا أدى إلى أن تكون الحكومة عاجزة عن تأمين رواتب الموظفين، فضلًا عن عجزها عن تأمين الأموال اللازمة للميزانيات الاستثمارية والتشغيلية (موزانات الدوائر الخدمية)"، معتقدًا أن الحكومة ستكون مجبرة على الاقتراض الخارجي من صندوق البنك الدولي والبنك الدولي وغيرها لتأمين حاجتها من الأموال، خاصة أن المصارف الحكومية والداخلية لا تستطيع تغطية العجز لفترة طويلة. 

الموازنة العامة للبلاد

وفقًا لما نص عليه قانون الموازنة العامة للبلاد لعام 2019، فإن قيمة الموازنة بلغت نحو 105.5 تريليون دينار عراقي، منها 93.7 تريليون دينار كإيرادات نفطية و11.8 تريليون كإيرادات غير نفطية، بينما بلغت قيمة النفقات العامة المخططة نحو 133.1 تريليون دينار عراقي، مع الأخذ بعين الاعتبار أن النفقات الجارية قدرت بنحو 100 تريليون دينار والنفقات الاستثمارية (لمشاريع البنى التحتية للمحافظات) بنحو 33 تريليون دينار.

وجاء في نص قانون الموازنة أن العجز المخطط عام 2019 المنصرم كان يقدر بنحو 27.5 تريليون دينار، مع تغطية العجز بقروض خارجية وداخلية، إلا أن اللافت أن العجز الكبير في موازنة العام الماضي كان في وقت سعرت فيه الموازنة الاتحادية سعر برميل النفط بـ56 دولارًا، بمعدل تصدير 3.88 مليون برميل يوميًا. 

على الجانب الآخر، وعلى الرغم من مرور 6 أشهر على العام المالي الجديد، لا يحظى العراق حتى الآن بموازنة اتحادية، فاستقالة حكومة عادل عبد المهدي أواخر العام الماضي وتصريفها للأعمال الحكومية فقط، لم يسمح لها قانونيًا بتقديم مشروع الموازنة لمجس النواب العراقي. 

العراق سيصدر النفط بمعدل 2.819 مليون برميل يوميًا، ما يعني مزيدًا من التكبيل الاقتصادي للحكومة

وفي السياق، يقول عضو اللجنة المالية في البرلمان جمال كوجر: "من الضروري على حكومة مصطفى الكاظمي إجراء تعديلات جذرية على مسودة قانون الموازنة الاتحادية لعام 2020 وإرسالها إلى البرلمان في أسرع وقت"، مشبهًا حكومة الكاظمي في ظل عدم وجود موازنة عامة بحكومة تصريف الأعمال.

ويضيف كوجر أن موازنة 2020 قد تشهد وجود سعرين للنفط مدرجين في الموازنة، سيكون الأول ثابتًا ومخصصًا لرواتب القطاع العام، فيما سيكون السعر الثاني متغيرًا وفق التسعيرة العالمية وسيكون مخصصًا للموازنة الاستثمارية للمحافظات، مؤكدًا أن التعديلات التي ستشهدها الموازنة ستشمل تخفيضًا في موازنات الكثير من الوزارات مع الاهتمام بموازنة القطاع الصحي لمواجهة وباء كورونا، متوقعًا أن اللجنة المالية النيابية ستتراجع عن قراراتها السابقة في إيقاف القروض الخارجية على أن يتم إرجاء سداد الديون الخارجية للعراق والبالغة 15 مليار دولار. 

ليس هذا فحسب، إذ إن الموازنة العامة المرتقبة تعاني من مشكلة أخرى إضافة إلى انخفاض أسعار النفط، فانخفاض الطلب العالمي على النفط بسبب جائحة كورونا تسبب في تراجع الطلب العالمي، ما حدا بالدول المنتجة للنفط من داخل منظمة أوبك وخارجها للاتفاق على تخفيض معدلات الإنتاج بنحو 10 ملايين برميل يوميًا وفق اتفاقية (أوبك +). 

