تواصل الاغتيالات في بنغازي

تواصل الاغتيالات في بنغازي

تتوالى الأخبار السارة من ملتقى الفرقاء الليبيين المجتمعين في تونس، لإيجاد حل لأزمة بلادهم المتواصلة منذ سنوات عدة. أخبار توحي بإمكانية التوصل إلى حل سياسي قريب، لكن أحداث بنغازي الأخيرة وعودة العنف والاغتيالات هناك "نغصتها"، ما يجعل أي اتفاق ليبي قادم "هش" وصعب تطبيقه في ظل انتشار السلاح والمجموعات المسلحة الخارجة عن القانون.

خريطة طريق جديدة

المجتمعون في تونس، يبدو أنهم حققوا تقدمًا كبيرًا في نقاشاتهم، نتيجة الوعي والالتزام بإنهاء الأزمة، القائمة بأعمال المبعوث الأممي إلى ليبيا ستيفاني وليامز، التي أكدت أيضًا أن الجميع متفقون على الحاجة إلى وحدة واستقلال وسيادة ليبيا.

هذا التقدم، نتج عنه اتفاق الفرقاء الليبيين خلال المحادثات المنعقدة في تونس على وضع خريطة طريق تنهي الفترة الانتقالية التي تمر بها البلاد منذ سنة 2011، وتشمل خطوات لتوحيد ليبيا، ما يؤكد أنهم في الطريق الصحيح لإيجاد حل للأزمة الليبية.

يجري هذا الحوار السياسي الذي تشارك فيه 75 شخصية من توجهات وأحزاب ليبية مختلفة، استنادًا إلى قرار مجلس الأمن رقم 2510 لسنة 2020

هذا الاتفاق الأولي يتحدث عن خريطة طريق تُنظم بموجبها انتخابات برلمانية ورئاسية خلال فترة لا تتجاوز 18 شهرًا، وستوضح هذه الخريطة الخطوات اللازمة لتوحيد المؤسسات العامة ومعالجة القضايا التي تهم النازحين، وفق ويليامز.

وتحتضن ضاحية قمرت بالعاصمة تونس، منذ الإثنين، محادثات سياسية ليبية مباشرة، تندرج في إطار عملية متعددة المسارات تشمل المفاوضات العسكرية والاقتصادية، وترمي هذه المحادثات إلى تحقيق رؤية موحدة عن الحكم وإجراء انتخابات وطنية في أقصر إطار زمني ممكن، من أجل استعادة سيادة ليبيا والشرعية الديمقراطية للمؤسسات الليبية.

كما يرمي الحوار بين القوى السياسية الليبية إلى تسمية مسؤولي المناصب السيادية السبعة، وضبط المسارات الدستورية والأمنية والاقتصادية، فضلًا عن توحيد المؤسسات الليبية، وفي مقدمتها البنك المركزي.

قبل نحو شهر من الآن، وقع طرفا النزاع في ليبيا اتفاقًا دائمًا لوقف إطلاق النار بـ"مفعول فوري"، مهد الطريق أمام استئناف تصدير الإنتاج النفطي الليبي وشكل تقدمًا على خط إنهاء الأزمة السياسية المستمرة منذ سنوات عدة.

محادثات تونس، من المنتظر أن تتواصل اليوم الخميس، على أن تركز على تشكيل حكومة انتقالية جديدة موحدة للإشراف على المرحلة التي تسبق الانتخابات، وسيناقش المشاركون "صلاحياتها واختصاصاتها".

يجري هذا الحوار السياسي الذي تشارك فيه 75 شخصية من توجهات وأحزاب ليبية مختلفة، استنادًا إلى قرار مجلس الأمن رقم 2510 لسنة 2020 الذي تبنى نتائج مؤتمر برلين بشأن ليبيا في 19 من يناير/كانون الثاني الماضي، ويأخذ الملتقى في الاعتبار توصيات مشاورات مونترو في سويسرا، والتفاهمات التي تم التوصل إليها في بوزنيقة المغربية وفي القاهرة.

أحداث بنغازي

هذه الأخبار السارة القادمة من تونس وبارقة الأمل التي فتحها هذا الملتقى لليبيين الآملين في تحقيق تقدم في العملية السياسية، تنغصها أحداث بنغازي وعودة العنف وسياسة الاغتيالات هناك بحق الحقوقيين والمدافعين عن الحقوق المشروعة لليبيين.

وقبل يومين، صُدمت الأوساط الليبية والحقوقية بخبر مقتل المحامية والناشطة البارزة حنان البرعصي - المعروفة بـ"عزوز برقة" - التي اغتيلت بالرصاص في وضح النهار، وسط شارع "عشرين" في مدينة بنغازي شرقي ليبيا، حيث أطلق مسلحون نحو 30 رصاصة على أجزاء مختلفة من جسمها.

