يبدو أن تركيا أصبحت منافسًا إقليميًا خطيرًا لإيران، خاصة أن تقارب أنقرة وتل أبيب الأخير، قد يكون له عواقب على طهران، هذا ما جاءت به صحيفة "جيهان صنعت" الإيرانية في دراسة نشرتها مؤخرًا، وتقول إنه رغم التفاؤل بتقارب تركيا مع إيران خلال الفترة الماضية، فإنها ما زالت منافسًا لإيران، وأضافت أن البيئة الدولية منفتحة اليوم للغاية، ولا بد من تقبل مصالح كل دولة، وبالنسبة لتركيا فإن المهم لها هو مصالحها الوطنية وليس التقارب مع إيران.

وفي سياق العلاقات التركية الإيرانية، ترى تركيا أن النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط انعكس سلبًا على مصالحها الإستراتيجية، وتحديدًا في العراق وسوريا، عبر نجاح إيران بتحويل مسار العلاقات السياسية والاجتماعية في المنطقة إلى صراعات طائفية ومذهبية، وتحديدًا بعد اندلاع ثورات الربيع العربي في 2010، وهو ما جعل تركيا بدورها في وضع إستراتيجي صعب للغاية، كونها لا تجيد اللعبة الطائفية في المنطقة، ورغم السعي التركي لتقليل هذه المخاطر الإستراتيجية، ما زالت تبحث عن شيفرات مهمة لتحويل العلاقات الإقليمية في المنطقة نحو نهج إستراتيجي أقل ضررًا وأكثر استقرارًا.

وفي هذا الأطار، تبدو الجبهة الغربية لاحتواء إيران، هشةً بعض الشيء، وذلك بسبب النفوذ الإيراني في العراق وسوريا، ورغم نجاح تركيا في الدخول بمسار أستانة إلى جانب روسيا وإيران، فضلًا عن التقارب مع العراق والأردن في الآونة الأخيرة، فإن نجاحها في هذه الجبهة لا يمكن أن يكتمل دون تفاهمات واضحة مع الجانب الإسرائيلي والسعودي، وحتى المصري، لأن الدخول التركي على هذه الجبهة، دون التفاهم مع هذه القوى، سيجعل تركيا في صدام مباشر معهما، ما يعني فتح جبهة جديدة للمواجهة تركيا في غنى عنها.

شكل التقارب السياسي الهش الذي حصل مؤخرًا بين أنقرة وكل من تل أبيب والرياض، تحولًا سياسيًا مهمًا في مسار العلاقات الإقليمية الشرق أوسطية، هذا التوجه التركي، وإن كان يستبق مجيء الإدارة الأمريكية المقبلة برئاسة جو بايدن، إلا أنه من جهة أخرى، يمثل سعيًا تركيًا لاستثمار النجاح في جنوب القوقاز، بعد نجاح تركيا في الحضور عسكريًا في أذربيجان، وبالتالي امتلاكها حزامًا جغرافيًا يربطها بآسيا الوسطى والصين، دون المرور بالأراضي الإيرانية، وكذلك نجاح تركيا في التقارب مع باكستان، فضلًا عن الوجود العسكري في قطر، ما يعني اكتمال سلسلة احتواء إيران من الجبهة الشمالية والشرقية والجنوبية.

التوقيت الذي دفع تركيا للتقارب مع "إسرائيل" مهم جدًا، خصوصًا أن إيران بدأت تواجه وضعًا صعبًا في سوريا، بسبب علاقاتها المتدهورة مع روسيا من جهة والضربات الإسرائيلية التي تستهدف الوجود الإيراني من جهة أخرى، كما أن وصول إيران إلى داخل قطاع غزة، سحب ورقة مهمة من يد الأتراك، خاصة عندما يتم الحديث عن العلاقة بين تركيا وحركة حماس، إذ حاولت تركيا منذ عام 2018، أن تلعب دورًا مهمًا في القضية الفلسطينية، عبر طرد السفير الإسرائيلي من أنقرة والاحتجاج على تحويل القدس لعاصمة لدولة الاحتلال وإقامة مؤتمر لنصرة القدس في إسطنبول في 2019.

تدرك إيران أن أي تقارب بين أنقرة والرياض، قد يتمخض عنه بالنهاية تقارب مع القاهرة، وإذا نجحت تركيا في ذلك، فإن الوضع الإستراتيجي لإيران في المنطقة، قد يكون أمام تحدٍ كبير

كما يشكل التناحر التركي اليوناني، ورقة مهمة تدفع تركيا نحو تطبيع العلاقات مع تل أبيب، حيث دعمت إيران حقوق اليونان في قبرص، وسعت لمنافسة تركيا عبر بوابة نقل الغاز إلى أوروبا عن طريق البحر الأبيض المتوسط، كما واجهت تركيا مع الوجود الإيراني في شمال إفريقيا تحديًا كبيرًا، عبر استهداف الدعاية الدينية الإيرانية للطرق الصوفية القريبة من تركيا في هذه المنطقة.

تدرك إيران أن أي تقارب بين أنقرة والرياض، قد يتمخض عنه بالنهاية تقارب مع القاهرة، وإذا نجحت تركيا في ذلك، فإن الوضع الإستراتيجي لإيران في المنطقة قد يكون أمام تحدٍ كبير، بعد اتحاد أنقرة بثقلها التاريخي والسياسي والقاهرة بثقلها الحضاري والأزهري، كما أن هذا الاتحاد قد يعطي الرياض دفعةً قويةً لحسم الصراع مع الحوثيين في اليمن، لذلك تنظر إيران بأن منع أي تقارب بين أنقرة وتل أبيب والقاهرة والرياض يعني حماية النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط.

وهنا يتحدث الباحث الإيراني علي بيغدلي عن هذا الواقع الجغرافي الجديد، بأن إيران عليها الاعتراف بأنها لم تنجح في إستراتيجيتها بالمنطقة، وعليها قبول المرونة العميقة والواسعة للعودة إلى المنطقة من جديد، بعيدًا عن السياسات الحاليّة، كما أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يبدو أكثر طموحًا اليوم في العودة للمنطقة، بعد صعوبة الحديث من جديد عن انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي.

وفى جميع الأحوال، يوضح النهج الذي تتبعه تركيا اليوم فيما يتعلق بعلاقاتها مع إيران، كيف أنها استفادت من ظروف إيران الجيوسياسية من أجل تعزيز أهدافها، وتحديدًا في جنوب القوقاز والشرق الأوسط، ومن المتوقع أن تستمر في تعزيز تلك الأهداف لتحقيق مصالحها المتمثلة في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية التي قد تشهدها مرحلة ما بعد ترامب.