"كل الناس ماتت.. كل ما هو في العناية مات.. كل من في العناية توفي.. مفيش إلا بتوع التمريض.. مفيش أكسجين.. حسبنا الله ونعم الوكيل فيهم".. هكذا وثق أحد أقارب المتوفين داخل مستشفى الحسينية بالشرقية مأساة نهاية حياة بعض مرضى فيروس كورونا (4 وفيات وفق البيانات الرسمية) بسبب نقص الأكسجين داخل العناية المركزة بالمشفى.

المقطع المصور انتشر بسرعة فائقة على منصات السوشيال ميديا ما أحدث صدمة كبيرة للمجتمع المصري لا سيما تلك الصورة التي ظهرت فيها إحدى الممرضات العاملات بالمستشفى جالسة على الأرض (القرفصاء) بجانب أحد الأسرة مقيدة رجليها بسلاسل يديها المتشابكتين، في تعبير صارخ عن القهر والعجز وقلة الحيلة.

وقبل تلك الواقعة بساعات قليلة كانت مستشفى "زفتى العام" بمحافظة الغربية على موعد مع واقعة مشابهة، راح ضحيتها حالتان مصابتان بالفيروس ذاته بسبب نقص الأكسجين، وتم توثيقهما عبر مقطع مصور تناقله رواد منصات التواصل الاجتماعي.

واقعتان في محافظتين مختلفتين، لم يفصل بينهما إلا ساعات معدودة، متشابهتان في الظروف والملابسات والنتائج، فجرا ثورة احتقان كامنة داخل نفوس المصريين لا سيما أنهما تتناغمان بشكل كبير مع الوقائع اليومية التي يعايشها المواطنون داخل المستشفيات الحكومية، غير أن الفارق أن كلتا الواقعتين تم تصويرهما ومن ثم كان رد الفعل هذا عكس المئات من الوقائع الأخرى التي لم يكتب لها الانتشار فدُفنت في غياهب التعتيم.

وأمام التوثيق اللحظي لتلك الوقائع المثبتة بروايات شهود العيان جاءت التصريحات الرسمية مغايرة تمامًا لسير الأحداث، محاولة إزاحة المسؤولية عن الأجهزة التنفيذية، ساعية لتبرئة ساحة الحكومة من أي خطأ من الممكن أن يضعها في موقف حرج.

أثار هذا الأمر الكثير من علامات الاستفهام عن دوافع هذا الإنكار وتبعاته وما يحمله من دلالات تضع الشفافية في التعامل مع الوباء خلال المرحلة المقبلة على المحك، وتزيد قلق الشارع من إستراتيجية الإدارة الرسمية لمواجهة الفيروس الذي تتزايد أعداد الإصابات به خلال الآونة الأخيرة بشكل ملحوظ.

إنكار رسمي

منذ الوهلة جاءت الرواية الرسمية نافية تمامًا لما أثير بشأن مسؤولية نقص الأكسجين عن وفاة الحالات الأربعة داخل مستشفى الحسينية، حيث أكد وكيل وزارة الصحة بالشرقية، الدكتور هشام مسعود، أن الوفاة جاءت نتيجة الأمراض المزمنة التي كانت تعاني منها 3 حالات فيما أصيبت الرابعة بـ"جلطة".

محافظ الشرقية في بيان رسمي أشار إلى أنه "لا صحة لوفاة 7 حالات من مرضى فيروس كورونا بالمستشفى بسبب نقص أو نفاد الأكسجين من المستشفى"، لافتًا إلى أن عدد المتوفين 4 فقط ردًا على ما أثير بشأن زيادة العدد الحقيقي عن هذا الرقم، مؤكدًا رواية وكيل وزارة الصحة بأن الوفاة نتيجة للأمراض المزمنة وليس نقص الأكسجين.

البيان أوضح أن الواقعة حدثت في أثناء تغذية سيارة الأكسجين تانك المستشفى، الأمر الذي يشير إلى أنه لا يوجد أي نقص في الأكسجين عكس ما ظهر في الفيديو، فيما أكد المحافظ أن هناك شبكة احتياطية بالمستشفى للاستعانة بها في حالة حدوث أي مشكلة في خزان الأكسجين.

مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الصحية والوقائية، الدكتور محمد عوض تاج الدين، دخل هو الآخر على خط الأزمة مؤكدًا وجود احتياطي إستراتيجي وكمية كافية من الأكسجين لدعم كل المستشفيات والمراكز الصحية، بجانب الحالات التي تحتاج إلى أسطوانات داخل المنازل.