وقبل أن يلوذوا بالفرار على متن سيارتين معتمتين، حاول المسلحون الملثمون اختطاف الناشطة حنان البرعصي داخل أحد المحلات، وجاء اغتيال البرعصي بعد أيام قليلة من محاولة اغتيال ابنتها، وسبق أن اختطفت المحامية في مارس/آذار الماضي، بسبب ظهورها في فيديو على مواقع التواصل انتقدت فيه حفتر وسياسته في بنغازي، قبل أن يفرج عنها.

جدير بالذكر أنه قبل اغتيالها بيوم، نشرت البرعصي رسائل تهديد وصلتها على تطبيق واتساب عبر الهاتف، بقتلها بالرصاص، لكنها كانت تواجه ذلك بالسخرية، وفي المقطع الذي نشرته على صفحتها على فيسبوك، انتقدت البرعصي مجموعات مسلحة قريبة من المتمرد خليفة حفتر، مؤكدة أنها "مهددة".

بدورها، قالت منظمة العفو الدولية (أمنستي) إن البرعصي وابنتها تعرضتا لتهديدات بالقتل، وأشارت إلى أن صفحة لها على موقع للتواصل الاجتماعي أوضحت يوم الإثنين أنها تعتزم نشر مقطع فيديو يفضح فساد أسرة خليفة حفتر المناهض لحكومة الوفاق الشرعية.

وعُرفت البرعصي، بجرأتها وانتقاداتها الصريحة للانتهاكات المرتكبة على يد المليشيات المنتشرة في بنغازي شرق ليبيا، وكثيرًا ما تنتقد نجل حفتر، صدام، بسبب حصوله على منصب قيادي في قوات الكرامة رغم صغر سنه، مطالبة بالمساواة.

ازدياد ثقافة الجريمة والقتل خارج نطاق القانون التي زرعها حفتر في الشرق الليبي، من شأنه أن يقوض جهود السلام في هذا البلد العربي

سبق أن ظهرت المحامية عدة مرات في بث مباشر عبر صفحتها على فيسبوك تطالب خليفة حفتر بالحد من تمدد نفوذ ابنه صدام وتدعوه للسيطرة على ما تصفها بالمليشيات المسلحة الموالية له، التي تسيطر على بنغازي، وهو ما جعل العديد من الليبين يربطون اغتيال البرعصي بتصريحاتها السابقة التي تنتقد فيها حفتر ونجله صدام.

اغتيال حنان البرعصي يُذكر بجرائم أخرى من هذا القبيل لم يُعاقَب عليها أحد، حيث وقعت هذه الجريمة بعد نحو عام ونصف عام من اختفاء النائبة سهام سرقيوة التي خطفتها مجموعة مسلحة في بنغازي بعدما انتقدت الهجوم الذي شنه الانقلابي خليفة حفتر على العاصمة طرابلس، ولم يتم العثور عليها منذ ذلك الحين.

تواصل الجرائم والانتهاكات يهدد التوصل إلى حل

أكدت جريمة اغتيال البرعصي، تواصل تدهور حقوق الإنسان في ليبيا بما في ذلك القتل غير القانوني وإسكات الصحفيين والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان والداعين إلى إرساء دولة القانون والمؤسسات في بلادهم، فقد دأبت مليشيات المتمرد خليفة حفتر المسيطرة على مدينة بنغازي على الاعتقال التعسفي واغتيال وخطف معارضيها لاسكاتهم، ففي سبتمبر/ أيلول الماضي، اختطفت قوات حفتر المحامي علي بلراس ولا يزال مصيره مجهولا".

كما حاول، مؤخرًا، مسلحون ملثمون اختطاف عبد الحميد الصافي مستشار رئيس برلمان طبرق، وإعلان هيئة الأوقاف اختطاف رئيس قسم المساجد أيمن الدرسي، ومن بين الجرائم المسجلة في مدينة بنغازي منذ مطلع أكتوبر/تشرين الأول الماضي، اختطاف مليشيا مسلحة للشاب سفيان الفرجاني.

وكثيرًا ما ترصد منظمات حقوقية محلية ودولية انتهاكات عدة بحق مدنيين وناشطين في الشرق الليبي من قوات حفتر، على خلفية صدور مواقف معارضة منهم، ورافضة للأوضاع المعيشية المتردية بالمنطقة، وتشهد بنغازي انفلاتًا أمنيًا بعد تزايد حالات الاغتيال والاختطاف والسطو المسلح والسرقة والابتزاز التي ينفذها مسلحون ينتسبون لقوات حفتر.

ازدياد ثقافة الجريمة والقتل خارج نطاق القانون التي زرعها حفتر في الشرق الليبي، من شأنه أن يقوض جهود السلام في هذا البلد العربي، رغم الآمال القادمة من تونس، فمن الصعب على هذه المليشيات المسلحة أن تتخلى عن نفوذها في الشرق.