كانت كندا دائمًا حالة مثالية للجميع بمن فيهم المسلمين، لكن أصابها فيروس التمييز والعنصرية لا سيما ضد الإسلام والمسلمين، وأصبح الهجوم عليهم انطلاقًا مما يسمى قيم العلمانية أكثر شراسة من أي وقت آخر. 

حتى نعرف سر التضييق على المسلمين، يجب أولًا معرفة إشكاليات العلاقة التي كانت قائمة في كندا وبلدان أمريكا الشمالية بشكل عام على الحياد بين الدولة والدين، فالدولة مستقلة بمؤسساتها لكن لا وجود للتحرر من المقدس، لكن ماذا عن التعددية الدينية وكيف أصبحت غير مرحب بها في مجتمعات يسكنها بالأساس مهاجرون من أصول متنوعة للغاية.

لمحة تاريخية

يعرف تاريخ البلاد كنيستين رئيسيتين، الأنجليكانية والرومانية الكاثوليكية، كان الغزو البريطاني لكندا عام 1759 علامة فارقة على عكس المستعمرت الأخرى، إذ عزز الكاثوليكية وهي المذهب الغالب في البلاد، وبالتالي لم تسع قوة بحجم بريطانيا في هذا التوقيت لفرض تصورات بعينها لدين الدولة على الكنيسة الأنجليكانية. 

التاريخ السلمي للبلاد حتى في احتلالها، جعل من تنظيم الحرية الدينية في كندا خلال نهاية القرن الثامن عشر أمرًا سهلًا للغاية، حيث تم منح الحرية الكاملة للكاثوليك وفق قوانين ملزمة تعيد التأكيد على هذه الحرية، ما مهد بسلاسة لمبادئ الفصل بين الدولة والكنائس، ووضع الحياد ضمن أحد العناصر الضرورية لاحترام المساواة بين جميع المواطنين. 

جعلت كندا من التعددية الثقافية إطارًا لسياستها الرسمية، فحررت نفسها تدريجيًا من الكنائس لكن دون أن يتضمن دستورها ما يقر علمانية الدولة، لذلك هي ليست جزءًا من القانون الكندي، حتى لو كانت مبادئها الأساسية موضحة بشكل وثيق هناك.

تضمن كندا - وفق دستورها - حرية الضمير والدين، وهذا يعني ضرورة اجتهاد كل مؤسسات الدولة لإيجاد عدالة متساوية للجميع، من خلال دولة محايدة تضمن الفصل بين السلطة السياسية والدينية.

صورة

الحياد في المفهوم الكندي لا يعني أن الدولة فكرة مجردة بلا قيمة، بل مؤسسات تحكم على أساس القيم المتأصلة في الديمقراطية، حيث لا تحابي ولا تضر بأي معتقد ديني أو غير ديني، وتؤسس لقناعات عميقة عند جميع أبنائها والاحترام الكامل للفرد.

الولاء للمسيحية

لا يمكن لدولة يشكل جزء كبير من هويتها أحد الأديان، وتتسامح بشكل مطلق مع الأديان الأخرى، هذا ما يثبته التاريخ، وربما هذا ما يأخذنا لمعرفة تاريخ الديانة الإنجليكانية في إنجلترا وانعكاساتها على كندا.

كان وصول الكاثوليك إلى المناصب العامة، يتطلب الولاء للبابا أولًا، وكان هناك اختبار خاص بذلك، ربما لم تشهد كندا أي تاريخ قتالي من أجل انتزاع هذا الولاء كما حدث في بلدان أوروبية عديدة، ويتجاهل بالفعل القانون الدستوري الأول للاتحاد الكندي عام 1867 أي توضيح للعلاقات بين الكنيسة والدولة.

هذا السلاح الذي لا يحدد علاقة الدولة بالمؤسسات الدينية ومبانيها، ويجعلها نظريًا غير مسؤولة عن شؤون الأديان، استخدم في موضع آخر لتوضيح الهوى المسيحي للدولة، ويوضح ذلك الدستور الكندي الجديد الذي وضع عام 1982 ويؤكد في ديباجته أن كندا تأسست على مبادئ تعترف بـ"سيادة الله" وفق مفاهيم المسيحية، وهنا سيشتبك المجتمع عاجلًا أم آجلًا مع الديانات الأخرى، خاصة التي تشكل منافسة قوية ولديها أسس أخلاقية وقيمية تنازع المسيحية لا سيما الإسلام.  

