إضاءة بلدية تل أبيب بألوان العلم الإماراتي احتفاء باتفاق السلام

صاحب الإعلان عن قرب إبرام اتفاق سلام بين "إسرائيل" والإمارات حملات دعائية وإعلامية ممنهجة تزعمتها لجان إلكترونية مؤدلجة في عدد من البلدان العربية تسعى لتبرير خطوة محمد بن زايد التي أصابت المهتمين بقضايا العروبة والقومية بالصدمة فيما وصفها آخرون بـ "الخيانة التي تستجلب العار".

الحملات اتخذت من العمل لصالح القضية الفلسطينية ستارًا يخفي فظاعة هذا التطور اللافت للنظر في مسار الصراع العربي الإسرائيلي، عازفة على أوتار حملة بن زايد لهم الفلسطينيين والسعي لتحقيق مصالحهم المهدرة منذ سنوات بسبب الخصومة المعلنة مع دولة الاحتلال.

الخطة استهدفت التخفيف من وقع ما حدث وتقليل مشاعر الاحتقان التي تصاعدت بسبب ما أقدمت عليه أبو ظبي تجاه القضية العربية الأم، والتي ربما تضع مسمسارًا جديدًا في نعشها السياسي على أقل تقدير، إذ أن الشارع العربي لاتزال يتشبث بمواقفه الرافضة لأي اعتراف بدولة الاحتلال قبل الانسحاب من كافة الأراضي المحتلة.

إعلاميون وسياسيون من مختلف العواصم العربية نصًبوا أنفسهم دعاة سلام وإنسانية، مهللين ومكبرين بما أنجزه ولي عهد أبو ظبي، وتداعيات هذا التحرك الذي يرونه شهادة وفاة رسمية لخطة ترامب للسلام والمسماة إعلاميًا "صفقة القرن" عبر وقف قرار ضم أراضي من الضفة، وذلك رغم نفي رئيس حكومة الاحتلال، بنامين نتنياهو، تلك المزاعم، لافتًا إلى أن الاتفاق سيعلق القرار مؤقتًا ولن يلغيه.

استدعاء التاريخ لدغدغة المشاعر

"لم يكن الاتفاق الإماراتي مع "إسرائيل" هو الأول من نوعه، فقد سبقته خطوات مماثلة عبر التاريخ".. اتخذ المؤيدون للموقف الإماراتي هذا الشعار ذريعة في مواجهة حملات الاستنكار والتنديد المصاحبة للاتفاق، محاولين دغدغة مشاعر الرأي العام العربي عبر استدعاء التاريخ.

الشاهد الأول في هذا الاستدعاء كانت معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية والتي وقعت في واشنطن في 26 مارس 1979 في أعقاب اتفاقية كامب ديفيد عام 1978، تلك المعاهدة التي وقع عليها الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيغن، وشهدها الرئيس الأمريكي جيمي كارتر.

الشاهد الثاني تمثل في معاهدة "وادي عربة" الموقعة بين الأردن و"إسرائيل" في 26 أكتوبر 1994، بين رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين، ورئيس الوزراء الأردني عبد السلام المجالي، فيما التقطت كاميرات الإعلام صور الملك الأردني حسين بن طلال وهو يصافح الرئيس الإسرائيلي عايزر وايزمان.

جاءت تلك الاتفاقية بعد عام على مصافحة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ورئيس حكومة الاحتلال، والتوقيع فيما بعد على إعلان المبادئ المعروف إعلاميًا باسم "اتفاقية أوسلو" التي تألفت من 17 مادة و4 ملاحق، والموقعة  في 13 سبتمبر 1993.

هذا بخلاف العديد من التحركات الدبلوماسية الأخرى في مسار العلاقات العربية الإسرائيلية، فضلًا عن مبادرات السلام المقدمة في هذا الشأن، على رأسها "مبادرة الملك فهد للسلام" التي عرضت في قمة فاس عام 1981، و"المبادرة العربية للسلام" التي عرضها ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله بن عبدالعزيز في قمة بيروت 2002.

