ترجمة وتحرير نون بوست

لطالما نجح ملك المغرب في الحفاظ على موازين الأمور لصالحه. فهو يحكم البلد فعليًا ولكنه يحمي نفسه من النقد بتصوير نفسه كعابر ومتجاوز لعالم السياسة، وكان القصر المغربي دومًا قادرًا على الحفاظ على هذا التوازن بالإبقاء على الحق في اختيار شخص رئيس الوزراء لضمان ولاء الحكومة للملك وقيامها بتنفيذ سياساته. لكن الإصلاحات التي تمت استجابة لآثار الربيع العربي، والتي فرضت على الملك أن يختار شخص رئيس الوزراء من أكبر حزب بالبرلمان — ما ظنه كثيرون تنازلًا صغيرًا آنذاك — يتسبب الآن في تحولات لم تكن تخطر ببال أحد في المنظومة السياسية المغربية. بشكل أساسي، سمحت هذه الإصلاحات لحزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم بوضع القصر بشكل متزايد تحت المساءلة السياسية.

  باعتباره أول رئيس وزراء للمغرب يتقلد المنصب على أساس فوز حزبه الانتخابي، يتزايد عدم قبول عبد الإله بنكيران لدور كبش فداء القصر التقليدي الذي طالما قام به صاحب المنصب. فقد صرّح مرات عديدة بعلاقته المشحونة بالقصر، وكان صريحًا في حديثه عن سلطات الملك المتجاوزة، ومحدودية قدرته كرئيس للوزراء على تنفيذ الإصلاحات. يصرّح بنكيران مرة تلو الأخرى أنه لا يمكن مسائلته عما يحدث في البلاد، لأن الملك هو من يحكم فعليًا، وفي مقابلة صحفية عام ٢٠١٣ مع صحيفة لوموند الفرنسية، أعلن أنه سيتقدمّ باستقالته إذا لم تجري الأمور كما ينبغي مع الملك. لا يعد هذا ثوريًا بأي شكل، ولكن موظفي الملك لا يهددون بالاستقالة في العادة، إذ يُنظَر لذلك على أنه ضغط على الملك.

نتيجة لذلك، بدأ خطاب جديد يسري في المجال العام المغربي، وهو خطاب لا يزال بعيدًا عن النقد الصريح للملك، ولكنه يشير بوضوح لمن يقع عليه اللوم والمسؤولية فيما يخص مشاكل البلاد. على سبيل المثال، في حوار متلفز بين أعضاء حزب العدالة والتنمية الحاكم وقادة المعارضة، اندفع عضو من الحزب دفاعًا عن الحكومة في وجه ناقديها مذكرًا الجميع بأن الحكومة ليست سوى حكومة جلالة الملك، في حين رد سياسي المعارضة بأن المعارضة أيضًا هي معارضة جلالته! بعبارة أخرى، الملك هو من يتحكم في الحكومة والمعارضة. لم يكن هذا يُقال في السابق في العلن بهذا الشكل، خاصة في التلفاز. في الواقع، وبهذا الخطاب الجديد، يضمن بنكيران أن يُنظر للملك بين العامة باعتباره لاعب سياسي — والعائلة المالكة باعتبارها مؤسسة سياسية — وهو أمر لا يريح القصر مطلقًا.

وُلِدَت استراتيجية بنكيران هذه كرد فعل لحقيقتَين على الأرض. أولًا، وعيه هو وحزبه مبكرًا بأن الإصلاحات الدستورية التي تمت عام ٢٠١١، وإن لم تعطي الحكومة بالضرورة القوة المباشرة، إلا أنها تعطيه وحلفاءه مساحة نسبية للتفاعل السياسي. وقد تعزز هذا بفضل أنماط جديدة. أولًا، إبان تظاهرات ٢٠١١ والإصلاحات التي تلتها، تزايد اهتمام المغاربة بالسياسة، وثانيًا، ونتيجة للتفاعل الأوسع، أصبح هناك مطلب عام بمساءلة من يحكمون البلاد. أخيرًا، صعود رئيس الوزراء من الحزب الأكبر كان يعني بأن القصر أصبح فجأة مدينًا للناس، وبالتالي أكثر تسامحًا مع تصرفات بنكيران. يعوّل بنكيران على هذه الأنماط الجديدة، ولكنه يشير في نفس الوقت بوضوح إلى أنه ليس هو من يحكم.

