غلاف رواية الحماقة كما لم يروها أحد

"كان زمنًا غريبًا غرابة العدالة في دولة سفّاح، وكغرابة المنطق في دولة رسمتها على لوحة الحماقة يد العبث، تمامًا كما فعلت حين ابتكرت بلدًا من فرط تقديسه لماضيه، جعل تاريخه على جنبٍ وطَيَّن عليه لئلا يدنّسه أحد، فلا استفاد منه في حاضره، ولا تَخَلَّص منه لاحقًا لينطلق صوب مستقبله".

ماذا يحدث حين تتسلط علينا أنظمة القهر والاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي؟ وقتها إما يتظاهر الشعب بالرضا والقبول حفاظًا على سلامته وينخرط في شؤون العائلة ومتابعة مباريات كرة القدم أو يحاول جاهدًا أن يتخلل الموقف العام الصامت ليحدث صخبًا واعتراضًا، بالنسبة للفن فإنه ينشغل بالتدوين، فلكل ثورة أدباؤها وحتى محاولات المقاومة تُخلد وتبقى إرثًا حتى لا تطالها يد التقادم ولأن رسالة الأدب تتجاوز الحيز الجغرافي فإنها تنقل التجربة برمتها من الحدث الواقعي إلى المتخيل، أما المسافة الفاصلة بين الواقع والخيال فهي ما يمنح تلك التجربة مغزاها.

في تلك المسافة الفاصلة تحديدًا يتقن الروائي الجزائري سمير قسيمي كتابة أعماله، ففي روايته الأخيرة "الحماقة كما لم يروها أحد" يستعين بالفانتازيا، حيث يتحرر من قيود الشكل والمنطق ويرتكز بشكل كلي على إطلاق سراح الخيال، إذ يخضع عالمه الروائي لقوانين فيزيائية مختلفة عن تلك التي تحكم العالم الذي نعيش فيه.

عبثية

في أذهاننا كشعوب عربية ترتبط صورة الجزائر دومًا بحرب التحرير الشعبية وبلد المليون ونصف شهيد، والحقيقة أن هذه الصورة حقيقية بالمعنى التاريخي، لكن الواقع في الجزائر صار يختلف عن هذه الصورة، وهذا ما يحاول الكاتب الجزائري سمير قسيمي أن يخبرنا به في روايته، فبلد المليون شهيد أضحى مجرد كيان شكلي منخور حتى النخاع تتحكم فيه عصابة من المستبدين والحمقى.

الفضاء الثقافي في الدول الاستبدادية يكون خاضعًا للسلطة

منذ صفحات الرواية الأولى يتبع قسيمي نهج العبثية والتهكم التي تطاله شخصيًا، فقبل الحديث عن الجزائر نرى رسالة يبعثها أحد الناشرين إلى كاتب روائي يخبره من خلالها أن روايته جميلة وممتعة بشكل هائل لكنها لن تُنشر، فبسببها قد يُسجن الناشر أو يواجه البطالة، لذلك وعوضًا عن روايته الجميلة عليه أن يكتب عملًا آخر بعيدًا عن حياة الناس الواقعية ليأتي رد الكاتب بأنه لم يكن يقصد كتابة نص مقلق لكن على العكس تمامًا فكل ما أراده هو كتابة مشاهد طريفة قد تضحك القراء فتجعلهم يتناسون حقيقة أنهم يضحكون على أنفسهم كل يوم، فلماذا ذعر الناشر؟

ربما يكون ذلك قد حدث لأن الفضاء الثقافي في الدول الاستبدادية يكون خاضعًا للسلطة وإذا أراد أحد الكتاب أن يتجاوز السلطة السياسية أمامه طريقان لا ثالث لهما: إما الخضوع لتلك السلطة وإما الثورة عليها، لكن قسيمي في ثنايا روايته لم يسلك هذين الطريقين واختار لنفسه مسارًا مختلفًا لأن الثورة والخضوع لم يكونا مجديين، هذا المسار هو العبث واللامنطقية وقلب الأحداث رأسًا على عقب.

التاريخ يعيد نفسه إما كمأساة أو كمهزلة

في روايته "سلالم ترولار" كان قسيمي يحكي عن ظاهرة اختفاء الأبواب من البلاد واختلاط العام بالخاص لتلجأ الدولة العميقة بعد ذلك إلى تعيين البواب جمال حميدي في سدة الحكم كواجهة فقط من أجل تنفيذ أوامر السلطة العسكرية، في الجزء الأول من رواية قسيمي "الحماقة كما لم يروها أحد" ندرك أن رواية سلالم ترولار لم تكن سوى حلم من أحلام حميدي لنتلقى هنا صفعة الكاتب وتبدأ أحداث مختلفة تمامًا.

يقول قسيمي لموقع "نون بوست" إنه هدم كل رواية "سلالم ترولار" في أول صفحتين من الرواية، إذ بدت فقط كحلم لأحد المواطنين المهمشين الذين يعيشون في حي الدوق دي كار، لكن استمرت معنا بعض الشخصيات لتحكي تاريخ الجزائر للمرة الثانية وبالفعل تتعرض البلاد هذه المرة لأزمة جديدة وهي انعدام قدرة الشعب على القراءة، إذ استيقظ الجميع بعد وفاة الرئيس والرجل الضئيل على كارثة عدم قدرتهم على القراءة أو الكتابة، وهنا قرر المجلس العسكري أن يعين رئيسًا يمكنه القراءة فلم يجدوا أمامهم إلا الأحدب سالم الجمل الذي كان يعمل لصًا قبل تعيينه رئيسًا وهرب من السجن مؤخرًا، ونتذكر هنا مقولة ماركس الشهيرة "التاريخ يعيد نفسه في المرة الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة"، فحتى حين كانت هناك فرصة أخرى لتصحيح أوضاع البلاد لم يتغير شيء!