توقيع اتفاقية كامب ديفيد

بن زايد والسادات

محاولة اختلاق تشابه بين ما فعله بن زايد وما قام به الرئيس المصري أنور السادات قبل أكثر من 40 عامًا أحد أبرز الأدوات المستخدمة لتكسير مشاعر الرأي العام العربي، وهي أحد مكونات الخطاب الإعلامي والسياسي المصاحب لتوقيع الاتفاقية.

رئيس الوزراء الإسرائيلى في تعليقه على تلك الخطوة وصفها بأنها بداية" لمرحلة وعهد جديد مع العالم العربى، بعدما قررنا إقامة سلام دائم ورسمى مع الإمارات، وعلاقات دبلوماسية واستثمارات تساعد اقتصاد "إسرائيل" وطيران مباشر مع الإمارات"، مشيرًا إلى أن الاتفاق "لا يقل أهمية عن اتفاق السلام مع مصر الموقع بين مناحم بيجين والرئيس السادات".

عدد من الإعلاميين التابعين لأنظمة عربية على علاقات حميمية مع تل أبيب ساروا على نفس الدرب، فهاهو الإعلامي عمرو أديب، الداعم لنظام عبد الفتاح السيسي، يشبه بن زايد بالسادات، لافتًا في تغريدة له أن "الامارات دوله تعمل في النور ولا تحتاج الى الرضا الأمريكي أو الإسرائيلي كل ما تريده عودة الأراضي العربية".

أديب الذي يعمل في إحدى الفضائيات السعودية ويتقاضى أجرًا هو الأعلى بين الإعلاميين العرب، يبرر ما يتعرض له بن زايد من انتقادات بقوله إنه "سيتعرض لنفس الهجوم الذي تعرض له السادات ولكن في النهاية سيعرف الناس ماذا فعل هذا الرجل للقضية الفلسطينية".

أما أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، معتز عبد الفتاح، فيرى أن الظروف التي قادت السادات لإبرام اتفاقه مع تل أبيب مشابهة إلى حد ما مع دوافع التطبيع الرسمي الإماراتي، محملًا ما أسماه "المشروع التركي الإيراني" مسؤولية ما حدث، مضيفًا "ما فعلته الإمارات اليوم عودة لمنطق التفكير الرشيد والمنطقي الذي تبناه الرئيس أنور السادات منذ السبعينيات، ومصر دائما سباقة، السلام مع "إسرائيل" كانت فكرة مصرية، ومصر دائما تشكل الأفكار الرئيسية في المنطقة، والعلاقات الدولية ليست بالشعارات ولا الجعجعة".

بعض أنصار التطبيع في دول الخليج كان لهم حضور بارز في هذه الحملة الممنهجة، حيث وصفت الكاتبة الكويتية، عائشة الرشيد، بن زايد بأنه زعيم سياسي "سابق عصره" على حد تعبيرها وأنه على خطى السادات فيما ثمنت ما عبرت عنه بـ "جهوده لدعم القضية الفلسطينية".

مقارنة غير موضوعية

استدعاء التاريخ في هذه الحالة استدعاء في غير موضعه، والمقارنة بين اتفاقية السلام المصرية ونظيرتها الإماراتية تفتقد لأبجديات التنظير السياسي والتاريخي، فالظرفية المكانية والزمانية والحدثية لكلا الاتفاقيتين تتنافر أكثر منها تناغمًا، وتتباعد في الوقت الذي يراها أخرون تقاربًا.

اتفاقية كامب ديفيد الموقعة قبل 41 عامًا جاءت بعد أكثر من 30 عامًا من النزاع بين القاهرة وتل أبيب، منهم على الأقل 10 سنوات مواجهات ساخنة، خاض فيها البلدان 3 حروب، سقط فيها عشرات ألالاف من الضحايا، فضلا عن حساسية الموقف وتوتره نظرًا للتماس الحدودي الجغرافي بين الطرفين.

