أعاد الانقلاب العسكري في مصر منذ أكثر من عام، وبوركينا فاسو منذ أيام قليلة، إلى الأذهان عصر الانقلابات العسكرية في القارة السمراء، والتي حاولت قوى أفريقية مرارًا حصار هذه الظاهرة السياسية، التي حالت بين عملية التحول الديمقراطي في غالبية دول القارة، وأجهضت مشاريع التدوال السلمي للسلطة بعد عصور من الدموية التي تسبب فيها دخول السلاح في النزاعات السياسية.

فقد شهدت القارة الأفريقية أكثر من 186 انقلابًا عسكريًا منذ حصول أغلب الدول الأفريقية على استقلالها في بداية الستينات، ويمكن القول أيضًا بلغة الأرقام أن ما بين فترة 1966 إلى 1976 وقعت أكثر من مائة محاولة انقلاب عسكري ما بين الفاشلة والناجحة.

حيث إن أغلب الدولة الأفريقية العربية منها وغير العربية بدأت تجربة الاستقلال بانقلاب عسكري، كما حدث في مصر وليبيا والجزائر والسودان والصومال وزئير (الكونغو الديمقراطية حاليًا) وغيرهم من أغلب الدول الأفريقية.

قامت هذه النخب العسكرية التي استولت على الحكم في البلدان الأفريقية بتوجيه بوصلة السلطة والحكم في البلاد نحو معسكرات القوى العالمية، في تبعية واضحة لمصالح هذه القوى، سواء كانت الشرقية منها أو الغربية، بل وسارت بعض البلدان على خطى مستعمريها بعد أن تم الاستقلال الشكلي، كما حدث من تدخلات فرنسية في ضبط إيقاع الحكم في بعض الدول التي تركتها بعد استقلالها حتى الآن.

ففي موريتانيا على سبيل المثال لا الحصر قام أكثر من 16 انقلاب عسكري منذ استقلالها في ستينيات القرن الماضي، حتى تسلمت السلطة في البلاد حكومة ديمقراطية بانتخابات نزيهة هي الأولى في تاريخ البلاد بعد انقلاب عام 1984، لكن سرعان ما تم الانقلاب على الحكومة المنتخبة بعد صعود رئيس المجلس العسكري الموريتاني إلى السلطة من خلال انقلاب عسكري على رئيس الحكومة المنتخبة "سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله".

وقد قامت وكالة الأناضول  بعمل حصر بعدد الرؤساء الأفارقة الذين غادروا البلاد بعد الإطاحة بهم من الحكم بثورات أو انقلابات عسكرية وما زالو على قيد الحياة في دول أخرى كدليل على تقلبات نظم الحكم الأفريقية السريعة في العقود الأخيرة: وهم التونسي "زين العابدين بن علي" هرب بعد ثورة شعبية أطاحت به، التشادي "حيسان هابري" خرج إلى السنغال بعد انقلاب عسكري عام 1990، الغيني "موسى كامارا" ترك الحكم بعد محاولة اغتيال فاشلة، المالي "أدامو توري" الذي أطاحت به مجموعة من الضباط في الجيش فاضطر للخروج إلى السنغال، الموريتاني "معاوية ولد سيد أحمد الطايع" الذي تم الانقلاب عليه عام 2005 ومُنح اللجوء السياسي في قطر بعدها، "فرانسو بو زيزي" رئيس أفريقيا الوسطى السابق المقيم بالكاميرون، "ميشال دجوتوديا" الذي أطاح بحكم فرانسو بو زيزي اضطر إلى ترك الحكم في أفريقيا الوسطى بعد ضغوطات دولية والخروج إلى بنين، الكونغولي "باسكال ليزوبا" الذي أطيح به عقب الحرب الأهلية في الكونغو ويعيش في باريس حاليًا، الإثيوبي "مينجيتسو هايل ماريام" الذي سقط بعد انفصال أريتريا ويعيش الآن في زيمبابوي، كذلك الأخير البوركيني "بليز كمباوري" الذي أطاح به الجيش منذ أيام بعد ضغوطات شعبية واتجه إلى كوت ديفوار.

هكذا يتضح أن تغيير الحكومات في أفريقيا لم يكن بالشيء الصعب، بل كان الخيار الأسهل دائمًا للعسكريين، ولكن كانت تكلفته كبيرة جدًا على الشعوب الأفريقية.

