لم تستطع الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية في الجزائر، التي انطلقت قبل أسبوع، استقطاب عدد كبير من المواطنين، وبعث نقاش جاد بشأن الحياة السياسية ومستقبل البلاد حتى الآن، حتى إن تمكنت بعض الأحزاب، خاصة الإسلامية منها بسبب مواقفها من بعض الملفات وموقعها في البرلمان المقبل من لفت الانتباه، وكذا الأحزاب المحسوبة على الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة التي تحاول بكل الطرق تجديد صورتها.

وتعد الانتخابات البرلمانية المقبلة المقررة في 12 يونيو/ حزيران ذات أهمية كبيرة لمستقبل البلاد، بما أنها أول استحقاق تشريعي بعد حراك 22 فبراير/ شباط 2019، والذي لا يزال جزء منه في الشارع ويعارض تنظيم هذه التشريعات.

عدم اهتمام

لا تلفت الحملة الانتخابية للتشريعيات حتى الآن الانتباه بشكل كبير مقارنة بالسنوات الماضية، فالتجمعات الشعبية للأحزاب السياسية لا تعرف حضورًا كبيرًا لمناضلي الأحزاب أو حتى الفضوليين بسبب تطليق أغلب الجزائريين لكل ما هو سياسي، جراء ما حدث في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، الذي حرص نظامه طيلة 20 سنة على تهجين وتسطيح العمل البرلماني.

وإن كانت التدابير الوقائية المتعلقة بفيروس كورونا التي تضمّنها البروتوكول الصحي الخاص بالحملة الانتخابية، قد قلل من عدد المشاركين في الحملة الانتخابية، إلا أن ذلك لا ينفي أن الانقسام واقع في الشارع الجزائري بين مؤيد للمسيرات الأسبوعية الرافضة لكل مشروع سياسي للسلطة، وقابل لبرنامج الحكومة على مضض، ومقاطع لكل ما هو سياسي.

أعلن رئيس جبهة العدالة والتنمية عبد الله جاب الله أن حزبه سيكون في الحكومة المقبلة، إذا ما استطاع تحقيق الأغلبية البرلمانية.

وفي الميدان، غابت الملصقات الإشهارية الخاصة بالمرشحين في بعض البلديات، فيما تعرضت بعضها للتمزيق من قبل المواطنين الرافضين للأسماء المرشحة.

كما غابت أيضًا التجمعات الحاشدة التي كانت تعرفها لقاءات الأحزاب التي كانت توصف إلى وقت قريب بالكبيرة، بالنظر إلى الإجراءات المشددة التي تضمنها قانون الانتخابات المتصدي لإشراك الإدارة والمال في العملية السياسية، ما حرم أحزاب السلطة السابقة من استعمال مؤسسات الدولة وتجنيد عمال المؤسسات الحكومية لحضور مهرجاناتها الانتخابية.

وفي مقابل الغياب الميداني، وجد بعض المرشحين، خاصة الشباب منهم والمنضوين تحت قوائم مستقلة، في مواقع التواصل الاجتماعي الملاذ للترويج لأنفسهم واستهداف الناخبين، خاصة من الفئات الشابة، لكن هذا الحضور سواء الميداني أو الافتراضي يبقى مفتقدًا في أغلب الأوقات لبرامج انتخابية حقيقية.

تحوُّل

تعرف الانتخابات التشريعية المقبلة مشاركة لجميع الأحزاب الإسلامية المعتمدة، والتي توجد في موقع قد يسمح لها حصد مقاعد معتبرة في استحقاق 12 يونيو/ حزيران، بالنظر إلى أنها الأكثر تنظيمًا لعدم تأثرها بذهاب الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، مقارنة بمنافسيها من التشكيلات السياسية التي كانت تحكم البلاد في السنوات الـ 20 الماضية.

