تستمر عقلية حزب الشعب الجمهوري في السيطرة على رئيس بلدية إسطنبول الكبرى، أكرم إمام أوغلو، فقد أثار أزمة تتريك الأذان مجددًا خلال فعالية أقيمت برعايته لإحياء الذكرى الـ747 لوفاة العالم التركي جلال الدين الرومي، حيث جرى رفع الأذان وقراءة القرآن الكريم والأدعية باللغة التركية، كما كان الحال في عهد مؤسس الجمهورية التركية على أسس علمانية مصطفى كمال أتاتورك، لمدة 18 عامًا.

إذ يبدو أن الحنين لتلك الحقبة أصاب إمام أوغلو، وهي النزعة السياسية التي قوبلت بحساسية واستنكار من مسؤولين في دوائر الحكم المحلية، لا سيما أنصار حزب العدالة والتنمية التي شهدت فترة حكمه مساعي حثيثة لترميم الهوية الإسلامية بالكامل لدى الشعب التركي.

لعبة مهترئة.. الجمهوريون والدين

يأتي هذا السخط أيضًا من الأوساط الشعبية المحافظة التي رأت أن إمام أوغلو ذو وجهين، حيث يتناقض هذا الحدث مع ما حاول إمام أوغلو تصويره عن نفسه خلال الحملة الانتخابية لعام 2019 عندما ظهر بملامح وديعة مسالمة، وتحدث بنبرة تصالحية مع جميع شرائح المجتمع التركي من مختلف الإيديولوجيات، متخليًا عن لهجة المعارضة الاستفزازية والعدائية، حتى إنه استنسخ بعض مواقف العدالة والتنمية بإعطاء الفتيات المحجبات مساحة في منشوراته الدعائية مثلًا، أو عندما أدى صلاة الغائب على أرواح ضحايا هجوم "كرايست تشيرتش" في نيوزيلندا، ثم جلس على الأرض بين الأئمة وقرأ على الملأ بعض الآيات القرآنية من سورة ياسين في جامع أيوب سلطان.

وهي المواقف التي كاد أن يمحي بها إمام أوغلو السنوات القمعية التي حظر فيها الشعب الجمهوري الدين، لكن كمن يمشي إلى الخلف، أعاد المعارض الجمهوري إلى الأذهان تلك المرحلة المتوترة من التاريخ التركي، من خلال العبث في جروح الشعب التركي القديمة وإثارة الملفات الجدلية من حين لآخر كما لو لم تناقش من قبل. علمًا بأن النائب في الحزب المعارض أوزتورك يلماز، فتح هذا الملف سابقًا عام 2018، معتبرًا أن عدم استخدام اللغة التركية يعد احتقارًا لها، وداعيًا إلى التحدث بها في كل مكان.

وهي المعطيات التي تؤكد أن الجمهوريين ليسوا جاهزين بعد للعيش خارج جثة أتاتورك، فقد حصروا تاريخهم وإنجازاتهم في الفلسفة والمبادئ الكمالية تجاه الدين، وأهملوا حق الملفات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الأخرى من جدول أعمالهم، واليوم، بعد أن مضى نحو 88 عامًا على إزاحة هذا الملف جانبًا، بجهود مكثفة من رئيس الوزراء الراحل عدنان مندريس، المعروف بلقب "شهيد الأذان"، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عاد إمام أوغلو ليستخدم ورقة الدين.

لكن كما يُقال فإن "العرق دساس"، فما زال رئيس بلدية أهم المدن التركية محتفظًا بتوجهات الإرث الكمالي الذي أرغم أئمة وخطباء الجوامع بين الأعوام 1932 و1950 على قراءة الأذان باللغة التركية حصرًا، ومنعهم من تداول اللغة العربية في أثناء الصلاة وقراءة القرآن الكريم أيضًا، ومن لم يكن مطاوعًا لتلك التعليمات ومصرًا على استخدام العربية، أمر أتاتورك بتعذيبه أو ترحيله أو سحبه إلى السجن مثلما حدث مع المؤذنين عمر أفندي ومصطفى عوني في مدينة إزمير، أما بشأن مدة الحبس فقد تضاربت معلومات المصادر المتوافرة بين ما تقول ثلاثة أشهر وأخرى 30 سنة، وقيل كذلك إن حكم الإعدام لم يكن مستبعدًا.

موقف الحكومة ورئاسة الشؤون الدينية

بالنظر إلى هذا التاريخ ومواقف إمام أوغلو المتلونة، وجه الرئيس التركي كلمة إليه قائلًا: "على ما يبدو أنهم تواقون كثيرًا للعودة إلى حقبة الحزب الواحد، لكننا لا نسمح لأي شخص بأن يتطاول على معتقداتنا وثقافتنا"، وأضاف "لا فائدة من ذهابك قبل الانتخابات إلى مسجد أيوب سلطان وفتح القرآن الكريم وقراءة جزء من سورة ياسين بشكل صحيح"، متسائلًا: "لماذا لم تقرأها باللغة التركية؟ يا ليتك فعلت ذلك".

مضيفًا: "إذا أردت اتباع مسار مولانا أو أي مرشد آخر، فعليك الالتزام بالتقاليد، وبالنسبة للمسلمين، دع العلماء يقررون لهم كيفية قراءة القرآن ورفع الأذان، فأنت لا تفهم شيئًا في هذه الأمور"، وأشار إلى أنه "إذا كان هناك خطة للعودة إلى الممارسات الفاشية في حقبة الأربعينيات، نقول إن هذا خطأ، وهذه الحسابات تذهب إلى إعادة تأسيس محاكم الاستقلال".

كما رأى رئيس الاتصالات فخر الدين ألتون أن هذه الواقعة "تذكرهم بذكريات الماضي السيئة"، وفيها "ازدراء شديد للقرآن ومولانا (جلال الدين الرومي)"، وتزامنًا مع هذه التصريحات أصدرت رئاسة الشؤون الدينية بيانًا واضحًا وصريحًا كتبت فيه: "لا يجوز الأذان ولا قراءة القرآن في الصلاة بلغة غير العربية"، في محاولة لإنهاء أي شكوك أو تساؤلات عن مشروعية تتريك القرآن والأذان.

ولا تثير ردة فعل العدالة والتنمية أي استغراب، فلا يخفى على أحد الجهود التي بذلها الحزب منذ توليه الحكم في البلاد من أجل بناء جسر يربط بين الشعب التركي وثقافته وهويته الإسلامية من خلال إحياء التاريخ العثماني والاعتزاز بممتلكاته المعنوية والمادية على حد سواء، أما ما يثير العجب فعلًا في المشهد كله انشغال إمام أوغلو بالأوراق القديمة بدلًا من اهتمامه بأولوياته ومهامه المتعلقة بتحسين مستوى الخدمات والمعيشة في مركز التجارة والسياحة إسطنبول.