زيادة حملات مقاطعة المنتجات الفرنسية

لم يكن يتوقع أحد أن يأتي رد الفعل الفرنسي حيال دعوات المقاطعة الاقتصادية بسبب حملات الإساءة للنبي عليه السلام والتصريحات العنصرية ضد الإسلام والمسلمين بهذه السرعة، فالانتقادات التي جاءت بعد ساعات قليلة من بدء الحملة تعكس حجم انزعاج صانع القرار الفرنسي.

وفي الوقت الذي يؤكد فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الاستمرار في مواقفه العنصرية تلك ضد ما أسماه "الإرهاب الإسلامي"، يأتي بيان الخارجية الفرنسية مناشدًا لوقف مقاطعة السلع الفرنسية، عازفًا على وتر "الفتنة والوقيعة" بالإشارة إلى أن ما يحدث صادر عن "أقلية راديكالية".

من المبكر الحديث عن تأثيرات ملموسة لحملة المقاطعة للمنتجات الفرنسية، لكن سرعة رد الفعل الفرنسي تشير إلى أن هناك مخاوف من زيادة زخم هذه الموجة التي تتسع رقعتها ساعة تلو الأخرى، لتزيد من الوضع المتأزم الذي عليه ماكرون ونظامه الذي يعاني من أزمات اقتصادية طاحنة وتراجع كبير في شعبيته جراء سياساته المرفوضة جماهيريًا وهو ما تجسده تظاهرات "السترات الصفراء" على مدار أكثر من عامين.

 يبدو أن الأمور جاءت على عكس ما كان يتوقع ماكرون الساعي لمغازلة اليمين المتطرف على حساب الجالية المسلمة، لكن ردة الفعل هذه المرة تختلف عما سبق، وإن كان الشارع المسلم غض الطرف في مرات سابقة من قبيل أنها تصرفات فردية من متطرفين فرنسيين، لكن الأمر هذه المرة يتعلق برئيس الدولة الذي ورط نفسه في حملة عنصرية ربما تزيد أوجاعه خلال الآونة المقبلة.

ورغم جهود الموالين لفرنسا من بعض الأنظمة الحاكمة وأذرعها الإعلامية والسياسية لتبرير ما حدث والتقليل من شأنه، فإن ذلك لم يحل دون انتشار المقاطعة والدعوات لها على نطاق الشعوب بصورة لم يتوقعها أكثر المتشائمين حيال جدوى تلك الأدوات التي ربما لم تحقق النجاح المطلوب في السابق، ليبقى السؤال: هل تؤثر المقاطعة هذه المرة على الاقتصاد الفرنسي؟

فرنسا تحرض

بلغ الانزعاج مداه حين اضطر ماكرون للتعليق باللغة العربية، في رسالة تحمل ثنائية المغازلة وادعاء الثبات، حين غرد بالعربية على حسابه على تويتر قائلًا إن لا شيء يجعله يتراجع أبدًا، وهو يحترم كل أوجه الاختلاف بروح السلام، ولا يقبل أبدًا ما سماه "خطاب الحقد".

ترافق هذا التصريح مع بيان الخارجية الذي وُصف بأنه "تحريضي من الطراز الأول"، فبعد مناشدة باريس بوقف دعوات المقاطعة لمنتجاتها، دعت في الوقت ذاته حكومات الدول العربية والإسلامية لوقف تلك الحملات "فورًا" و"كذلك كل الهجمات التي تتعرض لها بلادنا التي تقف وراءها أقلية راديكالية".

لغة البيان الفرنسي أثارت الكثير من التساؤلات عن المصطلحات الغريبة التي تضمنها وتشير إلى بُعد تحريضي ضد الشركات المقاطعة والأسواق التجارية التي استجابت لرغبات الملايين من المسلمين والعرب، معتبرًا أن دعوات المقاطعة صادرة عن "أقلية متطرفة" على حد وصفه.

ووفق هذا الوصف فإن الإساءة للنبي عليه السلام تندرج تحت شعارات "حرية التعبير" فيما تأتي المقاطعة الاقتصادية الشعبية وغير الرسمية كـ"نوع من أنواع التطرف الصادر عن أقلية راديكالية" وهو ما ينافي الواقع والمنطق في آن واحد، الأمر الذي يعكس توجيهًا غير مباشر في البيان.