الاتفاقية رغم التنديد العربي بها، وما حملته من تداعيات كارثية على مستقبل القضية الفلسطينية وأفقدتها جزءًا كبيرًا من ثقلها، إلا أنها جاءت لأجل استرداد الأراضي المصرية المحتلة، والدفاع عن التراب المصري في مواجهة الاعتداءات الصهيونية المتكررة، كما أنها أتت لحقن دماء المصريين في سيناء وغيرها.

ورغم الدوافع التي ساقتها الدولة المصرية حينها لتبرير موقفها المدعوم بمصالحها المحققة، إلا أن الأمر لم يكن مقبول عربيًا، إذ قاطع أكثر من ثلثي العرب النظام في مصر، ونُقل مقر جامعة الدول العربية إلى تونس، هذا بخلاف ما أحدثته من  تعميم لجو الإحباط والغضب لدى الشارع العربي الذي كان آنذاك لايزال تحت تأثير افكار الوحدة العربية.

وفي الوقت الذي وقعت فيه مصر الاتفاقية ظلت العلاقات بينها وبين "إسرائيل" في إطار "التجميد" أو كما أطلق عليه "السلام البارد" في ظل إصرار الشعب على موقفه الرافض للكيان المغتصب، والمناهض لأي مساعي للتطبيع معه، ليظل هذا التوجه أسير السياسات الخارجية للانظمة في إطار دبلوماسي أكثر منه شعبي.

وبينما كان نظام مبارك يسرع الخطى للتقارب مع "إسرائيل" كان الشارع يسير عكس عقارب الساعة، وكانت ميادين مصر وأسوار جامعاتها، مسرحًا للتظاهرات الشعبية الداعمة للقضية الفلسطينية، حتى جاءت ثورة يناير 2011 والتي رفعت شعار " لا للتطبيع" معلنة كامل تضامنها مع الأشقاء في غزة ممن يتعرضون ليل نهار لأبشع الانتهاكات على أيدي قوات الاحتلال.

جاءت الثورة لتثير قلق صناع القرار في تل أبيب، وعليه تلاقت مصالح نتنياهو وحكومته مع رغبة محمد بن زايد في وأد هذا الحراك الذي كان من الممكن أن يطيح بالأنظمة المطبعة، واتفقا سويًا على إجهاضه أيا كان الثمن، وبالفعل نجحا مرحليًا في تحقيق الهدف المنشود، لتعربد "إسرائيل" كما تشاء في المنطقة دون أن يجرؤ أحد على التصدي لها.

وفي الجهة الأخرى.. يبقى السؤال: ما هي دوافع التطبيع العلني بين "إسرائيل" والإمارات؟ هذا إن لم تكن هناك حروب أو خلافات حدودية أو تهديد لأمن واستقرار أي طرف من قبل الطرف الأخر، كما هو حال الموقف المصري رغم التحفظ العربي حياله.

الإجابة عن هذا السؤال ليست بالصعبة، فأطماع بن زايد وأجندته الإقليمية لاتعترف بمرتكزات وطنية ولا ثوابت عروبية، فالمكيافيللية التي ينتهجها لا مشكلة لديها في تجاوز كل الخطوط الحمراء، سياسيًا وتاريخيًا وإنسانيًا، ثم يبقى السؤال الأكثر حرجًا: هل من الممكن أن يكون رد الفعل العربي حيال تلك الاتفاقية مشابه أو على الأقل قريب مما حدث مع القاهرة عام 1979؟

سؤال أجابت عنه رسائل التهاني والتبريكات المقدمة من حكام وزعماء وحكومات مصر والبحرين ولبنان وعمان واليمن وغيرها من دول المنطقة التي وصفت الاتفاقية بـ "الخطوة التاريخية" فيما التزم الأخرون الصمت، اللهم إلا أصحاب القضية وحدهم من نددوا بما حدث.

شتان شتان بين الاتفاق المصري بتفاصيل مشهده وبين ما أقدمت عليه أبو ظبي الأن، ومحاولة إلصاق الشبه بين الاتفاقيتين ليست سوى محاولة لتمرير الجريمة وتخفيف حجم رد الفعل الشعبي، فليس التاريخ هو التاريخ ولا بن زايد هو السادات.