وأما بالرجوع إلى الأثر الاقتصادي على الدول الأفريقية فقد كانت تعمل الانقلابات على تطويع الثروات الأفريقية لصالح القوى الاستعمارية القديمة، فقد قام الانقلاب في الكونغو بعد محاولات للتخلص من الهيمنة البلجيكية على ثروات البلاد من الماس والذهب واليورانيوم، فتم الانقلاب على رئيس الوزراء آنذاك "باتريس لومبامبا" من قبل جنرال يدعى "موبوتو سيسكو" الذي سمح للشركات المتعددة الجنسيات بالسيطرة على اقتصاد الكونغو كليًا وجزئيًا.

ومما خلفته الانقلابات أيضًا على القارة الأفريقية ملايين القتلى من البشر، على يد مليشيات ومرتزقة القتال أثناء النزاعات على السلطة والانقلابات العسكرية، فيذكر على سبيل المثال أنه قُتل أكثر من مليون شخص في روندا وحدها في تصفيات عرقية ودينية عام 1994 على يد مليشيات الهوتو التي استولت على السلطة في ذلك الوقت.

كذلك كانت الجزائر حاضرة في الصراعات الدموية بعد انقلاب الجيش على حكومة جبهة الإنقاذ بالجزائر؛ مما أدى لمقتل أكثر من 200 ألف جزائري جراء الاقتتال الذي حدث بعد الانقلاب.

وقد ذكرت تقارير غربية نشرت في صحف عالمية عدة، أن ما يقارب 10 ملايين إنسان قد قتلوا جراء النزاعات المسلحة في أفريقيا على السلطة، كذلك تم تشريد أكثر من 40 مليون لاجئ من بلدان مختلفة بسبب المذابح التي أُقيمت عقب كل الانقلابات العسكرية.

كما تصدرت الدول الأفريقية قائمة أكثر 60 دولة فقرًا في العالم بعد حالات التدهور الاقتصادي التي ضربت بلدان أفريقيا؛ ما ترتب عليه مجاعات أصابت أكثر من 50 مليون شخص من الشعوب الأفريقية وانخفاض مستوى التنمية الاقتصادية إلى أقل من 1%،  بحسب دراسات أقامها مركز استنافورد للدراسات في واشنطن.

وعن مسئولية ما يحدث في هذه القارة كانت أجهزة الاستخبارات لقوى إقليمية وعالمية تقوم بأعمالها في دول كدول القارة الأفريقية؛ ما ساعد على تمزق هذه الدول لدويلات خدمة لمصالح إقليمية اقتصادية، فقد اتخذت بلدان كبرى كفرنسا دول أفريقيا التي كانت تحت استعمارها في السابق كسوق اقتصادية؛ ما أدى إلى خضوع معظم هذه الدول للضغوطات التي تمارسها القوى الاستعمارية.

وعلى سيبل المثال أيضًا ما حدث من تدخل أمريكي في الصومال بتسعينيات القرن الماضي، بذريعة تهدئة الأوضاع وفي الحقيقة هو انتصار لأحد الأطراف المتنازعة مما يعني استحالة إنهاء الصراع فيما بعد.
 
كذلك الحرص على الرواج في سوق السلاح، حيث إن دول أفريقيا هي الأكثر استهلاكًا للأسلحة في نزاعتها السياسية والعرقية والقبلية؛ مما جعل اشتعال الصراعات في هذه المناطق واجبًا لدى الدول وبعض سماسرة الحروب من أجل الاستمرار في المكاسب الاقتصادية على حساب هذه الحروب.

وفي تفسير لا يحمل المؤامرة وفقط، يشير بعض الباحثين في الشئون الأفريقية إلى أن النزاعات القبلية والعرقية والدينية لها نصيب أكبر فيما وصلت إليه هذه الدول، دون تحميل قوى خارجية المسئولية فحسب وذلك دون إغفال رغبة قوى العالم الأول في بقاء الصراع على ما هو عليه استثمارًا في ثروات أغنى قارات العالم من الثروات الطبيعية.

حيث تنتج أفريقيا 75% من مادة الكوبالت في العالم وأكثر من 50% من الذهب والماس والبلاتنيوم، كما يقدر احتياطي الفحم في أفريقيا بأكثر من 80 مليون طن.

كذلك احتياطي القارة من المعادن الأخرى والغاز الطبيعي والنفط جعلها محط أنظار قوى عالمية، بالإضافة لضعف بنيتها في الحكم؛ سهل عملية الانقلابات العسكرية بالمباركات الخارجية، حيث إن الولاءات للقبيلة والعرق والتكتلات جعلت عمليات الصراع أكثر تعقيدًا وأسهل اختراقًا.

