دخلت دولة النيجر مؤخرًا إلى معترك التنافس التركي الفرنسي بعد أن ظلت أعوامًا عديدةً حكرًا على مستعمرتها السابقة فرنسا، ولعل التقارب التركي النيجري أحد الأسباب التي أزعجت الفرنسيين من نظرائهم الأتراك وتسببت في تدهور  العلاقات بين أنقرة وباريس. سنحاول في هذا التقرير تسليط الضوء على أبرز مواضع التنافس بين أنقرة وباريس في هذا البلد الإفريقي.

1. العلاقات الفرنسية النيجرية 

تعتبر النيجر إحدى الدول الإفريقية الفرانكفونية وهي المستعمرات الفرنسية السابقة، حيث حصلت في 3 من أغسطس/آب 1961 على استقلالها، إلا أن ذلك ظل مجرد حبر على ورق، وظلت فرنسا الحاكم الفعلي للبلاد في المجالات كافة.

2. فرنسا والانقلابات في النيجر 

تعتبر فرنسا الشريك الأول في الانقلاب الذي وقع على الرئيس ممادو طانجا في فبراير/شباط من العام 2010 وهو الانقلاب الذي أسقط الرجل الذي حاول الإطاحة بالطموحات الفرنسية وإدخال أطراف أخرى مثل الصين وكندا إلى الساحة الاقتصادية في بلاده، في محاولة لزعزعة النفوذ الفرنسي، ما جعل فرنسا تطيح به عن طريق أياديها في الداخل، وبالفعل نجح الانقلاب في إعادة النيجر لحضن مستعمرتها السابقة التي تحتكر سياستها واقتصادها.

فقد تجرأ الرئيس المطاح به على الحديث علنًا عما تفعله شركة "أريفا" الفرنسية في مناجم اليورانيوم النيجرية والسرقة العلنية التي تتعرض لها بلده.

ليس انقلاب 2010 الأول من نوعه الذي تديره فرنسا في النيجر، فقد سبقته عدة انقلابات كان أبرزها انقلاب عسكري في أبريل/نيسان 1974 على الرئيس النيجري حماني ديوري الذي طالب بتحرير الثروة والناتج المحلي من اليورانيوم من فرنسا.

3. الوجود العسكري الفرنسي في النيجر 

احتضنت النيجر عام 2018 قاعدة عسكرية فرنسية لطائرات الاستطلاع دون طيار التي تترصد الجماعات المسلحة في منطقة الساحل مثل: التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا وجماعة بوكوحرام.

في الـ10 من يوليو/تموز 2019 أعلنت فرنسا إغلاق قاعدتها العسكرية التي تم تشييدها عام 2014 في مدينة ماداما النيجرية الحدودية مع ليبيا، التي كانت ضمن اتفاقات فرنسا مع دول الساحل لمواجهة الجماعات الإرهابية في المنطقة.

4. العلاقات التركية النيجرية 

بدأت العلاقات التركية الرسمية في الـ3 من يناير/كانون الثاني 2012 حين أعلن عن افتتاح قنصلية في العاصمة النيجرية نيامي، غير أن تلك العلاقات شهدت تطورًا كبيرًا في المجال الاقتصادي والعسكري والسياسي.

فعلى الصعيد الاقتصادي استثمرت تركيا بنحو 49 مليون دولار أمريكي في النيجر بين 2018 -2019 بحسب تصريحات رسمية تركية جاءت على لسان السفير التركي في النيجر، كما تشهد نيامي حركة نشطة لرجال أعمال وشركات تركية استثمارية وعلى رأسهم  حركة المشغلين الأتراك والنيجرين، كما شيدت تركيا مستشفى الصداقة التركي النيجري في العاصمة نيامي. 

على الصعيد العسكري أعلن مؤخرًا في أنقرة توقيع وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو اتفاقية عسكرية مع النيجر وذلك خلال الزيارة التي أداها للبلاد في 19 من يوليو/تموز من العام الحاليّ. الاتفاقية العسكرية جاءت في توقيت حساس يشهد توترًا كبيرًا بين الأتراك والفرنسيين خاصة فيما يتعلق بملف جارة النيجر ليبيا الذي يعتبر أبرز نقاط التنافس بين الأتراك والفرنسيين.

5- التنافس التركي الفرنسي في النيجر 

غالبًا ما يكمن السر في التنافس على أي بلد خاصة في إفريقيا في الموقع الجغرافي لذلك البلد والثروات التي يمتلكها التي تجعل منه محط أنظار الجميع، فتتسارع الاستثمارات والمشاريع من أجل الفوز بذلك البلد، وللنيجر أيضًا ما يميزها عن غيرها من بلدان القارة السمراء.

5.1. ثروات النيجر 

تعد النيجر إحدى أهم بلدان الغرب الإفريقي من حيث الثروات الطبيعية الهائلة والمساحة الجغرافية الكبيرة جدًا التي تعد الأكبر مقارنة بنظيراتها، كما تعتبر البلد الأهم في إفريقيا من حيث استخراج اليورانيوم، يضاف إلى ذلك الكم الهائل من الذهب والفضة وآبار البترول، إلا أن مع وجود كل تلك المؤهلات الطبيعية ظلت الثنائية الإفريقية العجيبة موجودة (الشعب الفقير والأرض الغنية).

