أثار الدعم غير المسبوق من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للأرمن في نزاعهم مع أذربيجان رغم الموقف الدولي المتفق تمامًا مع الحق الأذري في إقليم ناغورني قره باغ الحدودي، وضرب أرمينيا بقرارات مجلس الأمن عرض الحائط، الكثير من التساؤلات عن الدوافع والأهداف.

المتابع لتحركات ماكرون في الآونة الأخيرة يجد أن الرجل يسابق الزمن لأن يفرض اسمه على كل مناطق النزاع في المنطقة، فقلما تشب أزمة أو يحدث نزاع أو تحل كارثة إلا ويكون حاضرًا، ممارسًا دوره المثير للجدل، مستعيدًا أمجاد إمبراطورية بلاده الاستعمارية البالية.

وفي التصعيد العسكري الأخير في ناغورني قره باغ أقحم الرئيس الفرنسي نفسه في المشهد بشكل لافت للنظر، فاتهم تركيا ابتداءً بإرسال مرتزقة سوريين للقتال، رغم عدم وجود أي أدلة تثبت ذلك، هذا في الوقت الذي نفت فيه أنقرة كل تلك التهم العشوائية.

كما وصف الدعم التركي التاريخي المعروف لأذربيجان بأنه "إيذان حرب" يستدعي القلق، وذلك خلال مؤتمر صحفي له عقده خلال زيارته جمهورية لاتفيا في 30 من سبتمبر/أيلول الماضي، مهددًا أن بلاده لن تقبل بـ"الرسائل الحربية التي أطلقتها تركيا خلال الساعات الماضية، التي ترفع في جوهرها أي قيد أمام أذربيجان، فيما قد يؤول إلى استعادة السيطرة على شمال قره باغ"، وهو ما رد عليه وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، متهمًا الرئيس الفرنسي بدعم الاحتلال.

بات من الواضح أنه أينما حلت تركيا حلت فرنسا، وأينما كشف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن موقف جاء ماكرون ليعزف على الوتر المخالف

يذكر أنه في 17 من يوليو/تموز الماضي كانت فصائل البرلمان الفرنسي قد أصدرت بيانًا أعلنت فيه دعم أرمينيا ضد أذربيجان ووصفته بأنه يعني "دعم الحق في الحياة"، فيما دعا البيان نظام الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف إلى وقف الهجوم، وناشد أنقرة، بوصفها عضوًا بمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، إلى عدم التدخل لجانب الأذربيجيين على حد وصفهم.

المكايدة السياسية لتركيا

بات من الواضح أنه أينما حلت تركيا حلت فرنسا، وأينما كشف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن موقف جاء ماكرون ليعزف على الوتر المخالف، في سجال أقرب للمكايدة السياسية منه إلى تبني مواقف تتسق والسياسة الخارجية لباريس.

الأشهر الماضية كشفت عن حالة تربص واضحة من الجانب الفرنسي لأي تحرك تركي في المنطقة، وهو ما تكشفه العديد من الملفات الإقليمية التي كانت أنقرة طرفًا أصيلًا فيها، ليأتي ماكرون على بساط السرعة فارضًا نفسه دون استدعاء، متخذًا الجانب المضاد لتركيا أيًا كان الموقف القانوني أو السياسي للطرف الآخر.

ويأتي دعم ماكرون للأرمن في إطار تلك المكايدة التي تعمقت بصورة أوضح بسبب تعدد بؤر الاختلاف والمواجهة في العديد من الملفات السياسية، العسكرية والتاريخية، الأمر الذي دفع البعض لاستدعاء التاريخ بين البلدين بوصفه ساحة مهمة لتفسير وقراءة ما يحدث الآن.

الخلافات المتعمقة الآن بين البلدين تضرب بجذورها إلى الصراع التاريخي بين الإمبراطورية العثمانية والفرنسية، فالمناوشات الدبلوماسية المتكررة بينهما، التي تصل إلى ذروة عنفها في بعض الأحيان، ليست وليدة اليوم، بل تحمل في طياتها إرثًا تاريخيًا مثقلًا.

