على عجل يصدر مجلس النواب قرارات خطيرة منها ما يمس الأمن القومي، ومنها ما يهدد السياسات النقدية والائتمانية لليبيا، قبيل إصدار الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا حكمها في الطعن المرفوع من عدة شخصيات ليبية على شرعية انعقاد مجلس النواب بطبرق.

كان آخر تلك القرارات إقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي الصديق الكبير، وتكليف نائبه علي الحبري بمهام المحافظ، بعدد غير معروف من الأصوات الموافقة على قرار الإقالة أو تلك الحاضرة لجلسة اليوم الأحد.

وجاء قرار مجلس النواب بعد أن ألغى محافظ المركزي قرارًا كان قد أصدره بالمخالفة نائبه علي الحبري يقضي بتحويل ما قيمته ثمانون مليون دينار من حساب المؤتمر الوطني العام إلى حساب مجلس النواب بطبرق، بالمخالفة للقوانين القاضية بضرورة أن يكون لهذا القرار محاضر تسليم واستلام بين المؤتمر والمجلس.

ورأى المراقبون أن قرار نائب المحافظ بتحويل أموال إلى حساب مجلس النواب هو انحياز سياسي لطرف مختلف عليه بين قطاعات واسعة من الليبيين، ولطالما حاول المركزي عبر بياناته المتعددة أن ينأى بنفسه أو أن ينجر للتحيزات السياسية، مؤكدًا  على أنه يمثل خط الدفاع الأخير لمؤسسات الدولة، وأنّ بقاءه متماسكًا صلبًا بعيدًا عن التجاذبات السياسية، أمرٌ في غاية الأهمية، يمثل جسرًا لعبور البلاد إلى بر الأمان، معربًا عن تخوفه من أن تحمله الأطراف السياسية إخفاقات الجهاز التنفيذي المتمثل في الحكومة.

وبرأي خبراء الاقتصاد إن "مصرف ليبيا المركزي يمثل الضامن لإدارة الاحتياطات النقدية من الذهب والنقد الأجنبي، والإشراف على تحويل العملة بالداخل والخارج، بالإضافة إلى إدارة الأموال الليبية بالخارج والمحافظة عليها".

وهي وظائف ومهام ما فوق السياسية، أي أنها لا تتغير بتغير الأحزاب الحاكمة أو البرلمانات، بل تخضع بالأساس إلى قوانين مالية محلية وعالمية صارمة، تضمن استمرار الحياة النقدية معافاة من أية مخاطر اقتصادية.

مجلس إدارة المركزي يضم بالإضافة إلى المحافظ، نائبه، ووكيل وزارة المالية، فالأول أبرز تحيزه لبرلمان تُنظر في شرعيته أمام المحكمة العليا، والثاني امراجع غيث أحد مهندسي حكومة الثني المستقيلة، والذي لم يخف احتفائه بعملية الكرامة التي يقودها اللواء المتقاعد خليفة حفتر.

ناهيك أن مجلس النواب يبحث حاليًا عن مصادر تمويل لمشروعه الأكبر في ليبيا وهو جلب أسلحة وذخائر لمليشيات حفتر ببنغازي، وبقايا النظام السابق بطرابلس المندحرة على يد قوات ما يعرف بفجر ليبيا.

وفي تقدير برلماني طبرق أن أي مشروع سياسي أو عسكري يدفع باتجاه تأزيم المشهد السياسي والأمني، وخلق مخيلة جديدة تقسم الليبيين إلى شعبين، عين الأول بطبرق، والعين الثانية على باق ليبيا، لابد له من مال متدفق لا ينضب، ولا أفضل من مصرف ليبيا المركزي لتولي هذه المهمة.

ليس قرار إقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي  إقالة لشخص أو منصب قدر ما هو إقالة للسياسات النقدية والائتمانية الليبية، وإقالة للمال الليبي وهدره في معارك لا تنتهي.

وسيعلم برلمانيو طبرق حين تنخفض درجات الائتمان الليبية بسبب الزج بالمركزي في صراعهم السياسي من كبريات بيوت التصنيف المالي الدولية، أن لات حين مناص.