امتدادًا لسلسلة المقالات التي خصصها "نون بوست" لتناول ملف حزب العمال الكردستاني، وبعد أن قدّمنا في التقرير الأول تصورًا عن نشأة الحزب وانتشاره في تركيا والعراق ومواجهة الجمهورية التركية لامتداد الحزب في مناطق شمال العراق (كردستان) قبل عام 2003، تأتي المرحلة اللاحقة التي أعقبت الغزو الأمريكي للعراق وإسقاط الولايات المتحدة حكم نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين عام 2003.

استغلال الكردستاني لغزو العراق

غيّر الغزو الأمريكي للعراق الخريطة السياسية لمنطقة الشرق الأوسط، كما أسهم تدمير القوة العسكرية للعراق في إزالة البلاد من معادلة التوازن الإقليمي الذي كان سائدًا لعقود من الزمن.

في السياق، يقول الباحث السياسي العراقي أحمد العبيدي في حديثه لـ"نون بوست" إن مرحلة ما بعد 2003 في العراق شهدت تحولًا جذريًا في سياسات حزب العمال الكردستاني ووجوده في العراق، فبوصول الأحزاب الكردية العراقية إلى سدة الحكم ببغداد، استغل حزب العمال هذه الحيثية من أجل تعزيز وجوده في العراق على اعتبار أنه لم يعد للعراق تأثير عسكري يذكر في المنطقة.

ويضيف العبيدي أن العراق وقواته الأمنية كانت منهمكة في السيطرة على الوضع الأمني في البلاد وما شهدته الفترة بين 2006 و2008 من صراع دموي أشبه ما يكون بالحرب الأهلية الطائفية، وبالتالي كان العمال الكردستاني ينتشر يومًا بعد يوم في الأراضي العراقية شمال البلاد. 

يكشف تقرير لمعهد السلام الأمريكي، أن ما أسماه المعهد بـ"عملية التحالف بقيادة الولايات المتحدة في العراق"، أصابت المصالح التركية في العراق في مقتل، وكانت تلك المصالح تتكون من 4 جوانب، أولها الحيلولة دون تقسيم العراق على أساس طائفي أو عرقي، مما يمكن أن يؤدي إلى ظهور دولة كردية مستقلة أو كونفيدرالية (عاصمتها مدينة كركوك الغنية بالنفط) التي قد تعزز التطلعات الكردية داخل تركيا في تأسيس كيان مماثل في صفوف السكان الأكراد الكثيري العدد في تركيا. 

ظلت السياسة التركية متأرجحة في العراق طيلة السنوات التي أعقبت الغزو الأمريكي بين 2003 و2014 لعوامل عدة أبرزها الدور الإيراني في العراق

كما تشير الدراسة إلى قلق تركيا من مسألة الأقلية التركمانية وضمان حقوقها في عراق ما بعد 2003، فضلًا عن تصفية حزب العمال الكردستاني التركي المتمرد، الذي وبعد أن اعتقل زعيمه عبد الله أوجلان عام 1999، شهد الميدان تراجعًا في قدرة الحزب على ديمومة عملياته، والواقع أنه تخلى عن وقف إطلاق النار في صيف 2004 واستأنف القتال مجددًا، إلا أن الحزب الذي شهد فرار كثير من عناصره وانشقاقات داخلية لم يعد يمثل نوع التهديد الملموس للجمهورية التركية الذي كان يمثله في أيامه الأولى خاصة بعد سلسلة الإصلاحات التي جاءت بها حكومة حزب العدالة والتنمية التركي. 

ظلت السياسة التركية متأرجحة في العراق طيلة السنوات التي أعقبت الغزو الأمريكي بين 2003 و2014 لعوامل عدة أبرزها الدور الإيراني في العراق، فضلًا عن الوجود الأمريكي وانتشار عشرات آلاف الجنود في أراضيه، إذ استمرت العمليات العسكرية التركية في شمال العراق (كردستان) بين الفينة والأخرى وخاضعة للأوضاع الميدانية العسكرية بين الجمهورية التركية وحزب العمال الكردستاني دون أن تستطيع الجمهورية التركية حسم المعركة لصالحها.