كندا والإسلام

الإسلام واحد من الديانات الموجودة في كندا منذ إنشاء الاتحاد الكندي عام 1871، ووقتها لم يكن عدد المسلمين يزيد على 13 مسلمًا من بين كل سكان البلاد، لكن المشهد الإسلامي تطور على مدى قرنين من الزمان.

وفقًا لتعداد عام 2011، يوجد ما يقرب من مليون مسلم في كندا، يمثلون نحو 2.8% من مجموع سكان البلاد، ويعتبر الإسلام الديانة الثالثة، بعد المسيحية التي تعد الديانة الأولى ويؤمن بها غالبية السكان وخلفه الأشخاص بلا دين الذي يشكلون نحو 24%. 

غالبية المسلمين الكنديين من السنة، بجانب أقلية كبيرة من الشيعة وخلفهما أقلية أحمدية، ويتمركز أغلبهم في أونتاريو وهي ثاني أكبر مقاطعات كندا الثلاثة عشر من حيث المساحة، وخاصة في منطقة تورنتو الكبرى.

بشكل عام كانت كندا بعيدة حتى وقت قريب عن صراع الحجاب مع الثقافة الأوروبية، حيث يتاح للفتاة أو السيدة المسلمة ارتداء حجابها في المدارس العامة، وتمكنها الأعراف الدستورية والقانونية من الجدال بشأن حقها في حرية الدين وحظر التمييز على أساس المعتقدات الدينية. 

لكن كما هو الحال في الدول التي تمجد الفردية وتعتبرها أساس التقدم، يُلزم القانون المؤسسات العامة والخاصة بالتكيف أو حتى تعديل المعايير العامة لتلبية الاحتياجات الخاصة للأقليات الدينية، لكنه يطلب ذلك بالتراضي وليس بالإجبار، فالأفراد المالكون لشركاتهم أو المعنيون بالأمر ليسوا معنيين بالاعتراف بالخصوصيات الدينية.

تؤكد البنود الدستورية الكندية، أن الحقوق الممنوحة للأفراد لإشباع حريتهم الدينية هي متطلبات حقوق الإنسان، لكن حكومة الحد الأدنى المعمول بها في النظام السياسي، كما هو الشكل المحبب في كل بلدان أوروبا التي تؤسس لسياسة عدم التدخل من جانب الدولة، تفتح الباب لكل عنصري للإفصاح عن رفضه للتنوع. 

ترفض الدولة التدخل في العلاقات بين المواطنين لتحديد ما الذي يجب أن يكون مقبولًا به من عدمه لدى تفضيلاتهم السياسية والإنسانية والدينية، وهي أيضًا سلاح ذو حدين، فهي فرصة لسماح للجميع بالتعايش وبذل جهود حقيقية للتأقلم والتنازل مع كل الأطراف تجاه بعضها، لا سيما أن القانون يسلم "القاضي" وليس رئيس الحكومة الوصاية على تطبيق حياد الدولة، لكنه في الوقت نفسه وحال صعود التمييز والعنصرية، يسمح للمتطرفين بتسيد المجال العام للدولة وتهديد الأقليات. 

حدث ذلك فعليًا، وتسبب تقييد قدرة الحكومة على التدخل، في منح مقاطعة كيبيك الحرية في وضع تصور أكثر تطرفًا للعلمانية، وأصبحت المقاطعة تضيق على موظفي الخدمة المدنية البلاد، ما أغضب مسلمي المقاطعة على وجه التحديد، التي ما زالت ترفض القانون 21 الذي يقوم على مبادئ الفصل بين الدولة والأديان.

لكن الحياد الديني تم تفسيره بشكل متطرف لرفض منح الموظفين العموميين من مدرسين وضباط شرطة وقضاة حرية ارتداء أي رموز دينية في أثناء أداء واجباتهم، ولهذا انطلقت العديد من التظاهرات ضد القانون الذي تم التصديق عليه في يونيو/حزيران الماضي.