كل تلك الثروات مجتمعة ربما تفسر الرغبة الفرنسية في البقاء على أرض مستعمرتها السابقة، فالنيجر التي تمتلك آبارًا ضخمة من النفط لا تمتلك حق استخراجها، حيث تحتكر الشركات الأجنبية خاصة الفرنسية حق استخراجها وتحتكر كذلك الآلات المستخرجة للنفط، والنيجر الممتلئة بالذهب يجد شعبها صعوبة بالغة في التنقيب عنه لتدخل الشركات الأجنبية والفرنسية كمحتكر شرعي للثروات الطبيعية لذلك البلد الفقير شعبًا الغني أرضًا وثروةً.

5.2. ماذا تمثل النيجر بالنسبة لفرنسا؟

من الناحية الإستراتيجية تحتل النيجر مكانة كبيرة في الأمن الإستراتيجي الفرنسي، حيث بدأت باريس عام 1971 وعبر شركة "أريفا" الفرنسية في استخراج اليورانيوم النيجري لتستحوذ عليه مؤخرًا، فتشير آخر الإحصاءات إلى أن النيجر تمد فرنسا بأكثر من 35% من احتياجاتها من الطاقة النووية والجميع يعلم ما للطاقة النووية من تأثير في عاصمة الأنوار، حيث تستهلك 75% من الطاقة الكهربائية أي أن للنيجر فضل كبير على الفرنسيين. 

تحتل النيجر حاليًّا المرتبة الثانية عالميًا في مجال الطاقة النووية واستخراج اليورانيوم وذلك بعد اكتشاف منجم جديد لتخصيب اليورانيوم، كما لا يزال منجم "ناميبيا" المملوك لشركة أريفا الفرنسية يمثل شريان الحياة الاقتصادية هناك، حيث أشارت آخر الإحصاءات التي صدرت عام 2013 إلى أن حصيلة الشركة الفرنسية من مستخرجات اليورانيوم النيجري بلغت في الفترة بين عامي 1971 التاريخ الأول للاستخراج و2013، 110 ألف طن من اليورانيوم من عدة مناجم في البلاد.

هي إذن آلاف الأطنان المستخرجة من ثروات النيجر تصل إلى فرنسا المستعمرة السابقة للبلاد لكن ما المقابل الذي تمنحه فرنسا للنيجر؟

عام 2019 أشارت عدة تقارير محلية إلى أن شركة "أريفا" الفرنسية لا تدفع للحكومة النيجرية سوى مبلغ 150 مليون يورو مقابل الكميات الهائلة التي تستخرجها من يورانيوم البلاد وهو ما يمثل نسبة لا تصل إلى 5.5% من اليورانيوم المنتج.

5.3 الحدود النيجرية مع ليبيا 

في حديث خاص بموقع "نون بوست" يرى الباحث في الشأن التركي والعلاقات الدولية طه عودة أوغلو أن التنافس التركي الفرنسي بلغ ذروته خلال الأشهر الأخيرة وتجاوز نقطة الأزمة الليبية ليصل إلى التنافس على دول الجوار الليبي ودول القارة السمراء. 

وعلى الرغم من أن النيجر حاولت عدم إقحام نفسها في الأزمة الليبية، فإن حدودها مع ليبيا جعلتها محط أنظار أنقرة وباريس، فتسارعت إليها الوفود الرسمية من البلدين، فقد شهد شهر ديسمبر/كانون الأول من العام 2019 زيارة رسمية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للنيجر وهو التاريخ المتزامن مع بدايات الاتفاق بين تركيا وطرابلس وتلك الاتفاقية الشهيرة التي قلبت الموازين لصالح ثوار ليبيا.

في يوليو/تموز من العام 2020 جاءت زيارة ثانية رسمية للنيجر لكنها هذه المرة من طرف وزير الخارجية التركي مولود شاووش أوغلو وتم خلالها توقيع اتفاق عسكري بين أنقرة ونيامي وهو ما أثار حفيظة الفرنسيين وغضبهم من تركيا. 

5.4 ملاحظات على دور البلدين في النيجر

"إن الصراع الدائر حاليًّا بين أنقرة وباريس على ساحة المتوسط أحد أسبابه قلق فرنسا من التمدد التركي في مناطق كانت محسوبة على فرنسا في القارة السمراء"، كان هذا رأي الباحث التركي طه عودة وتفسيره لطبيعة التنافس التركي الفرنسي عمومًا وفي النيجر وغيرها خاصة.  

من خلال ما سبق يتضح لنا أن فرنسا المستعمرة السابقة للنيجر ظلت طوال عقود تنهب ثروات البلاد وتستحوذ عليها وتسير وتدعم الانقلابات على أي نظام لا تعجبها سياسته وهي سياسة استعمارية عرفت عن فرنسا في القارة السمراء، فالعلاقات هنا ليست مبنية على احترام سيادة النيجر.

أما في المقابل فقد بنت أنقرة علاقاتها مع النيجر على أسس التعاون والاحترام المتبادل والمشاريع التنموية وبناء المستشفيات هناك، وهي سياسة المصالح المشتركة التي عادة ما تنتهجها تركيا في إفريقيا، وهو ما جعل عدة دول إفريقية تقبل على أنقرة وتبتعد أشواطًا كثيرة عن باريس المستعمرة السابقة التي كانت معظم الدول الإفريقية ترتمي في أحضانها، فقد وجد الأفارقة البديل الذي يفيد أوطانهم ويستفيد منها.