تشير الدلائل الحاليّة إلى أن تأثير جائحة كورونا على قطاع السياحة والتعافي منها سيكون غير مسبوق

قبل عدة أشهر كان بإمكانك زيارة برج إيفل أو الاستمتاع بدفء شتاء القاهرة بجوار أهرامات الجيزة أو الانبهار بمعالم إسطنبول البهيّة الساحرة، أما اليوم فإن القلق يساورك بمجرد أن تخطو بضع خطوات خارج منزلك، لقد تسببت جائحة كورونا في عدة أزمات اجتماعية واقتصادية وصحية بجميع أنحاء العالم.

كان لقطاع السياحة نصيب كبير في ذلك، حيث توقفت الرحلات الجوية حول العالم، إضافًة إلى حظر التجول والإغلاق والتباعد الاجتماعي داخل الدول نفسها، مع إغلاق المزارات السياحية في معظم الدول منعًا لحدوث تجمعات بشرية.

تعرضت السياحة العالمية من قبل إلى عدة أزمات شديدة بين عامي 2000 و2015، مثل أحداث 11 سبتمبر عام 2001، وتفشي متلازمة الالتهاب الرئوي الحاد "سارس" عام 2003، والأزمة الاقتصادية عامي 2008 و2009، وتفشي متلازمة الشرق الأوسط التنفسية "ميرس" عام 2015.

رغم ذلك لم تتسبب كل هذه الأزمات في تراجع طويل المدى للسياحة العالمية، حتى إن معظمها لم يكن ملحوظًا عدا فيروس سارس والأزمة الاقتصادية العالمية، حيث كان لهما تأثير واضح، يشير ذلك إلى أن نظام السياحة كان مرنًا تجاه الصدمات الخارجية، لكن الدلائل الحاليّة تشير إلى أن تأثير جائحة كورونا والتعافي منها سيكون غير مسبوق.

كيف تأثرت خطط المسافرين بفيروس كورونا؟

في دراسة أجراها باحثون بجامعة جنوب فلوريدا في الأسبوع الثالث من شهر مارس على 2000 مسافر من 28 دولة، سأل الباحثون المسافرين عن سلوكهم خلال الجائحة، أظهرت الدراسة أن 63.8% من المسافرين سيقللون من خطط سفرهم خلال 12 شهرًا قادمين، بينما ألغى أكثر من نصفهم رحلات العمل فورًا.

متحف الفاتيكان

تتوقع نتائج الدراسة مقارنة بالعام الماضي أن صناعة السفر بشكل عام التي تتضمن صناعات مثل الرحلات الجوية والفنادق والمطاعم والأماكن السياحية ستتقلص بنسبة 50% هذا العام، مما يشكل خسارة كبيرة للعاملين في تلك المجالات.

تأثرت أيضًا بشدة صورة الدول التي تفشى فيها المرض بشكل كبير مثل إيطاليا، كما تأثرت صورة الصين أيضًا، حيث يلومها الكثيرون على انتشار الفيروس، لكن الأبحاث تقول إن ذاكرة المسافرين قصيرة المدى تجاه المظاهر السلبية، وربما تتحسن تلك الصورة سريعًا عند انحسار المرض.

عالم من دون سياحة

تسبب فيروس كورونا في تقديم صورة جديدة لعالم دون سياحة، فبإمكاننا الآن أن نرى تأثير توقف السياحة على المدن السياحية وسكانها، حيث تتوافر البضائع بشكل جيد دون ارتفاع أسعارها، بينما تخلو الشواطئ في المدن الساحلية من القمامة ومخلفات السياح.

كشف الفيروس كذلك عن خطر الاعتماد على السياحة كمصدر أساسي للدخل القومي، حيث أظهر ما يحدث عندما تنهار صناعة تدعم مجتمعًا بأكمله، يخبرنا ذلك ضرورة أن تعتمد الدول على مصادر متوازنة للدخل القومي حتى لا ينهار اقتصادها.

سيتجه نظام السياحة العالمي نحو أهداف التنمية المستدامة، فالسياحة بشكلها الحاليّ ليست مرنة لأن الربحية والسيولة غالبًا ما تكون هامشية

قدرت منظمة السياحة العالمية أن مكاسب السياحة الدولية قد تنخفض بنسبة 80% هذا العام مقابل مكاسب العام الماضي التي بلغت 1.7 تريليون دولار، كما ستؤدي تداعيات فيروس كورونا إلى فقدان 120 مليون وظيفة، ولأن السياحة تعتمد على العنصر البشري فسوف تخضع لقيود صارمة تدوم لفترة طويلة حتى بعد رفع الإغلاق، لذا ربما تعاني صناعة السياحة لفترة أطول أكثر من أي نشاط اقتصادي آخر.

السياحة الافتراضية

وسط هذا الإغلاق ومنع السفر انتشر شكل جديد من أشكال السياحة وهو السياحة الافتراضية، حيث أصبح بإمكانك زيارة أشهر المناطق السياحية العالمية والمتاحف والمعارض الفنية دون أن تتحرك من منزلك أو تضطر لإنفاق أموال طائلة والاحتكاك بعدد كبير من البشر.

من أشهر المزارات المتاحة للزيارة الافتراضية متحف الفاتيكان في روما الذي يضم جداريات معقدة ومنسوجات وكنيسة سيستين وكنيسة القديس بطرس، هناك أيضًا متحف التاريخ الطبيعي في لندن والمتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر في كوريا الجنوبية، ومتحف ساو باولو للفن في البرازيل الذي يضم مجموعة تاريخية واسعة.

الأنكا

بإمكانك أيضًا أن تزور مدينة ماتشو بيتشو في بيرو لتتعرف على حضارة الأنكا الغامضة، ثم تنتقل إلى أهرامات الجيزة التي كانت مقابر مذهلة للفراعنة، وإذا كنت من محبي الجمال وقصص الحب الخالدة لا تنس زيارة تاج محل في الهند الذي بناه الإمبراطور شاه جهان من أجل زوجته ممتاز محل في القرن الـ17.

الآثار الإيجابية لتراجع السياحة

لقد كانت أزمة فيروس كورونا فرصة لإعادة النظر بشكل حاسم في نمو السياحة والنتائج الإيجابية لتوقفها بعض الوقت، فقد بدأت شركات الطيران في التخلص من الطائرات القديمة وغير الفعالة، كما أدى ذلك إلى الحد من التنقلات للبلدان التي لا تمتلك استجابة تأمينية كاملة مما ساعد في الحد من التلوث.

وعلى نطاق أوسع، سيتجه نظام السياحة العالمي نحو أهداف التنمية المستدامة، فالسياحة بشكلها الحاليّ ليست مرنة لأن الربحية والسيولة غالبًا ما تكون هامشية، كما أن السياحة كانت تؤثر بشكل غير مباشر في تغير المناخ، لذا مع ارتفاع مخاطر تغير المناخ بشكل ملحوظ أصبح من الضروري إعادة النظر في صناعة السياحة بشكلها الحاليّ، وعليه سيكون هناك اهتمام أكبر بالمحافظة على البيئة باستخدام منتجات صديقة للبيئة والحد من الاستهلاك بشكل عام.

إن إصلاح السياحة يقع على عاتق حكومات الدول والمجالس البلدية، مثل إصلاح المدن السياحية التي كانت تتأثر بشدة بسبب العطلات، كما يجب أن تتقلص السياحة في البلدان التي تهيمن عليها بشكل كبير لتجنب الخسائر الفادحة عند وقوع الأزمات، وذلك مع جهود أوسع للحفاظ على البيئة.