مقاومة إسلامية للعلمنة

أسس المسلمون تجمعات مناهضة لهذا التصور العلماني المخل بالمواطنة، ووقف على رأس التظاهرات نشطاء من جميع التوجهات السياسية، للضغط من أجل سحب القانون، الذي جعل الأقليات الدينية وخاصة المسلمين يشعرون أنهم مواطنون درجة ثانية، وخاصة أنهم أكثر سكان البلاد تمسكًا بتقاليدهم الدينية.  

صورة

المنظمات الإسلامية من جانبها تحركت لتعليق مشروع القانون واعترضت أمام المحكمة العليا، لا سيما أن مثل هذا القانون سيمنع المسلمات من تولي المناصب العمومية في البلاد، واعتبرته هجومًا ممنهجًا بالأساس على الحرية الدينية والتعددية الثقافية التي ينص عليها دستور البلاد.

رفض المسلمون الخضوع للتاريخ المتطرف للمقاطعات، التي انفصلت حتى عن الكاثوليكية في أوائل الستينيات من خلال ما سمي بـ"الثورة الهادئة"، وحظرت منذ ذلك التوقيت كل الرموز الدينية عن الخدمة العامة.

جادل المسلمون، وأكدوا أن الحجاب التقليدي على سبيل المثال ليس له أي تأثير على الطريقة التي يتم التدريس بها، ولم يكن أبدًا مصدر توتر أو خلاف مع الطلاب وأولياء أمورهم، كما تقول إحدى المدرسات المسلمات في شهادتها أمام المحكمة العليا، خلال رفضها بالقانون التمييز ضدها. 

كشفت بوشيرة شلبي جزائرية الأصل وأستاذة اللغة الإنجليزية، التي درست اللغة الثانية في البلاد لمدة 12 عامًا لطلاب مونتريال، أن اهتمامها لم يكن يومًا من أين أتى طلابها أو دينهم أو توجههم الجنسي، وأكدت أنها ليست منحازة للطلاب، بل كان من المهم لها دائمًا أن تتعامل مع الجميع على قدم المساواة ووفق قواعد الاحتراف والحياد.

صورة

شلبي مثل آلاف المسلمين الذين يعملون في مجالات الخدمة العامة المختلفة، يرفضون الاستسلام لمثل هذا القانون الذي يقضي على مستقبلهم، في ظل تمسكهم بهويتهم الدينية. 

المزعج في الأمر الذي سيتطلب من المسلمين جهادًا أكبر وإصرارًا على المواجهة، هو تحصين مثل هذه القوانين من الطعون، حتى لا يتم إسقاطها دستوريًا لتعارضها مع الميثاق الكندي للحقوق والحريات، لا سيما المادتين 2 و15 اللتين تحميان حرية الدين والحق في المساواة.

حتى الآن تبدو كيبك منبع العنصرية في كندا وخاصة ضد المسلمين، وهو ما يتضح من تصاعد الإسلاموفوبيا التي قادت المقاطعة إلى تنفيذ هجوم إرهابي على المركز الثقافي الإسلامي في مدينة سانت فوي عام 2017.

خلف الهجوم كارثة بالبلاد بمقتل وإصابة نحو 19 من المسلمين كانوا يؤدون صلاة العشاء في المسجد، وسقطوا برصاص الجهل والعنصرية، بحسب تعبير رئيس الوزراء جاستن ترودو، الذي يقود معركة كبيرة لإنصاف المسلمين وإعادة الوجه المسالم لبلاده. 

وجود ترودو - الذي يدعو دائمًا إلى النضال ضد الإسلاموفوبيا، ويسارع لإدانة أي شكل آخر من أشكال الكراهية والتمييز في أوروبا كلها وليس كندا فقط، بل ويبتكر طرقًا جديدةً لتمجيد الضحايا دائمًا وتكريم ذكراهم، - يشير إلى أن هناك أملًا.

صورة

يدفع جاستن الحكومة لاتخاذ إجراءات مشددة لمواجهة محتوى الكراهية الذي يتم بثه عبر الإنترنت، في محاولة لإعادة بناء فضاء عام يشعر جميع السكان فيه بالأمان والتعايش بغض النظر عن دينهم أو معتقداتهم أو أصلهم. 

ما يحدث في كندا هو نفسه ما يحدث في بلدان أخرى تحاول نمذجة الناس وصهرهم في قالب واحد، ما يؤكد دائمًا أن التشدد العلماني هو الوجه الآخر للتشدد الديني بكل تفاصيله المزعجة والمؤلمة للجميع.