تصاعد التوترات العراقية التركية

يقول الأستاذ المساعد في جامعة الموصل حنا عزو بهنان في دراسة له عن العلاقات التركية العراقية: "إثر ارتفاع وتيرة هجمات حزب العمال الكردستاني خلال النصف الأول من سنة 2007 التي ذهب ضحيتها استنادًا إلى إحصاء أجرته جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان التركية مستندة إلى مصادر رسمية ومستقلة، 111 شخصًا من قوات الأمن التركية و109 من مقاتلي العمال الكردستاني و5 مدنيين في جنوب شرق تركيا، هدد رئيس وزراء تركيا حينها رجب طيب أردوغان قبل يوم واحد من إجراء الانتخابات النيابية في تركيا في الـ21 من يوليو/تموز 2007 بشن القوات التركية عملية عسكرية في شمال العراق في حالة فشل المحادثات الثلاثية (التركيـة - الأمريكية - العراقية) المرتقبة في حل مشكلة "المتمردين الأكراد الأتراك" بعد تلك الانتخابات.

ويضيف بهنان أنه واستنادًا إلى ذلك، أبرم الجانبان العراقي والتركي في الـ28 من سبتمبر/أيلول من السنة نفسها اتفاقية تعاون في مجال الأمن تضمنت محاربة مقاتلي حزب العمال الكردستاني، لافتًا إلى أنه لم يمض إلا يوم واحد على تلك الاتفاقية حتى تأزمت العلاقات السياسية بين العراق وتركيا مرة أخرى إثر تعرض كمين من مقاتلي ذلك الحزب لسيارة في قرية (بيتو سيباب) في ولاية شيرناك التركية القريبة من الحدود العراقية، مما حدا بالحكومة التركية وبضغط من المؤسسة العسكرية إلى تقديم مذكرة للمجلس الوطني بهدف استحصال موافقته على السماح للقوات التركية ولمدة سنة واحدة باجتياح شمال العراق وتدمير قوات حزب العمال، وبالفعل صوت المجلس لصالح تفويض القوات التركية بالدخول في عملية عسكرية في شمال العراق.

وفي غضون تلك الأزمة ومن أجل تلافي مغبة التهديدات التركية بالحرب، يؤكد الأستاذ المساعد في جامعة الموصل أنه كان لا بد من تحرك سياسي عراقي مكثف والجلوس على طاولة المفاوضات مع الجانب التركي لوضع الحلول اللازمة لتلك الأزمة، وكان لا بد أيضًا من تحشيد المواقف الدولية لتحقيق الهدف نفسه، نظرًا لضعف القدرات العسكرية العراقية في ضبط الحدود وطرد أولئك المقاتلين خارج العراق من جهة، وكثرة مشاكل الحكومـة العراقية وانشغالها بالصراعات والتوترات الداخلية من جهة أخرى.

حيث زار جلال الطالباني رئيس الجمهورية فرنسا في سبتمبر/أيلول 2007 والتقى بنظيره الفرنسي نيكولاي ساركوزي في قصر الإليزيه ومما قاله الطالباني بصدد تلك الأزمة: "العراق يأمل أن تكون حكمة رئيس الوزراء التركي رجـب طيب كافية لمنع حصول تدخل عسكري"، مؤكدًا أن الحكومة العراقية مستعدة للتعاون مع السلطات التركية من أجل التوصل إلى اتفاق". 

ورد أردوغان على طلب العراق بحل المشكلة عن طريـق الحوار بإعلان استعداد أنقرة للقاء الوفد الأمني السياسي العراقي، إذ تمخض عن الاتفاق عدة نقاط تعهد العراق بموجبها بعدم السماح للعمال الكردستاني بالاعتداء على تركيا انطلاقًا من أراضيه. 

الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني العراقيين لعبا دورًا كبيرًا في حثّ حزب العمال الكردستاني على عدم شن هجمات ضد تركيا انطلاقًا من العراق

وفي هذا الصدد، يقول الباحث السياسي العراقي ذنون يونس في حديثه لـ"نون بوست": "الأشهر اللاحقة لهذه الاتفاقية كانت هادئة بالنسبة للأتراك وعلى طول الحدود الممتدة بين العراق وتركيا والبالغ طولها 331 كيلومترًا". 

وعزا يونس ذلك إلى أن الحزبين الكرديين الرئيسيين: الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني العراقيين لعبا دورًا كبيرًا في حثّ حزب العمال الكردستاني على عدم شن هجمات ضد تركيا انطلاقًا من العراق، لمعرفتهم المسبقة بأن عملية عسكرية تركية في شمال العراق كالتي هدد بها أردوغان حينها ستشكل انتكاسة للمكاسب الاقتصادية والأمنية والسياسية التي حققها الأكراد العراقيون بعد الغزو الأمريكي للبلاد عام 2003.

تسلسل زمني: محطات من صراع تركيا مع حزب العمال الكردستاني، إعداد عائد عميرة

عام الهدنة المؤقتة

كان عام 2013 مفصليًا في انتشار حزب العمال الكردستاني في العراق، إذ شهد هذا العام اتفاق الحزب مع الحكومة التركية على هدنة طويلة، شريطة أن يخرج مقاتلو الحزب من الأراضي التركية باتجاه مناطق شمال العراق الجبلية في سلسلة قنديل الجبلية الوعرة. 

وفي هذا الصدد، يقول الخبير الأمني حسن العبيدي إن حزب العمال الكردستاني كان ذا فطنة سياسية في هذه الاتفاقية التي خدمت المصالح التركية في ذات الوقت، إذ إن هذه السنة شهدت بدء الحراك الكردي الشعبي في مناطق شمال شرق سوريا بعد نحو عامين على اندلاع الثورة السورية في مارس/آذار 2011، وبالتالي كان تخفيف التوتر الأمني مع تركيا في مصلحة الحزب، الذي دخل إلى الأراضي السورية بالفعل، وباتت مناطق الأكراد السوريين ملاذًا آمنًا له، بعد أن استطاع الحزب تشكيل قوة عسكرية مدعومة دوليًا في المناطق السورية التي أطلق عليها وحدات حماية الشعب السوري. 

ويضيف العبيدي أن هذه المرحلة شهدت انحسارًا للصراع الدموي للحزب مع القوات الأمنية التركية من جهة الحدود العراقية التركية، وبالتالي كان اهتمام الحزب ينصب على توسعة نفوذه غربًا في سوريا لضمان ملاذات آمنة أخرى يمكن له أن يستفيد منها في وقت لاحق فيما لو انفضت الهدنة مع تركيا، وبالتالي سيكون تأثير الحزب الأمني أكبر على تركيا وعلى رقعة جغرافية يصعب على الأتراك التأثير الكبير فيها، لافتًا إلى أنه وفي أكتوبر/تشرين الأول 2014 كانت الهدنة التركية مع العمال الكردستاني قد انتهت تقريبًا.

لم تنته قصة حزب العمال الكردستاني مع تركيا هنا، إذ شكل اجتياح تنظيم الدولة (داعش) لمناطق واسعة في العراق فرصة مواتية لحزب العمال الكردستاني في توسعة نفوذه بمناطق عراقية أخرى كانت بعيدة كليًا عن ملاذاته السابقة المتمثلة بمنطقة سنجار العراقية على الحدود العراقية السورية، ليشكل عام 2014 مرحلة جديدة في ملف العراق مع حزب العمال الكردستاني.