وفي قراءة للمشهد يلاحظ أن هناك العديد من الملفات كانت بمثابة الشرارة التي أطلقت بركان الاحتقان الفرنسي ضد أنقرة، ودفعت بماكرون إلى تخليه عن مرتكزات سياسة بلاده الخارجية الهادئة كما يزعم والارتماء في تلك المناطق الساخنة، لا لشيء إلا المكايدة لتركيا.

ومن أبرز تلك الملفات، الدعم التركي لحكومة الوفاق الليبية بقيادة فايز السراج ضد الجنرال خليفة حفتر المدعوم من الحلف الإماراتي المصري، لتسارع فرنسا بالانضمام لهذا الحلف، في مواجهة الحكومة المعترف بها دوليًا، هذا بخلاف التصريحات العدائية الصادرة عن فرنسا بسبب تحويل تركيا متحف آيا صوفيا إلى مسجد رغم أنه شأن داخلي طالما تكرر عشرات المرات داخل فرنسا ذاتها وفي دول أوروبا دون أي رد فعل من أحد.

رغم حالة السجال الحاليّ بين أنقرة وباريس، الذي يعد ماكرون لاعبه الأبرز، فإن ذلك لا ينكر حجم العلاقات الاقتصادية بين البلدين

هذا بخلاف الدعم الفرنسي لتنظيمات PKK وYPG بسوريا وهي التي تصنفها تركيا تنظيمات إرهابية، فضلًا عن التدخل الفرنسي في ملف استغلال موارد الطاقة في شرق المتوسط، حيث الانضمام للفريق المصري اليوناني القبرصي في مواجهة أنقرة.

ورغم حالة السجال الحاليّ بين أنقرة وباريس، الذي يعد ماكرون لاعبه الأبرز، فإن ذلك لا ينكر حجم العلاقات الاقتصادية بين البلدين، فقد اقترب التبادل التجاري بينهما من 15 مليار يورو خلال 2019، فيما تحتل تركيا المرتبة الخامسة في قائمة الدول المستوردة من فرنسا من خارج الاتحاد الأوروبي، بينما تحتل المركز الرابع كأكثر الدول المصدرة لها خارج الاتحاد.

اللافت للنظر في تلك العلاقة معاناة فرنسا من عجز ميزان التبادل التجاري مع تركيا خلال العام الماضي، ليصل إلى 3 ملايين يورو، بنسبة عجز بلغت 5% عن العام قبل الماضي، إذ صدرت فرنسا لتركيا ما قيمته 5.9 مليار يورو مقابل واردات تركية بقيمة 8.7 مليار يورو، وهو الأمر الذي يزعج باريس بشكل كبير.

استعادة الشعبية المفقودة

الغريب أنه في الوقت الذي تتصاعد فيه موجات الاحتجاج الشعبي ضد ماركون في الداخل نظرًا لما سببته سياساته المتبعة من إرهاق للمواطن الفرنسي، انعكست بالتبعية على أحواله المعيشية، فإذ بالرجل يتجاوز نطاق بلاده الجغرافي باحثًا عن زعامة خارجية يعوض بها شعبيته المفقودة داخليًا.

وبينما يئن الفرنسيون من قرارات حكومة بلادهم كان ماكرون يحتضن بعض مواطني لبنان في شوارع العاصمة بعد أقل من 48 ساعة من تفجيرات مرفأ بيروت في 4 من أغسطس/آب الماضي، متوعدًا بالقضاء على الفساد، ومحذرًا من عدم وصول الدعم لمستحقيه.

الصور الملتقطة لماكرون في شوارع بيروت وما تلاها من زيارات متكررة لبعض فناني لبنان بعد يومين فقط من وقوع الحادثة أثارت الكثير من التساؤلات عن دوافع تلك الزيارة المفاجئة، التي يتعامل من خلالها ماكرون بصفة المستعمر القادم لإحدى مستعمراته القديمة، ضاربًا بتطورات التاريخ والجغرافيا عرض الحائط.