العراق الذي يصنف ضمن منظمة أوبك كان له نصيب من هذا التخفيض بنحو 1.1 مليون برميل يوميًا وفق الموقع الرسمي لوزارة النفط العراقية، ما يعني أن العراق سيصدر النفط بمعدل 2.819 مليون برميل يوميًا، ما يعني مزيدًا من التكبيل الاقتصادي للحكومة المتمثل بانخفاض وتراجع الأسعار. 

رواتب الرئاسات الثلاثة ورفحاء

تصاعدت حدة الأصوات الشعبية المطالبة بخفض رواتب ومخصصات الرئاسات الثلاثة في العراق المتمثلة برئاسات الجمهورية والبرلمان والحكومة، إذ كشف الخبير القانوني جمال الأسدي أعداد موظفي الرئاسات الثلاثة ورواتبهم، لافتًا إلى أن لدى البرلمان 1955 موظفًا بميزانية تقدر بنحو 235 مليار دينار بما يعادل (196 مليون دولار) سنويًا. 

أما رئاسة الجمهورية فيبلغ عدد موظفيها 1068 بميزانية 51 مليار دينار سنويًا (46 مليون دولار)، أما مجلس رئاسة الوزراء فيبلغ عدد موظفيه 3587 بموازنة تقدر بنحو 615 مليار دينار عراقي (513 مليون دولار) سنويًا.

واستجاب رئيس الوزراء الجديد مصطفى الكاظمي لهذه المطالب، وأعلن خفضًا برواتب الرئاسات الثلاث، وقال: "قررنا خفض مرتبات الرئاسات والدرجات الخاصة والوظائف العليا، وإيقاف مزدوجي الرواتب والوهميين وترشيد الإنفاق الحكومي".

ليست الرئاسات الثلاثة وحدها التي طالب المتظاهرون العراقيون بمساواتها مع الموظفين العموميين العاديين، إذ كان من بين أبرز المطالب إلغاء قانون رواتب المشمولين بالرفحاء الذي يعرّف على أنه المخيم الذي يقع داخل الأراضي السعودية على الحدود المشتركة مع العراق، وكان قد هرب إليه مئات الاشخاص عقب حرب الخليج الثانية عام 1991، وتم تخصص رواتب لهم رغم أن معظمهم يعيش خارج البلاد الآن.

الكاظمي لا يستطيع تعطيل إلغاء مزاد بيع العملة

كشف رئيس هيئة التقاعد العراقية أحمد الساعدي حجم رواتب المستفيدين من قانون السجناء السياسيين من محتجزي مخيم رفحاء، مشيرًا في حديث له إلى أن محتجزي مخيم رفحاء من الذين قضوا فيه أقل من 15 يومًا يتسلمون مبلغ 5 ملايين دينار (4200 دولار) مقطوعة لمرة واحدة. 

فيما أضاف الساعدي أن من قضى في المخيم بين شهر واحد و6 أشهر يتسلم راتبًا شهريًا مقداره 400 ألف دينار (330 دولارًا)، مبينًا أن هذه المرتبات تصرف وفق قانون السجناء السياسيين المقر في البرلمان قبل سنوات.

كما كشف الساعدي أن من مكثوا في المخيم بين 6 أشهر وعام واحد يتسلمون راتبًا يبلغ 800 ألف دينار شهريًا (660 دولارًا)، لافتًا إلى أن من احتجز في المخيم لعام أو أكثر يتسلمون رواتب تبلغ 1.2 مليون دينار (ألف دولار)، يضاف لها مبلغ 60 ألف دينار (50 دولارًا) عن كل سنة احتجاز، مؤكدًا أن هذا الراتب يفوق رواتب أربعة موظفين متقاعدين من الدرجات المتوسطة بعد أن قضوا 30 عامًا في الخدمة بمؤسسات الدولة العراقية. 

رواتب متعددة في آن واحد

كشفت الأشهر الماضية أن هناك آلاف العراقيين يتقاضون أكثر من راتب في آن واحد، إذ فجّر عضو اللجنة المالية النيابية جمال كوجر مفاجأة من العيار الثقيل بعد أن أكد وجود أكثر من 250 ألف شخص يتقاضون أكثر من راتب في آن واحد، ويكلفون الدولة والميزانية أكثر من 18 مليار دولار سنويًا، مبينًا أن صندوق النقد الدولي كشف هذه الأرقام وهناك من يستلم راتبين أو ثلاثة وبعضهم يتسلم خمسة أو تسعة رواتب في الشهر الواحد. 