وبحسب الإجراء المتبع، استدعت النيابة العامة مدير المستشفى وبعض الأطباء والعاملين للاستماع لأقوالهم بشأن تلك الواقعة، فيما تمحور التحقيق حول ثلاثة محاور أساسية: كيفية نفاد الأكسجين بالمستشفى، وما الإجراءات المتخذة في حالة نفاده، ومدى اتباع تلك الإجراءات في تلك الواقعة.

 

في مواجهة شهادة الشهود

في الجهة الأخرى جاءت شهادة شهود العيان الحاضرين للواقعة، سواء من أهالي المتوفيين أم الممرضات العاملات بالمشفى منافية بشكل كبير للرواية الرسمية، فالمقطع الذي لم يتجاوز الدقيقة الواحدة أشار إلى أن الوفاة كانت بسبب نقص الأكسجين.

مقاطع أخرى منتشرة على منصات التواصل الاجتماعي لنفس المستشفى كشفت تدني الوضع داخل مركز العناية وأقسام العزل، الأمر الذي يلمح إلى وجود أزمة حقيقية في التعامل مع الحالات، وإن كان ليس بالضرورة أن يكون الطاقم الطبي المسؤول عنها في ظل ضحالة الإمكانات وعدم قدرتها على التعامل مع هذا الكم الكبير من الإصابات.

الممرضة القرفصاء، صاحبة الصورة الشهيرة، آية علي محمد علي، التي أظهرها الفيديو في حالة هلع واضحة، أشارت في تصريحات نقلتها صحيفة "الوطن" المحلية المصرية إلى أنه "في تمام الساعة التاسعة والنصف مساء السبت، حدث خلل في أسطوانات الأكسجين ما أدى إلى ضعف وصول الأكسجين للمرضى".

وتسبب هذا الخلل في اختناق عدد كبير من حالات العزل وفق رواية الممرضة التي قالت: "فجأة الأكسجين ضغطه قل، والحالات جالها اختناق، وحاولنا بكل الطرق نسعفهم وفشلنا لأن حالاتهم كانت متدهورة بالفعل من قبل موضوع نقص الأكسجين".

وعن تفسير حالة الإنهاك التي ظهرت عليها في المقطع أشارت "بشتغل من 8 بليل لـ8 الصبح، واللي حصل أمبارح كان ضغط رهيب عليا بسبب إني أول مرة أتعرض لمناظر الموت دي كلها"، وتابعت "ما كنتش خايفة، لكن مرهقة وزعلانة على الناس اللي ماتت.. عملنا اللي نقدر عليه لكننا فشلنا".

التسييس.. شماعة كل فشل

مع كل أزمة يصاحبها فشل في إدارتها كانت شماعة الإخوان هي الأكثر حضورًا للتقليل من وقع الكارثة ومحاولة تبرئة ساحة النظام - الذي لا يخطئ أبدًا من وجهة نظر مؤيديه - ومع نجاح تلك الإستراتيجية في أزمات كثيرة سابقة كان اللجوء إليها هو الحل السحري للخروج من أي مأزق أو اتهامات.

طيلة السنوات الماضية تعرضت مصر لموجات عاتية من الأزمات بسبب فشل السياسات المتبعة، على رأسها التدني الاقتصادي، تراجع سعر العملة المحلية، فساد البنية التحتية وقت الأمطار، مخاوف الأمن المائي بسبب إدارة ملف سد النهضة.. وكان الإخوان المحرك الأول لتلك الأزمات من وجهة نظر السلطات الحاكمة.

ورغم غياب الجماعة عن المشهد السياسي منذ 2013 وتقليص نفوذهم في أعقاب التنكيل والاعتقال وتضييق الخناق بحق الغالبية العظمى منهم، فيما هرب البقية الباقية خارج البلاد، فإن حضورهم القوي لا يتأتى إلا وقت الأزمات، فهم المتهم الجاهز لتحمل فشل النظام الذي تساعده آلته الإعلامية في الترويج لذلك.

 

المثير للسخرية قبل التعجب هذه المرة أن وزيرة الصحة حملّت الإخوان مسؤولية واقعة مستشفى الحسينية، لكن الاتهام هذه المرة لا يتعلق بسرقة الأكسجين أو منع تزويد المستشفى به أو التسبب في إحداث نقص متعمد به لإحراج النظام، لكن الاتهام الرئيسي تعلق بأن من صور المقطع المنتشر كان "إخوان" بهدف إثارة البلبلة والتشكيك في قدرة الحكومة على التعامل مع الأزمة.

