رغم ما تضمنته مسودة دستور الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الموجودة حاليًّا على طاولة الأحزاب السياسية وفعاليات المجتمع المدني، من مؤشرات ونقاط إيجابية في العديد من المجالات على غرار الحريات السياسية والمدنية وحرية الإعلام والاعتراف الرسمي بالحراك الشعبي الذي أسقط حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة وأطاح نظامه، إذ تمت دسترة هذه الحركة الشعبية التي انطلقت شراراتها في 22 من فبراير/شباط الماضي، غير أن بعض مواده أثارت جدلًا واسعًا وقسمت الرأي العام بين مؤيد ومعارض، أبرزها التأكيد أن الأمازيغية كلغة وطنية ورسمية صماء غير قابلة للتعديل، وأعاد هذا المقترح الجدل بشأن الهوية إلى الواجهة مجددًا.

وتضمنت المسودة الدستورية التي ستحال لاحقًا إلى استفتاء شعبي، بعد صياغتها النهائية، مقترحًا يقضي بإدراج اللغة الأمازيغية كلغة رسمية ضمن المواد غير القابلة للتعديل أو ما يعرف بالمواد الصماء غير القابلة للمساس.

وجاءت هذه الخطوة بعد أربع سنوات فقط من اعتماد اللغة الأمازيغية لغة رسمية شأنها شأن العربية، إضافة إلى إصدار قانون يحدد كيفية العمل بهذه اللغة، مما اعتبر انتصارًا لسكان منطقة القبائل الذين نادوا منذ سنوات بترسيم هذه اللغة وعدم الاكتفاء بجعلها لغة وطنية في الدستور الذي تم تعديله سنة 2016، وقبلها بسنوات وبالتحديد عام 2002، اعترفت الدولة الجزائرية بالأمازيغية كلغة وطنية وخصصت لها حيزًا من الإعلام العمومي.

ولتطويرها أكثر، استحدث دستور 2016 مجمعًا جزائريًا لهذه اللغة يوضع تحت سلطة رئيس البلاد، وأسندت مهام تطويرها وترقيتها إلى الحكومة، وأقر الدستور، أن الأمازيغية تعد مكونًا مهمًا للهوية الجزائرية، شأنها في ذلك شأن العروبة والإسلام.

ورغم أن ترسيم اللغة الأمازيغية يعود إلى دستور 2016، فإن الفئة الرافضة خرجت عن صمتها بعد الإطاحة بالرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، ودعت لإلغاء هذا الإجراء.

بعضهم يعتبرها مكسبًا للشارع القبائلي

وحظيت هذه المادة، بالنصيب الأكبر من الاهتمام، وقسمت الرأي العام بين مؤيد اعتبر أنها جاءت لصد محاولات ضرب وحدة الأمة الجزائرية، ومعارض يرى أن اللغة العربية اللغة الرسمية الوحيدة المعترف بها ولا ينبغي تقسيم المجتمع الجزائري.

وأرجع محمد لعقاب، كبير مستشاري الرئيس عبد المجيد تبون، أسباب إدراج اللغة الأمازيغية في خانة المواد الصماء غير القابلة للتعديل مستقبلًا إلى رغبة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في تحصينها، وقال في تصريحات رسمية بثتها الإذاعة، الأربعاء الماضي، إن القاضي الأول للبلاد عبد المجيد تبون، وجه اللجنة بعدم المساس بعناصر الهوية واللغة الأمازيعية التي كانت مدسترة، وذلك بهدف عدم تركها للمزايدة والاستغلال من طرف أحزاب سياسية وأطراف خارجية، وختم تصريحاته بالقول: "يجب أن نسحب هذه الورقة من يد المتطرفين". 

واعتبرت المحافظة السامية للأمازيغية (مؤسسة أكاديمية حكومية جزائرية أنشئت في 27 من مايو/آيار 1995)، تثبيت وتحصين الأمازيغية في التعديل الدستوري، "تكريسًا لحق تاريخي في استرجاع تراث أصيل وحماية للأجيال المستقبلية من فخ النزاعات المرتبطة بالهوية والتمييز".

غازلت حركة مجتمع السلم الجزائرية، الشارع الأمازيغي، واعتبرت اللغتين العربية والأمازيغية، شقيقتين تنتميان عبر قرون من الزمن إلى بعد حضاري واحد في ديباجة الدستور

وشددت المحافظة السامية للأمازيغية على ضرورة تحصينها في الدستور، وجعلها في وضعية بمنأى عن أي مراجعة في المستقبل، وهذا بغية حماية الأجيال الصاعدة من الفخاخ المرتبطة بالنزاعات المتعلقة بالهوية والتمييز والتهميش وخطاب الكراهية وإبقاء اللغات الوطنية بعيدًا عن التجاذبات السياسيوية.

وفي قائمة المؤيدين لهذه الخطوة نجد رئيس جيل جديد (حزب سياسي جزائري) سفيان جيلالي الذي رحب بفكرة دسترة اللغة الأمازيغية، ويقول لـ"نون بوست" إن هذا يعتبر مكسبًا مهمًا للشارع القبائلي في الدستور الجديد، ومحاولة لقطع الطريق أمام التيار المعادي لها.