الأمر ذاته يتكرر اليوم مع الأرمن، حيث التطمينات التي يرسلها الرجل بين الحين والآخر، مؤكدًا من خلالها دعم بلاده الكامل لقضيتهم، سواء في نزاعهم مع أذربيجان أم الاعتراف بما أسماه "مذابح الأرمن"، وهو ما يصب في نفس المساحة الجدلية من الشعبية التي يسعى الرئيس لاستعادتها من الخارج.

يسعى ماكرون إلى تصوير نفسه كوسيط في العديد من صراعات الشرق الأوسط، وملء الفراغ الذي خلفته أمريكا وبعض قوى أوروبا

تعد فرنسا تاريخيًا الوجهة المفضلة والرئيسية للمهاجرين الأرمن، فبها قرابة نصف مليون أرمني، وهي الجالية الأكبر للأرمن في أوروبا، التي تتمتع بثقل كبير في الانتخابات، فضلًا عن شبكة علاقاتهم القوية مع الكثير من التيارات السياسية وصناع القرار هناك، الأمر الذي يجعل منهم لاعبًا رئيسيًا في ترجيح كفة أي من مرشحي الانتخابات، رئاسية كانت أو برلمانية.

ولعل هذا ما يفسر وعود ماكرون خلال حملته الانتخابية في 2017، حين تعهد بإقرار يوم وطني لما تعتبره فرنسا إبادة جماعية مقابل حرب أهلية بالنسبة للأتراك، وعليه يأتي هذا التحرك الأخير لمغازلة أرمن الداخل على أمل أن يكون ذلك بابًا نحو عبور الرجل مأزقه السياسي الداخلي.

أمجاد الاستعمار الزائفة

يسعى ماكرون - بحسب مراقبين - إلى تصوير نفسه كوسيط في العديد من صراعات الشرق الأوسط، وملء الفراغ الذي خلفته أمريكا وبعض قوى أوروبا في تلك المنطقة الساخنة، محاولًا لعب دور قوي يستعيد من خلاله نفوذ بلاده المتراجع في السنوات الأخيرة.

الملفات التي أقحم ماكرون نفسه فيها تكشف تلك الرغبة بصورة واضحة، فإرساله قوات عسكرية إلى سوريا بعد سنوات من تجميد الموقف الفرنسي أو تحييده تجاه تلك القضية، ثم المشاركة في هجوم صاروخي عليها مع بريطانيا وأمريكا، كذلك البحث عن موطئ قدم له على طاولة حلحلة الأزمة الليبية حتى إن كان الدعم لحفتر هو الموقف الرسمي، بخلاف المؤتمر الذي تم تنظيمه بشأن الوضع الإنساني المتردي في اليمن، كلها تحركات تذهب في هذا الاتجاه.

أضف إلى ذلك الجهود الدبلوماسية المبذولة بشأن الملف اللبناني، ومحاولة حل أزمة إعلان رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري استقالته من الرياض في أثناء احتجازه هناك نهاية العام الماضي، ليخرج الرجل بتصريحه الشهير خلال مقابلة له مع تليفزيون (بي.إف.إم) قائلًا: "لو لم يتم الأخذ برأي فرنسا حينئذ لكان لبنان يخوض على الأرجح حربًا أهلية ونحن نتحدث الآن. (الفضل) للدبلوماسية الفرنسية وللإجراء الذي اتخذناه".

يتعامل الرئيس الفرنسي مع الكثير من الملفات والأزمات التي يتدخل بها بمنطق المستعمر صاحب الحق في التدخل بشؤون مستعمراته القديمة، وهو ما تكشف بصورة كبيرة في بعض التصريحات حيال أكثر من ملف، الأمر الذي أثار انتباه الكثير من المراقبين ممن يرون أن ما يتعرض له ماكرون في الداخل من ضغوط داخلية كان الدافع الأبرز للتحول نحو الخارج باحثًا عن انتصارات مزيفة عبر استدعاء التاريخ بهدف تحويل الرأي العام بعيدًا عن ثغراته في إدارة بلاده.