وعلى قدر السخرية التي رافقت هذا التصريح التي كان يتوقع أن تتداركها الحكومة حتى لا توضع في مرمى الاتهامات بالسطحية، جاءت الإجراءات المتخذة أكثر تراجيدية، فبدلًا من محاسبة المقصرين عن الواقعة كان تحويل فرد الأمن الذي سمح لأحد أهالي الضحايا بالتصوير للتحقيق هو الإجراء الحاسم، ومما زاد الطين بلة تصريح محافظ الشرقية الذي قال فيه: "مصور فيديو الحسينية أربك الأطباء في أثناء إنعاش قلب المريض".

 

تراجع الثقة في إدارة الأزمة

في تقرير سابق لـ"نون بوست" جرت الإشارة إلى حالة الرضا النسبي عن أداء السلطات المصرية في التعامل مع أزمة كورونا بداية الأمر، إلا أن مستوى هذا الرضا شهد تراجعًا ملحوظًا في الموجة الثانية لتفشي الوباء، إذ كان الواقع بتفاصيله في واد والحكومة ببياناتها وإستراتيجياتها في واد آخر.

التقرير كان قد ألمح إلى فقدان الشارع المصري الثقة في الإحصاءات الصادرة على لسان المتحدث الرسمي لوزارة الصحة عن عدد الإصابات اليومية، في ظل وجود عشرات الشواهد والدلالات على أن الأعداد تتجاوز المعلن بمراحل، وهو ما رضخت له الحكومة على لسان وزيري التعليم العالي والصحة، حيث أشارا إلى أن العدد الحقيقي أضعاف ما يتم إعلانه يوميًا.

منذ الوهلة الأولى لتفشي الوباء عالميًا وتتعامل معه القاهرة من منظور سياسي اقتصادي أكثر منه صحي إنساني، فالإعلان عن الأرقام الحقيقية لمعدلات الإصابة من خلال توسعة دائرة ومساحة المسحات المخصصة لذلك ربما يكون له تداعيات سلبية على الاقتصاد.

ورغم أن هذا واقعًا عالميًا تعيشه الدول كافة، حتى صاحبة الريادة في أنظمتها الصحية المتطورة، فإن الوضع في مصر كان حساسًا للغاية، فحرصت الحكومة على المحافظة على الإعلان عن نسب إصابات محدودة تجنبًا لما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات سلبية، خشية أن يتهم النظام بالفشل في التعامل مع الوباء.

انهيار الثقة في أداء الحكومة ظهر جليًا مع بداية الموجة الثانية من الوباء، فبعيدًا عن الفجوة الكبيرة بين الأرقام الرسمية لمعدلات الإصابات اليومية والواقع الفعلي، فإن خداع المصريين باتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة الوباء من خلال توفير الكميات المطلوبة من اللقاحات كان المسمار الأكثر توغلًا في نعش الرضا النسبي السابق.

فبينما عزفت الآلة الإعلامية الداعمة للنظام، الرسمية وغير الرسمية، على أوتار الحصول على شحنات من اللقاح الصيني وتوفيره إما بالمجان وإما بأسعار رمزية للمصريين، إذ بالمفاجأة أنه وحتى كتابة هذه السطور لم تحصل مصر على أي لقاحات تذكر.

 

وفي الوقت الذي استعدت فيه الدول المجاورة مبكرًا وبدأت فعليًا في استخدام اللقاح على نطاق واسع بين مواطنيها، وهو ما تم توثيقه بالصوت والصورة، لا تزال وزارة الصحة المصرية تتفاوض من أجل الحصول على اللقاح، ما يعني تكذيب الروايات السابقة التي كان من الواضح أن هدفها تهدئة الرأي العام ومحاولة استعادة الثقة في أداء النظام في إدارة تلك الأزمة.

وسجلت 1309 حالات إصابة جديدة بفيروس كورونا أمس الأحد 3 من يناير/كانون الثاني 2020 بجانب 64 حالة وفاة، ليصل العدد الإجمالي للإصابات 142187 حالة من ضمنهم 113898 حالة تم شفاؤها، و7805 حالات وفاة، بحسب البيان اليومي لمستشار وزيرة الصحة والسكان لشؤون الإعلام والمتحدث الرسمي للوزارة.

وفي المحصلة يحيا المصريون هذه الأيام حالة من الهلع حيال تفاقم الأعداد - الواقعية وليست الرسمية - بصورة لم تشهدها الموجة الأولى من الوباء، ليجد الملايين أنفسهم بين مطرقة الفشل الحكومي الواضح في التعامل مع الأزمة في ظل نقص الإمكانات والخدمات المقدمة وسندان التداعيات المعيشية الكارثية حال اللجوء للتعافي المنزلي.