لو أن في الضفة الغربية المحتلة بحر، ما كان ليكون كافيًا لغسل العار عن يد السلطة الفلسطينية المتورِّطة في دماء الفلسطينيين. اغتيال منظَّم يشبه أعمال العصابات واعتقالات سياسية، تنفّذهما الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة بموافقة ضمنية منها ترفع السقف عاليًا فوق اعتداءات وترهيب، لا يشرعنهما إلا نظام عسكري.

بدأ الفصل الأسود الجديد بأرشيف السلطة بالضفة، مع اغتيال الناشط السياسي والمعارض اللاذع نزار بنات بطريقة وحشية وصادمة، نهاية الشهر الماضي، وتستمرّ حلقاته مع موجة القمع المتواصلة ضد المسيرات والاحتجاجات على جريمة الاغتيال، بالتوازي مع حملات الاعتقال الواسعة في صفوف الناشطين والمسؤولين والصحفيين، في سياسة تفضح حجم المأزق السياسي والأخلاقي للسلطة التي دائمًا ما تترك الباب مواربًا على الاحتلال، لتدخل منه لاحقًا بما لم يستطع نيله بنفسه. 

والعجيب أن السلطة التي كبّلت يدَيها باتفاقية أوسلو قبل عقود على وهم حلّ الدولتَين، ثم لم تنجح في إقامة دولتها، والسلطة التي تمسكت بالمبادرة العربية، ثم لم تنجح مرةً أخرى في إقامة دولة متقزِّمة على حدود عام 67، هذه السلطة نفسها الغارقة في الفشل السياسي إلى منكبيها، والمستثناة من صفقات مهندسي التسوية الجُدد؛ تستنسخ حكمًا عسكريًّا في الضفة الغربية المحتلة على غرار الحكومات العربية الديكتاتورية، كما لو أنها تملك أمر نفسها وحدود دولتها وجيشًا نظاميًّا. فمشهد القمع النمطي يكاد يكتمل في الضفة لولا غياب الكلاب البوليسية وفرق الخيالة. 

فساد أكثر، قمع أكثر

فشلت السلطة في انتزاع الحق بإقامة الدولة الفلسطينية، على الرغم من تاريخ طويل خاضته في عملية المفاوضات، وفشلت في إعادة ترتيب البيت الفلسطيني، ورسبت في استحقاقات وطنية كثيرة، وبدلًا من ذلك كله أنشأت جهازًا أمنيًّا قمعيًّا لا ينذر عدده وعتاده بانضباط سلوكه العسكري والبوليسي أو توقفه.

وفي هذا الشأن، يقول الكاتب والمحلل السياسي وعضو التجمع الديمقراطي عمر عساف، لموقعنا "نون بوست"، بعد الإفراج عنه من سجون السلطة على خلفية الاعتقالات المتواصلة: "مع أن الشعب الفلسطيني لا يحتاج لأكثر من جهاز شرطة قوي وجهاز آخر ذو صلة بالمخابرات، فقد جرى تضخيم أعداد الأجهزة الأمنية البيروقراطية لتكون أداة قمع، خاصة بعد وصول محمود عباس إلى السلطة، حيث حلَّ كتائب شهداء الأقصى ودمجها في الأجهزة الأمنية، وحلَّ اللجنة العلمية، إحدى الهيئات ذات الصلة بتطوير الأسلحة، وأقرَّ التقاعد المبكِّر للعرفاتيين المحسوبين على الشهيد أبو عمار، والذين سبق لهم مقاومة الاحتلال، ما يقود الى تعميق الالتزام بالتنسيق الأمني من جهة وقمع أية معارضة ضد سياسات محمود عباس".

تثير انتهاكات الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية المحتلة علامات استفهام حول مصير السلطة، وعمّا إذ تتآكل داخليًّا جراء سياسة القمع البوليسي أم أن ذلك يمدها بأسباب الحياة. 

ويضيف عساف: "في ظل تراجع دور وصحّة عباس، فإن السلطة تؤول لمن حوله، ومنهم قادة الأجهزة الذين يحاول كل منهم استعراض دوره، ما يزيد التوتُّر الأمني ويؤدي إلى استشراء الفساد والفقر وصولًا إلى ما سماه جلال أمين الدولة الرخوة، وهذا يقلِّل من إمكانات تراجع القمع، إذ ينتشر الفساد وتزداد الحاجة إلى حماية الفاسدين". 

البقاء الهشّ أم السقوط المدوي؟

تثير انتهاكات الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية المحتلة علامات استفهام حول مصير السلطة، وعما إذ تتآكل داخليًّا جراء سياسة القمع البوليسي أم أن ذلك يمدّها بأسباب الحياة. 

ويوضِّح الكاتب والمحلل السياسي عمر عساف، أن "الممارسات البوليسية تأتي بجانب منها في إطار التنافس على خلافة محمود عباس الذي أصبح عاجزًا عن الإمساك بزمام الأمور، ويكاد يكون حاله اليوم كحال الرئيس بوتفليقة في أيامه الاخيرة. ففي آخر التسريبات المتداولة، كان عباس يعتزم إقالة محافظ الخليل جبريل البكري على خلفية مقتل نزار بنات في محاولة لتخفيف الاحتقان، لكن رئيس جهاز المخابرات اللواء ماجد فرج منعه من ذلك".