وفي الوقت الذي تخطط فيه فرنسا لمنع المنتجات الحلال في أسواقها التجارية وتفصيل مشروع خاص لأدلجة الإسلام وتهجينه بما يتواءم والأجندة الفرنسية، إذ بعاصمة الثقافة والنور تنزعج من إقدام بعض المحال التجارية على إزالة البضائع الفرنسية من فوق أرففها استجابة لرغبة الشارع الغاضب من الإساءة لنبيه ودينه.

إنكار إعلامي وتجاهل رسمي بداية الأمر لحملات المقاطعة، أعقبه إصرار على العنصرية والبذاءة بحق الإسلام، ثم بيان رسمي يحمل المناشدة ويحرض الحكومات على وقف تلك الموجة التي تتسع دائرتها يومًا تلو الآخر، تطور يعكس حجم الصداع الذي مثلته تلك المقاطعة وكيف أنها أزعجت الرئيس والحكومة معًا.. علمًا بأن كل هذا التأثير جاء في وقت جيش فيه حلفاء فرنسا جيوشهم الإلكترونية والإعلامية للحيلولة دون تمدد الحملة.

زخم المقاطعة يتزايد

دعوات المقاطعة تكتسب زخمًا في الدول العربية والإسلامية بين الساعة والأخرى، ففي الكويت أعلن اتحاد الجمعيات التعاونية الاستهلاكية، مقاطعة كل البضائع الفرنسية، فيما علق رئيس الاتحاد، فهد الكشتي، أنه طلب من الجمعيات كافة مقاطعة المنتجات التي تحمل الماركة الفرنسية "انتصارًا للرسول محمد صلى الله عليه وسلم"، ويذكر أن  الكويت بها 75 جمعية تعاونية (سوبرماركت) على الأقل، لها مئات الأفرع في مختلف مناطق البلاد.

وفي مصر استجابت العديد من الأسواق التجارية لغضب المسلمين حيث أزالوا البضائع الفرنسية من فوق أرفف بعض المجال كما حدث في "هايبر" بالمنوفية وغيره في بعض المحافظات، هذا بخلاف ترويج المصريين لقائمة بأسماء البضائع الفرنسية المنتشرة في مصر بهدف مقاطعتها وقد لاقت استجابة كبيرة من الشارع.

قطريًا.. المقاطعة حملت أشكالًا عدة، فبينما قررت عدد من الشركات التجارية وخدمات البيع الإلكتروني إيقاف بيع وتسويق المنتجات الفرنسية، وعملت على حذفها من مواقعها الإلكترونية، أعلنت جامعة قطر تأجيل فعالية الأسبوع الثقافي الفرنسي لأجل غير مسمى، وذلك بسبب التصريحات العنصرية الفرنسية بحق الإسلام والرسول.

الوضع في لبنان لم يختلف كثيرًا، حيث دعا أمين عام دار الإفتاء أمين الكردي إلى مقاطعة البضائع الفرنسية، قائلًا "أدعو جميع الأحرار في لبنان والعالم للاستمرار في حملة مقاطعة البضائع الفرنسية، حتى يرجع المعتدون على رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام عن غيهم وعدوانهم".

كذلك المغرب الذي أدان عبر بيان صادر عن وزارة الخارجية ما أسماه "الإمعان" في نشر رسوم الكاريكاتير المسيئة للإسلام وللرسول "التي تعكس غياب النضج لدى مقترفيها"، وتابع "لا يمكن لحرية التعبير - لأي سبب من الأسباب - أن تبرر الاستفزاز والتهجم المسيء للديانة الإسلامية التي يدين بها أكثر من ملياري شخص في العالم".

من جهتها اكتفت السعودية ببيان إدانة على لسان هيئة كبار العلماء - لحفظ ماء الوجه - شددت فيه على أن "الإساءة إلى مقامات الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام لا تمت إلى حرية التعبير والتفكير بصلة"، وذلك دون وجود أي تجاوب يذكر مع حملة المقاطعة، إن لم يكن على العكس هناك من انبرى للدفاع عن الموقف الفرنسي.