وتشارك في التشريعيات حركة مجتمع السلم "حمس"، أكبر حزب سياسي إسلامي في البلاد، وحركة البناء الوطني التي يقودها المرشح الرئاسي السابق عبد القادر بن قرينة، الذي يبدو في أحسن موقع لمنافسة حركته السابقة، إضافة إلى جبهة العدالة والتنمية وحركتَي الإصلاح والنهضة، وكلها محسوبة على جناح الإخوان المسلمين في الجزائر.

وبالنظر إلى الظروف التي تجري فيها هذه التشريعيات، فقد غيرت الأحزاب الإسلامية من بعض مواقفها، وفي مقدمتها "حمس" التي لم يتردد رئيسها عبد الرزاق مقري في إعلان استعداده لتولي رئاسة الحكومة المقبلة في حال فازت حركته بالأغلبية البرلمانية، وهو الذي كان وراء خروج حزبه من التحالف الرئاسي ومن الحكومة عام 2013 في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، رغم الانشقاقات التي خلّفها ذلك القرار في حزب الشيخ الراحل محفوظ نحناح.

وقال مقري للقناة الإذاعية الثالثة إنه مستعد لقيادة الحكومة القادمة في حال فاز حزبه بالانتخابات، ووافقت مؤسسات الحركة على ترشيحه للمنصب.

ما قد يقوض حلم التيار الإسلامي في تحقيق الأغلبية البرلمانية هو دخول أحزابه متفرقة، ما سيشتت الأصوات وتضيع مقاعده بين الأحزاب الخمسة المترشحة.

وأضاف مقري أن حزبه سيعمل على تشكيل حكومة توافق وطني، للقيام بإصلاحات شاملة في مختلف المجالات.

وبدوره، أعلن رئيس جبهة العدالة والتنمية عبد الله جاب الله أن حزبه سيكون في الحكومة المقبلة، إذا ما استطاع تحقيق الأغلبية البرلمانية.

وينص الدستور الجزائري الجديد الذي جرى بشأنه استفتاء في بداية نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، على أن رئيس الحكومة يكون من حزب الأغلبية البرلمانية، في حال ما استطاعت أي تشكيلة سياسية الفوز بأكثر من 51% من مقاعد البرلمان.

وتأمل الأحزاب الإسلامية في الجزائر الوصول إلى السلطة بعد حراك 22 شباط/ فبراير 2019، مثلما حدث مع نظرائها في دول المنطقة الأخرى بعد الربيع العربي، حتى إن كان الوضع مختلفًا، وتجربة الأحزاب الإسلامية الجزائرية مختلفة عما شهدته بلدان عربية ومسلمة.

وتقوم الأحزاب الإسلامية، خاصة "حمس" وحركة البناء الوطني بحملة انتخابية قوية، بالنظر إلى قاعدتهما النضالية المعروفة والمتسمة بالوفاء للفكر المنتمية إليه، وهو ما يجعل فرص نجاحها في الانتخابات المقبلة ممكنة في حال وفت السلطة بتعهداتها، وضمنت إجراء اقتراع نزيه وشفاف.

غير أن ما قد يقوض حلم التيار الإسلامي في تحقيق الأغلبية البرلمانية هو دخول أحزابه متفرقة، ما سيشتت الأصوات وتضيع مقاعده بين الأحزاب الخمسة المترشحة، فتستفيد منها التيارات المنافسة.

إعادة بعث

على عكس أحزاب التيار الإسلامي، يجد حزب جبهة التحرير الوطني "الإفلان" الذي حكم البلاد لعشرات السنوات، آخرها عبر رئيسه عبد العزيز بوتفليقة الذي أسقط الجزائريون ترشحه لولاية رئاسية خامسة، في وضع لا يحسد عليه رفقة الأحزاب التي كانت محسوبة على الرئيس السابق، ممثلة في التجمع الوطني الديمقراطي "الأرندي" وحزب تجمع أمل الجزائر "تاج".

ورفضت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات ترشح العديد من مناضلي حزب جبهة التحرير الوطني لعدة أسباب، منها التورط في قضايا فساد، ومس هذا الرفض حتى الأمين العام للحزب أبو الفضل بعجي، بسبب عدم تسوية وضعيته تجاه الخدمة الوطنية العسكرية.