من جهتها غازلت حركة مجتمع السلم الجزائرية (أكبر الأحزاب الإخوانية في البلاد)، الشارع الأمازيغي، واعتبرت اللغتين العربية والأمازيغية، شقيقتين تنتميان عبر قرون من الزمن إلى بعد حضاري واحد في ديباجة الدستور"، غير أنها دعت بالمقابل إلى "تجريم استعمال اللغة الفرنسية كلغة تداول في المؤسسات الرسمية وكلغة تداول في المؤسسات الرسمية وكلغة تعامل في الوثائق الرسمية في الدستور الجزائري".

آخرون يحذرون من الخوض في ملف الهوية

وعلى النقيض اعترضت حركة البناء الوطني (حزب إسلامي) على التصنيف، حيث سجل رئيسها عبد القادر بن قرينة، رفضه إبقاء اللغة الأمازيغية في الدستور لغة وطنية ورسمية ثانية، وقال في تصريح مكتوب: "الجزائر واحدة وشعبها واحد واللغة الوطنية الرسمية واحدة وغير قابلة للنقاش والمزايدة وللرضوخ أمام جماعات الضغط"، في تلميح منه إلى وجود ضغوط سياسية لإدراجها في خانة المواد الصماء التي لا تعدل مطلقًا.

بالمقابل حذر التنظيم النقابي المستقل "نادي القضاة" من الخوض في ملف الهوية، في إشارة منه إلى رفضه التعاطي مع قضية تعزيز مكانة ونفوذ المكون الأمازيغي في الدستور الجزائري.

وفي هذا الإطار ينتقد الأستاذ في القانون الدستوري، قزو أمحند آكلي، في تصريح لـ"نون بوست" فتح النقاش بشأن مسألة التعددية اللغوية وحصرها في الإطار الاحتجاجي والسياسي، ويحذر المتحدث من عواقب استحداث لغتين في مجتمع واحد.

عرفت هذه اللغة توترات عديدة في العقدين الماضيين من الزمن، حيث كانت أول محطة ساخنة عام 1980، إذ شهدت محافظة تيزي وزو (أشهر المدن الأمازيغية)، احتجاجات طلابية في الجامعة، ردًا على قرار منع كاتب جزائري من إلقاء محاضرة عن الشعر القديم، وبعد تفاقم حدة الاحتجاجات في هذه المحافظة، أقدم الرئيس الجزائري الأسبق اليمين زروال، على إدراج اللغة الأمازيغية في التعليم، وأصدر جملة من القرارات الأخرى، اعتبرت مكسبًا مهمًا للشارع الأمازيغي، أهمها إنشاء المحافظة السامية للأمازيغية، ومنح الضوء الأخضر للتليفزيون الجزائري لتقديم النشرات الإخبارية باللغة الأمازيغية.

وبعد تفاقم حدة الاحتجاجات في منطقة القبائل، أدخل الرئيس الجزائري السابق اليمين زروال اللغة الأمازيغية في التعليم بفتح قسمين للغة الأمازيغية بجامعتي تيزي وزو وبجاية عام 1990، كما أنشأ "المحافظة السامية للأمازيغية"، وأضاف البعد الأمازيغي باعتباره أحد المقومات الأساسية للهوية الجزائرية إلى جانب الإسلام والعروبة، وأدرجه في الدستور.

إدراج الأمازيغية في خانة المواد الصماء هدفه سحب الأمازيغية من أيدي المتاجرين بها وتأمين البلاد من التجاذبات المستقبلية

وفي سنة 2016، صادق البرلمان الجزائري بالأغلبية الساحقة على تعديلات دستورية تنص على اعتبار الأمازيغية لغة وطنية ورسمية في البلاد، بينما اللغة العربية هي اللغة الوطنية والرسمية، وعلى الرغم من أهمية هذه الخطوة، فإن كثيرين اعتبروها غير كافية وما زالت اللغة الأمازيغية على المستوى القانوني غير متساوية مع اللغة العربية التي يعتبرها الدستور اللغة الرسمية للدولة.

ويقر الإعلامي والمحلل السياسي أحسن خلاص، بوجود اختلاف بشأن هذه المادة، فيقول: "المادة الثالثة من الدستور المعمول به حاليًّا بهذه الصيغة تحتاج إلى تعديلات لإعطاء الأمازيغية مكانة أكبر قبل التفكير في وضعها ضمن المواد الصماء وخصوم هذه اللغة الذين يطالبون بإزالتها تمامًا".

ويشرح المحلل السياسي لـ"نون بوست" موقف المطالبين بإضفاء تعديلات على الصيغة الحاليّة المذكورة في الدستور المعمول، قائلًا إنهم "لا يتفقون مع عبارة بكل تنوعاتها اللسانية، لأنها تعني بالنسبة لهم محاولة لتمييعها"، ويشير إلى أن هناك من يقترح إدماج الصيغتين الحاليتين وتصبح بذلك اللغتان العربية والأمازيغية هما اللغتان الرسميتان للدولة الجزائرية.

أما النائب البرلماني السابق محمد حديبي، فيقول لـ"نون بوست" إن إدراج الأمازيغية في خانة المواد الصماء هدفه سحب الأمازيغية من أيدي المتاجرين بها وتأمين البلاد من التجاذبات المستقبلية، ويشير في هذا السياق إلى أن "ملف الأمازيغية تم توظيفه خارجيًا ومحليًا من طرف جهات تهدف إلى خدمة أجندات أجنبية تحت غطاء الأمازيغية وللأسف عموم الناس لا يدركون الأهداف والخلفيات".