ويحذِّر عساف من أنه إذا صحّت أو صحّ جزء من الأخبار عن تخزين الأسلحة لدى الأجنحة المتنافسة على وراثة عباس، فإن رحيله المتوقّع في أية لحظة قد يقود إلى تفجُّر حرب الخلافة، ولذا فإنه كلما بقيَ محمود عباس في السلطة قد تتواصل سياسة القمع هذه، خصوصًا إذا اقترن ذلك بالتخبُّط الذي يشكّل السمة البارزة لهذه السياسة.

ويتابع عساف في حديثه عن مصير السلطة: "وفيما يخص إمكانية بقاء السلطة، فلا أعتقد أنها تتجاوز البقاء الهشّ المغطى بقشرة خفيفة تحاول إخفاء التناقضات الداخلية، كما لا أعتقد أن هذه التناقضات ممكن حلها".

ويكمل: "يبدو من تجارب الشعوب وحالات أجهزة القمع، أن أية إمكانية للبقاء ربما تستنسخ أشكالًا مشوَّهة للقمع، ولكن بداية العزلة والانهيار عادة لا تنتهي إلا بالسقوط المدوي، وفي حالتنا الفلسطينية قد يحاول البعض تجنُّب الفوضى العارمة وجعل هذا السقوط منظَّمًا".

عسكرة السلطة بوجه الصوت والصورة

يسود في الضفة الغربية المحتلة قمع مركّب، لا يطال المعارضين وأصحاب الكلمة الحرة فقط، وإنما كل من ينقل الحدث ويصوِّب عدسة الكاميرا على مشهد معقّد؛ يؤكد تارةً تجاوز الأجهزة الأمنية الخطوط الحمراء علنًا دون الخوف من فضيحة، ويُظهر طورًا حرص تلك الأجهزة على حرق كل دليل على جرائمها، وإن تطلّب الأمر نوبة جنونية من سحل الصحفيين والاعتداء عليهم بالهراوات وغاز الفلفل واعتقالهم، أو الاستيلاء على هواتف الصحفيات ونشر صورهن الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي.

لم تتعلم السلطة الفلسطينية الدرس بعد، وفي طريقها إلى الاستئثار بموقع الحكم، تزرع ألغامًا ربما تنفجر لاحقًا في وجهها.

يجري هذا كله فيما تحاول الحكومة الفلسطينية تلميع الصورة التي تبدو مغايرة تمامًا في الواقع. ففي حديث لموقع "نون بوست"، أكد عضو الأمانة العامة في نقابة الصحفيين الفلسطينيين، عمر نزال، أنه "في اليوم نفسه الذي قدّم فيه رئيس الحكومة محمد اشتية ما يشبه الاعتذار إلى الصحفيين، اعتدت الأجهزة الأمنية على عدد من المواطنين بينهم 7 صحفيين، نُقل منهم 2 إلى المستشفى جراء الضرب المبرح في الشارع وفي مركز شرطة رام الله، بينهما أسيرة محررة".

يرفض الجسم الصحفي هذه الممارسات العسكرية بطبيعة الحال، ويتواصل مع الهيئة التنفيذية للاتحاد الدولي للصحفيين، ويحصل على بيانات داعمة، وفقًا لعمر نزال، الذي يقول في سياق متصل: "اللجوء إلى القضاء الدولي موضوع له حساسية عالية في الشارع الفلسطيني، يصنَّف على أنه استقواء أو استعانة بأطراف خارجية، وبالتالي لن نلجأ لهذه المسائل في الفترة الحالية، لأننا بموازاة ذلك لجأنا إلى المحاكم الدولية في تقديم شكاوى ضد قادة وجنود الاحتلال على خلفية استشهاد عدد من الصحفيين الفلسطينيين، ولن نوازي بين هذا وذاك مهما كانت حدّة الاعتداءات، لإيماننا بقدرة نضالنا النقابي على وضع حد لها ولو جزئيًّا". 

جمر القمع يهدِّد الضفة بالانفجار

لم تتعلم السلطة الفلسطينية الدرس بعد، وفي طريقها إلى الاستئثار بموقع الحكم، تزرع ألغامًا ربما تنفجر لاحقًا في وجهها.

إنه سيناريو محتمَل بالنظر إلى نسق الحماقات والسقطات المتتالية، من قمع الحريات ورفع سلاح الاغتيال السياسي في وجه المعارضين، إلى تفشّي الفساد، وأحدث أشكاله صفقة اللقاحات، إلى التقاعس عن تحمُّل المسؤوليات تجاه جرائم الاستيطان في الضفة، إلى تأجيل الانتخابات، والخروج المتكرِّر من عباءة الإجماع الوطني، وتجاهل مقررات مؤتمر الأمناء العاميين الخاصة بإجراء إصلاحات في منظمة التحرير على قاعدة الوحدة والمشاركة، والمماطلة في تنفيذ مقررات المجلس المركزي، وعلى رأسها التحلُّل من اتفاقية أوسلو ووقف التنسيق الأمني.

وتكرُّ سبحة النظام العسكري، ربما لتستنفد الضفة الغربية المحتلة أعذارها السبعين، وتتحضّر لفاتورة باهظة تدفعها قوى التغيير، على وقع مصير مجهول لا يُستبعَد أن يكون هو الانفجار.