إن اختلفت أو تطابقت أهداف المستقلين والإسلاميين مع غايات أحزاب بوتفليقة، فإن هاجسهم جميعًا يبقى إقناع أكبر عدد من الناخبين بالذهاب يوم التصويت إلى صناديق الاقتراع.

ورغم الماضي المخزي لجبهة التحرير الوطني في عهد بوتفليقة، الذي أساء للتاريخ التحرري ضد الاستعمار للحزب العتيد، فإن بعجي يراهن على أن يحتفظ حزبه بصدارة المقاعد على مستوى البرلمان.

وقال بعجي في لقاء انتخابي نظمه بولاية المدية وسط البلاد، إن حزب جبهة التحرير الوطني "لن يقبل بالتنازل عن موقعه في الساحة السياسية ويرفض شغل الخطوط الخلفية والتخلي عن الريادة، وسيعمل على الحفاظ على موقعه كأول قوة سياسية في البلاد، وفرض نفسه من جديد".

ورغم التصدعات التي ضربت حزب جبهة التحرير الوطني، إلا أن امتلاكه لتجربة في المنافسات الانتخابية، ولقاعدة شعبية تصوت للحزب بسبب ماضيه التحرري، ولإمكانات مالية معتبرة؛ تجعل منه قادرًا على حصد مقاعد معتبرة في البرلمان. خاصة أن أغلب المعارضين الأشداء له سيقاطعون الانتخابات، فيما يمتلك هو قاعدة انتخابية تعودت على المشاركة في الاقتراع مهما كانت الظروف والأسباب.

أما التجمع الوطني الديمقراطي الذي أدين أمينه العام السابق أحمد أويحيى، الذي كان وزيرًا أولًا في عهد بوتفليقة، بالحبس النافذ لتورطه في قضايا فساد، فقد بقي أمينه العام الجديد الطيب زيتوني الذي كان من أشد خصوم أويحيى، وفيًّا لتقاليد حزب الإدارة السابقة بالعزف على وتر الأمن واستقرار البلاد وحمايتها من خطر التقسيم والمؤامرات الخارجية.

وقال زيتوني في تجمع شعبي بولاية باتنة شرق البلاد: "كما صان الجزائر وجعلها تصمد وتنتصر في فترة التسعينيات، فإن التيار الوطني مدعو اليوم قبل أي وقت مضى للمساهمة في الحفاظ على الجزائر ويبقى الضامن والآمن والمحور الأساسي في وحدة واستقرار البلاد والجمهورية الجزائرية بوحدة شعبها وترابها".

واستفاد التجمع الوطني الديمقراطي لسنوات من وجوده في السلطة بمنحه مسبقًا مقاعد في مختلف الانتخابات، سواء التشريعية أو المحلية، باعتباره كان حزب الإدارة الذي يضمن تمرير مشاريع السلطة مهما كانت توجهاتها وأهدافها.

فقد ارتبط اسمه في الساحة السياسية الجزائرية في كثير من المرات بالتزوير والوصول إلى المجالس المنتخبة بطرق غير مشروعة، وهو ما يجعل أي محاولة لتبييض صورته مهمة صعبة على الأمين العام الحالي، حتى لو كانت نوايا الحزب في إحداث القطيعة مع الممارسات السابقة صادقة.

وإن اختلفت أو تطابقت أهداف المستقلين والإسلاميين مع غايات أحزاب بوتفليقة، فإن هاجسهم جميعًا يبقى إقناع أكبر عدد من الناخبين بالذهاب يوم التصويت إلى صناديق الاقتراع، لإعطاء أكبر شرعية للهيئة التشريعية المقبلة رغم مقاطعة التيار العلماني لهذا الاستحقاق، ورفض جزء من الحراك الشعبي المتمسك بمسيراته الأسبوعية لكل خطوات سياسية تقدمها السلطة، حتى إن لم يقدم بديلًا حقيقيًّا حتى اليوم.