يعي حزب العدالة والتنمية أيضًا أنه إذا ما استمر القصر يحلّق فوق السياسة، دون أن يدرك الناس أسباب عدم قدرة الحزب على تحقيق أهدافه، فإنهم سيديرون ظهورهم للحزب مع الوقت. ولكن إذا دخل القصر المعادلة السياسية، فسيصُب هذا في صالح الحزب.

بنكيران وحزبه سياسيون فعّالون، وأجندة الحزب تتمتع بشعبية كبيرة لدى المغاربة. بالنسبة للقصر، أكثر ما يثير القلق في أجندة الحزب هو خططه لإصلاح ميزانية الدعم، إذ يهدف الحزب لخفض الدعم الحالي تدريجيًا. فرُغم أنه يهدف رسميًا لخفض تكاليف المعيشة لكافة المغاربة، إلا أن الدعم يخدم بالأساس الطبقات الوسطى والعُليا لأن معظم الفقراء لا يملكون الاستفادة منه إذ يغطي الوقود بشكل أساسي. تستفيد العديد من الشركات المملوكة لحلفاء القصر من هذا الدعم السخي، والذي وصلت قيمته عام ٢٠١٣ لستة مليارات دولار، ويطمح الحزب لاستبداله بدعم نقدي مباشر للعائلات الأكثر فقرًا. إذا ما نجح في ذلك، سيكون العدالة والتنمية نصير الفقراء الأول، وسيقوّض واحدة من أهم قواعد شرعية الملكية في المغرب.

كل ذلك يضع الملكية في موقع صعب، والتي يقع على عاتقها الآن صياغة رد فعل فعّال. حاول القصر مرارًا إحراج العدالة والتنمية عن طريق حلفائه في البرلمان والحكومة، وتهميش بنكيران بتعطيل التشريع وإثارة القلق بين أعضاء الائتلاف الحاكم. ولكن هذا النهج في الواقع يؤكد على تصريحات بنكيران بأن القصر مسيَّس، وبالتالي يزيد سوءًا من وضع الملك.

حاول القصر أيضًا إعادة هيمنته على مؤسسات الدولة الهامة التي بدأت تنفلت من بين أيديه بعد الإصلاحات الدستورية. على سبيل المثال، وزارة الداخلية الأقوى في البلاد، والتي طالما قادها وملأ صفوفها موالون للقصر، بدا أنها تبتعد رويدًا عن القصر عام ٢٠١٣، حين رفض وزير الداخلية آنذاك، محند العنصر، تحمل مسؤولية قمع التظاهرات التي اندلعت احتجاجًا على العفو الملكي الصادر في يوليو بحق الإسباني دانييل جالبان، المتهّم بالاعتداء على الأطفال. فور مرور هذه العاصفة، تم استبداله بموال أشد للقصر. غير أن الانتقادات تتزايد بوجه الوزارة بتزايد رغبتها ومحاولتها السيطرة على تلك المساحة الصغيرة التي كفلتها إصلاحات ٢٠١١. بدوره، لا يتوانى حزب العدالة والتنمية عن رفع صوته بوجه هذا “التراجع”، وبشأن محاولات الوزارة قمع مجموعات المجتمع المدني.

بالتزامن مع كل ذلك، عاد القصر إلى حيله القديمة للحفاظ على موقعه. فقام مؤخرًا بحملة قمع موجهة ضد من ينتقدون الملكية في المغرب، وشمل ذلك الصحفي علي أنوزلا، والذي تمادى كثيرًا في نقده، حيث أشار لثروة الملك المتزايدة مقارنة بالفقر ومعدلات البطالة اللذين يعاني منهما الكثير من المغاربة. الشارع المغربي الآن أكثر وعيًا بأمور السياسة، وأكثر اهتمامًا بالمشاركة، وهو ما يعد مشكلة للحكومة.

في مغرب ما بعد ٢٠١١، يمكن بسهولة لردود فعل القصر أن تأتي بنتائج عكسية، وذلك لأن بنكيران وحزبه يعرفان كيف يديران اللعبة جيدًا. إذ استفادا من الانفتاح السياسي الصغير لزعزعة التوازن الدقيق الذي استندت له الملكية في المغرب. في النهاية، لا يسعى بنكيران للوصول للسلطة الكاملة، ولكن لفرض المساءلة على من يحكم بالفعل شؤون البلاد، وهو الملك. هذا التحوّل السياسي الذي يجري الآن سيكون أعظم ما قدمه حزب العدالة والتنمية للسياسة المغربية.

المصدر: فورين آفيرز