الهامش في مواجهة المركز

يخبرنا الكاتب سمير قسيمي أنه اهتم في روايته بالحديث عن الهامش والمهمشين وهو ما نراه واضحًا في شخصيات الرواية وفي حياتهم، وفي الوقت الذي اتسمت فيه شخصيات "سلالم ترولار" بالقبح الشديد، فشخصيات الحماقة يمكن أن نقول إنها غير مرئية، نقاط صغيرة في بحر مضطرب تستخدهم السلطة السياسية فقط حين تحتاج إليهم، هناك على سبيل المثال إبراهيم بافالولو الذي يعمل موظفًا حكوميًا بإحدى المؤسسات منذ ثلاثين عامًا ومع ذلك لم يكن أحد يعرفه في العمل حتى الحراس وكأنه شبح يذهب ليؤدي عمله للنظام ويعود دون أن يراه أحد.

تشكل السلطة الاستبدادية شعبها كما يشكل الخباز عجينته الطيعة، وهذا ما نقله لنا قسيمي في روايته ببراعة شديدة

أبطال الحماقة يعيشون حياة مكررة، يوم واحد يتكرر يوميًا ولم يؤرق مضجعهم في الحياة إلا الاستدعاء الحكومي، لا يتحدثون في الشؤون العامة ولا يقرأون أبدًا ولا يفكرون، فقد توقف عقلهم عن العمل منذ زمن بعيد ولم يعودوا يتذكروه، فقط يمارسون حياتهم بأدنى درجات الإنسانية خوفًا من السلطة التي حرصت على تكوينهم بهذا الشكل، ففي أحد مقاطع الرواية يقول مدير الشرطة "القهر وحده لا يكفي لخلق شعب خنوع ولكن الإفراط فيه ينتهي دائمًا إلى الثورة التي عادة ما تكون ثورة عرجاء بلا رأس ولا حياة فيها فتقلب نظامًا فاسدًا من أجل أن تولي آخر أكثر فسادًا منه".

تشكل السلطة الاستبدادية شعبها كما يشكل الخباز عجينته الطيعة، وهذا ما نقله لنا قسيمي في روايته ببراعة شديدة، كانت شخصيات الرواية انعكاسًا واضحًا للقابعين في الحكم مجموعة من الحمقى، فلا يمكن أن ننسى أبدًا حين كان جمال حميدي يرغب في أن يكسب اليانصيب وهو ما جعله يستدين من جميع جيرانه وينفق جميع أمواله من رواياته التافهة التي كتبها باسم مستعار.

يقول قسيمي في روايته على لسان أحد العسكريين: "في بلد الأميين لا تحتاج لتقرأ حتى تصبح سيدهم، كل ما تحتاجه هو أن تدرك أنهم جهلة وتجعلهم يتصورون أنهم غير كذلك، في مثل هذا البلد ليس ثمة أفضل من شعب أحمق يتوهم الذكاء ليحملك على ظهره معتقدًا أنك من تحمله".

لماذا الحماقة كما لم يروها أحد؟ 

كعادته يكسر قسيمي جميع التوقعات ويقلب الصورة رأسًا على عقب، تمامًا كأنك تلعب لعبة تكوين الأشكال إذ ما تلبث أن تنتهي من شكل حتى تفاجئك اللعبة بقطعة غير موجودة لتعيد الكرة من جديد، لكن لماذا الحماقة كما لم يروها أحد؟ لأن الحماقة لا يمكن أن تروى لكنها فقط تعاش، فإذا كنت ستحكي عن مهرجي النظام من ساسة وكتاب وإعلاميين ومثقفين لا يمكنك أبدًا أن تكتب عن هؤلاء إلا حين تتحدث عن الحماقة.

قسيمي أراد من روايته الأخيرة أن يؤكد لنا أن القابعين في السلطة السياسية يرتدون أقنعة لا تنتهي، قناعًا وتحته قناع

لماذا اختار قسيمي أن تنمحي قدرة الشعب على القراءة والكتابة؟

لأنه أراد أن يستهزئ بالسلطة التي تكتب التاريخ وتحكي فيه عن بطولاتها وإنجازاتها العسكرية، فبعد أن فقد الجميع القدرة على القراءة والكتابة، كيف سيُكتب التاريخ؟ وكيف سيحكي العسكر عن إنجازاتهم؟، تلك أسئلة لا يمكن أن نجد لها جوابًا إلا الحماقة.

في النهاية، يمكن القول إن قسيمي أراد من روايته الأخيرة أن يؤكد أن القابعين في السلطة السياسية يرتدون أقنعة لا تنتهي، قناعًا وتحته قناع، وفي كل مرة يتمكنون من النجاة ويجدون مخرجًا من ورطتهم في بلد يتصارع شعبه من أجل أن يكتشف نفسه، وفي النهاية يتركنا قسيمي معلقين دون أن نجد إجابة لسؤال مهم: من يصنع من؟ هل السلطة الشمولية هي التي تخلق الشعوب المقهورة؟ أم أن تلك الشعوب هي التي تبتكر جلاديها؟