بعض الدول الإسلامية عبرت ان استنكارها الشديد للتصريحات الماكرونية المستفزة، كما جاء على لسان رئيس وزراء باكستان عمران خان الذي اتهم ماكرون بأنه "هاجم الإسلام" عندما شجع على عرض الرسوم التي تسخر من النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

وعلى تويتر غرد قائلًا: "من المؤسف أن الرئيس ماكرون اختار أن يتعمد استفزاز المسلمين، ومنهم مواطنوه (المسلمون)، من خلال تشجيع عرض الرسوم المسيئة التي تستهدف الإسلام ونبينا عليه الصلاة والسلام"، مستدركًا أنه - أي ماكرون - كان بإمكانه التصرف بحكمة لكنه بدل ذلك "اختار تشجيع رهاب الإسلام من خلال مهاجمة الإسلام وليس الإرهابيين الذين يرتكبون العنف أيا كانوا: مسلمين أو من دعاة تفوق البيض أو دعاة الفكر النازي".

المقاطعة.. صداع في رأس ماكرون

باتت دعوات المقاطعة تمثل صداعًا في رأس الرئيس الفرنسي، الذي يعلم جيدًا حجم وتأثير هذا السلاح حال استخدامه بالشكل الجيد، لا سيما أن علاقات فرنسا مع العالم العربي والإسلامي تتميز بالقوة والثراء مقارنة بالدول الأخرى، هذا بجانب ميل الميزان التجاري لصالح باريس مع كل الدول الإسلامية وهو ما يجعل من تلك الدول سوقًا كبيرًا لإنعاش الاقتصاد الفرنسي.

في تقرير سابق لـ"نون بوست" أشرنا إلى أن منسوب العلاقات الاقتصادية بين فرنسا والدول العربية وصل لمستويات غير مسبوقة، حيث تجاوز التبادل التجاري بين الطرفين 55 مليار دولار سنويًا، هذا بخلاف مئات المشروعات الاستثمارية بينهما.

ووفق التقديرات الرسمية هناك ما يقرب من 880 منشأة عربية تستثمر في فرنسا، تقوم بتشغيل 31400 موظف براتب ثابت، فيما وصل إجمالي استثماراتها مجمعة إلى 7.6 مليار يورو، أسهمت في تصدير سلع فرنسية بقيمة 27 مليار يورو، وتساعد بشكل كبير في إنعاش الاقتصاد الوطني الفرنسي.

الموقف يزداد تأزمًا في ظل المشكلات التي يواجهها الميزان التجاري الفرنسي مؤخرًا بسبب فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19) حيث اتسع العجز إلى 7.7 مليار يورو في أغسطس/آب من عام 2020 من 7 مليارات يورو في يوليو/تموز بعدما اقترب من مستوى قياسي بلغ 8.1 مليار يورو في يونيو/حزيران.

أما الصادرات فقد شهدت انخفاضا ملحوظًا بنسبة 0.6% إلى 35.4 مليار يورو، بنسبة أقل17% من مستوياتها في عام 2019 وقفزت الواردات بنسبة 1.1% إلى 43.1 مليار يورو، وهو أعلى مستوى منذ فبراير/شباط، بانخفاض قدره 91% من متوسط مستواها العام الماضي.

وبحسب آخر إحصاءات رسمية صادرة عن السلطات الفرنسية فقد تراجعت الصادرات في النصف الأول من العام الحاليّ بنسبة 21.5% فيما يتوقع استمرار هذا التراجع بنهاية العام، لا سيما مع بدء الموجة الثانية من الوباء العالمي.

الأرقام الرسمية تشير إلى أزمة اقتصادية حادة تشهدها البلاد بسبب تهاوي إيرادات السياحة، فقد بلغت خسائر هذا القطاع الحيوي خلال العام الحاليّ، نحو 40 مليار يورو (46.8 مليار دولار)، فيما تذهب التقديرات إلى أنه من المتوقع أن يسجل الاقتصاد الفرنسي انكماشًا نسبته 11% هذا العام بفعل قرارات حظر التجوّل واسعة النطاق التي فرضتها الحكومة قبل أيام.

وبينما يقف ماكرون عاجزًا عن وقف نزيف سمعة بلاده والخسائر رغم التحفيزات الذي يقدمها لاقتصاد بلاده إذ بحملات المقاطعة الاقتصادية العربية والإسلامية الواسعة للمنتجات الفرنسية لتزيد أوجاعه وآلامه، ورغم أنه من السابق لأوانه تقييم حجم التأثير فإن الترجيحات تذهب إلى أنه سيكون عنيفًا خلال الآونة القادمة إن لم يتراجع الرئيس الفرنسي عن عنصريته ضد الإسلام.