يشار إلى أن قرار الكاظمي بخفض رواتب الرئاسات قد شمل أيضًا إيقاف مزدوجي الرواتب والوهميين، كما ذكرنا أعلاه.

حلول صعبة

رغم الانهيار الكبير لأسعار النفط خلال الأسابيع الماضية، فمع بدء دول العالم التخفيف التدريجي لإجراءات مواجهة فيروس كورونا، شهدت أسعار النفط ارتفاعًا طفيفًا خلال الأيام القليلة الماضية ليسجل خام برنت (الذي يقدر سعر النفط العراقي وفقه) إلى 39 دولارًا للبرميل، وفق آخر تسعيرة للنفط في بورصة النفط العالمية.

جميع الإصلاحات المقترحة من اللجنة المالية ستقف أمامها الكتل السياسية والأحزاب المستفيدة من الوضع الحاليّ

ومع الحديث عن إمكانية إقدام العراق على الاقتراض الخارجي لسد العجز وتأمين رواتب الموظفين، أكدت عضو اللجنة المالية النيابية محاسن حمدون أن أسعار النفط بدأت بالارتفاع وفي حال وصل سعر برميل النفط إلى 40 دولارًا للبرميل، فإن العراق في هذه الحال سيكون قادرًا على تأمين رواتب موظفيه دون الاقتراض الخارجي. 

من جانبه، أشار عضو اللجنة المالية النيابية عبد الهادي السعداوي إلى إمكانية رئيس مجلس الوزراء مصطفى الكاظمي السيطرة على مزاد بيع الدولار من البنك المركزي، مشيرًا إلى أن الكاظمي لا يستطيع تعطيل إلغاء مزاد بيع العملة، إلا أن السيطرة عليه ستمكن الحكومة من تحقيق الكثير من الإيرادات، لافتًا إلى أن فتح البنك المركزي لبيع العملة لجميع العراقيين إضافة إلى الشركات سيوفر كثيرًا من الأموال وسيحد من الهدر والفساد وتهريب العملة. 

أما مقرر اللجنة المالية النيابية أحمد الصفار فأكد أن على الحكومة استبعاد النفقات غير الضرورية والمتعلقة بالمخصصات الكبيرة المتعلقة بالنثريات والحمايات التي تشكل هدرًا للمال العام، لافتًا إلى أن الدولة لديها من 20 إلى 30 بندًا من الإيرادات لا تدخل إلى الميزانية بسبب الفساد ابتداءً من المنافذ الحدودية والجمارك ووصولًا إلى عقارات الدولة.

ويقترح الصفار إعادة هيكلة النظام المالي العراقي والابتعاد عن التعامل بالسياسات النقدية المتمثلة بالتعامل بـ(الكاش) والاعتماد على الأتمتة الإلكترونية للدفع (بطاقات الدفع الإلكتروني)، مضيفًا أن اعتماد الحكومة على البايومتر (الرقم الموحد للموظفين) سيساعد الحكومة على التخلص من عبء تعدد الرواتب لآلاف الموظفين.

ويختتم الصفار أن هناك ضرورة ملحة لإعادة هيكلة النظام المالي للإيرادات العامة للدولة والتخلص من النظام الريعي الذي يعتمد على العائدات النفطية غير المستقرة، لافتًا إلى أن ذلك يعني الاعتماد على تنويع الموارد كالزراعة والصناعة والسياحة، وأن يكون العراق مصدرًا لا مستوردًا أو مكتفيًا ذاتيًا على أقل تقدير. 

هي مشاكل معقدة ومزمنة ومتزامنة بدأت منذ 17 عامًا، ما يجعل مهمة مصطفى الكاظمي وحكومته صعبة للغاية، خاصة أن جميع الإصلاحات المقترحة من اللجنة المالية ستقف أمامها الكتل السياسية والأحزاب المستفيدة من الوضع الحاليّ، وبالتالي سيكون الكاظمي أمام تحد اقتصادي كبير خلال الأشهر القليلة الماضية، إضافة إلى التحديات السياسية والصحية وتفشي فيروس كورونا.