حكايتنا اليوم عن عالم لبناني، تخصص في علاج أمراض الكلى ونبغ في البحوث والاكتشافات التي أسهمت بشكل مباشر في تطور الطب وساعدت في فهم الأمراض بشكل أوضح وبالتالي إيجاد طرق تشخيص وعلاج لم تكن مطروقة سابقًا، حديثنا عن رحلة العالم والطبيب العالمي الدكتور محمد أمين أرناؤوط في البحث والاكتشاف.

محمد أمين أرناؤوط من مواليد صيدا عام 1949، تلقى تعليمه في الجامعة الأمريكية ببيروت ليتخرج طبيبًا بتقدير امتياز عام 1974. عمل في لبنان متدربًا في قسم الأمراض الباطنية، لكن سقف طموحاته كان عاليًا، فحاول أن يجد المكان الذي يحتضن الطاقات التي يمتلكها ليقع اختياره على أمريكا وينتقل إلى جامعة "جونز هوبكنز" العريقة ومن ثم إلى "هارفارد" ليكمل إقامته الطبية.

بعد ذلك حصل الدكتور محمد على زمالتين في أمراض الكلى وعلم المناعة إحداها من مستشفى "بوسطن للأطفال" والثانية من مستشفى "بريجهام آند وومان"، ولم يتوقف حب العلم لدى الدكتور أرناؤوط عند هذا الحد، بل حصل على البورد الأمريكي في اختصاص أمراض الكلى والطب الباطني.

بهذا الثقل الأكاديمي أصبح رئيس قسم أمراض الكلى في مستشفى "ماساتشوستس" العام من 1998-2013، وأستاذ الطب في كلية الطب بجامعة "هارفارد"، كما أن الدكتور أرناؤوط هو الباحث الرئيسي في معهد "هارفارد" للخلايا الجذعية كما يدير برامج البيولوجيا الهيكلية "structural biology programs".

الريادة

وُصفت الأبحاث التي أجراها الدكتور أرناؤوط بالإنجازات المدهشة التي ستغير وجه العلم في هذا المجال بحسب مجلة "SCIENCE"، فقد تركزت أبحاثه حول الإنتغرينات "INTEGRINS" (بروتينات تلعب دورًا أساسيًا في ارتباط الخلايا ببعضها ونقل الإيعازات بين الخلايا، عند حدوث أي خلل في تكوينها الجيني أو طريقة عملها يؤدي إلى حدوث أمراض مختلفة منها السرطان).

لم يختزل الدكتور محمد أرناؤوط أبحاثه عن الإنتغرين، بل شملت أبحاثه العوامل الكلوية

بدأت تظهر أولى ثمار أبحاثه عام 1982 عندما اكتشف طريقة التصاق الخلايا بكريات الدم البيضاء عن طريق نوع من الجزيئات تعرف بمستقبلات الإنتغرين التي يسبب نقصها الوراثي التهابات بكتيرية مميتة، ونشر ما توصل إليه في مجلة "NEJM" الطبية الرصينة عام 1982.

كما استطاع شرح البنية الثلاثية الأبعاد لمستقبلات الإنتغرين وحدد لأول مرة الهياكل البلورية للإنتغرين، هذا الاكتشاف العلمي الكبير تعود منفعته في فهم كيف يحافظ الجسم على أعضائه وكيف ينمو الورم الخبيث، وفهم تفاصيل الإصابة بالأمراض الحادة والمزمنة واعتلال المناعة، كما يفيد هذا الاكتشاف بتطوير الأدوية المثبطة للإنتغرين من خلال معالجة عيوبها السابقة التي قد تؤدي إلى أضرار خطيرة عند استخدامها.

بعد اكتشاف الدكتور أرناؤوط للبنية الثلاثية الأبعاد، تم تطوير عقاقير أظهرت فعاليةً وسلامةً في الوقاية من الفشل الكلوي وعلاج الأمراض الشائعة مثل الجلطات القلبية والدماغية والسكري والسرطان.

لم يختزل الدكتور محمد أرناؤوط أبحاثه عن الإنتغرين، بل شملت أبحاثه العوامل الكلوية، حيث أظهر لأول مرة في تاريخ الطب أن C3 (وهو عامل كلوي) جسم مضاد ذاتي، وهو المسؤول عن تنشيط المسار البديل، بهذا الاكتشاف أصبح من الممكن علاج أنواع معينة من التهاب الكلى.

كما استطاع أيضًا أن يسجل سبقًا بتعرفه لأول مرة على الإنتيغين المستهدف في مرضى التهاب الأوعية الدموية، حيث ساهم اكتشافه هذا بابتكار فحص يستخدم لتشخيص المرض.

استمر الدكتور أرناؤوط بالبحث والتحري عن الأمراض التي تصيب الكلية وأسبابها، وتوصل إلى اكتشاف"polycystin-1" (أحد منتجي الجين المتحور في المرضى المصابين بمرض الكلى المتعدد الكيسات ADPKD) وبهذا الاكتشاف تم التعرف على سبب ارتفاع ضغط الدم في مرضى "ADPKD".

بهذه الإنجازات العظيمة التي قدمها في سبيل علاج أمراض الكلى تم تكريمه عام 2018 بحصوله على جائزة Homor W Smith من الجمعية الأمريكية لأمراض الكلى.

يُعرف الدكتور أرناؤوط بكونه باحثًا ومعلمًا وقائدًا مبتكرًا، استطاع خلال فترة ترؤسه قسم أمراض الكلى أن يصبح أكبر مركز أكاديمي يقدم الخدمات العلاجية للمرضى ويوفر فرص البحث والتدريب للأطباء، ومن خلال هذه الإدارة الحكيمة استطاع أن يضاعف مبلغ تمويل الأبحاث إلى ثلاثة أضعاف، ما انعكس على تطور الأبحاث في المركز الذي يترأسه. 

من خلال هذه المسيرة الطويلة بالعطاء والتفوق ونشره للعديد من الأبحاث الرصينة، شغل العديد من المناصب منها رئيس لجنة العلوم في الجمعية الأمريكية لأمراض الكلى وعضوية مجلس الجمعية الدولية لأمراض الكلى وعضوية قسم الدراسات في المعاهد الوطنية للصحة (NIH).

حصل على العديد من الجوائز تثمينًا لجهوده في مجال الطب، منها جائزة "NIH Young Investigator Award" و"ISN Donald Seldin" وجائزة الكويت للعلوم عام 2017 والميدالية الرئاسية للشرف "Presidential Medal for Excellence Award". وما زال الدكتور محمد أمين أرناؤوط مستمرًا في كتابة أسطر حكايته الملهمة للكثيرين حتى يومنا هذا.