محاولات للحد من ظاهرة الانقلابات في أفريقيا

وقع على عاتق الاتحاد الأفريقي مسئولية الحد من هذه الظاهرة التي عصفت بالقارة، هذا الاتحاد الذي يضم 53 دولة، فقد بُذلت مجهودات في هذا الصدد كانت واضحة حين غير الاتحاد مكان قمته من مدغشقر إلى ليبيا في عام 2009 بعد الانقلاب العسكري الذي حدث في مدغشقر؛ مما أدى إلى تعليق عضويتها كما حدث نفس الشيء في انقلاب غينيا وموريتانيا.

كذلك من أجل وضع نهاية لهذه الثقافة المتجذرة في القارة، قامت مجموعة (إيكواس) المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، بفرض عقوبات اقتصادية على الدول التي يحدث بها انقلابات عسكرية، بالاشتراك مع مجموعة تنمية اقتصاد الجنوب الأفريقي (سادك) والاتحاد الأفريقي، وقد تم تطبيق هذا على الدول الثلاث آنذاك مدغشقر وموريتانيا وغنيا.

أسفرت هذه المحاولات إلى تطور في السياسية الأفريقية ونظم الحكم في العقد الأخير، أدت إلى أن تشهد القارة العديد من الانتخابات في السنوات الأخيرة كالتي حدثت في موريتانيا ومدغشقر وغينيا بيساو والصومال والنيجر وتوجو وساحل العاج وروندا وزيمبابوي والكاميرون وزامبيا خلال عامي 2009 و 201 مما يشكل تطورًا في العقلية السياسية الأفريقية.

ردة إلى الخلف

شكلت الانقلابات العسكرية التي حدثت في مصر في عام 2013 وبوركينا فاسو في 2014 ردة إلى عصر الانقلابات العسكرية، فبعد أن تهيأت القارة لنسيان عصور تدخل الجيوش بالسياسية، عادت من جديد لتشهد انقلابين في أقل من عامين؛ مما دق جرس الإنذار في شتى الدول الأفريقية والتي لا تتمتع باستقرار سياسي حتى هذه اللحظة.

فيما حمل بعض المحللين للشأن الأفريقي المسئولية للاتحاد الأفريقي الذي غض الطرف عن الانقلاب في أكبر دولة أفريقية كمصر، من حيث وزنها الإقيلمي والسياسي؛ مما يشجع على هذا السلوك في الدول الأقل وزنًا.

هذا وقد وقع انقلابًا عسكريًا في مصر في الثالث من يوليو في العام 2013 بعدما أطاح وزير الدفاع المصري آنذاك الجنرال "عبد الفتاح السيسي" بالرئيس المنتخب حينها "محمد مرسي" ووضعه في السجن.

فقد عقد مجلس السلم والأمن (PSC) التابع للاتحاد الأفريقى اجتماعًا طارئًا فى 5 يوليو، وقرر خلاله أن الإطاحة بالرئيس المنتخب ديمقراطيًا لا تتفق مع الأحكام ذات الصلة من الدستور المصري، ولذلك يعتبر هذا الإجراء تغييرًا غير دستورى للحكومة، وقرر المجلس تعليق مشاركة مصر فى أنشطة الاتحاد الأفريقى حتى استعادة النظام الدستوري.

كان هذا هو الموقف الأولي للاتحاد الأفريقي إزاء ما حدث في القاهرة، لكن ثمة تغير مفاجئ قد حدث تجاه الأزمة التي لم يتم حلها حتى الآن في القاهرة، فبعد عدة زيارات للجان روتينية شكلها الاتحاد الأفريقي لبحث الوضع في مصر وسبل لحل الأزمة، أتت بعد ذلك توصية من رئيس مجلس السلم والأمن الأفريقي "بول لولو بولس" بعدم إرسال بعثة أفريقية لمراقبة انتخابات الرئاسة المصرية والتي كان من بين مرشحيها الجنرال السيسي الفاعل الأول في الإجراءات الغير الدستورية التي تمت في الثالث من يوليو.

ولكن المفاجأة أتت برفع العقوبات عن مصر واستمرار نشاطها بالاتحاد الأفريقي وهو ما وصفه البعض بفتح لنافذة الانقلابات العسكرية في أفريقيا مغلفة بشكل ديكوري للانتخابات.

فسر البعض ذلك أن الاتحاد الأفريقي رضخ لضغوطات إقيليمة خليجية وعدت بفتح مجال أكبر للاستثمار في أفريقيا مقابل التغاضي عن الإجراءات المتخذة ضد مصر.

وهو ما قد يندم عليه الاتحاد الأفريقي فيما بعد، وقد ظهرت بوادره بالانقلاب العسكري الذي تم في دولة بوركينا فاسو، حيث أعرب الاتحاد الأفريقي عن قلقه بشأن الإجراءات التي تمت هناك من قبل الجيش، فقد أطيح برئيس بوركينا فاسو من قبل قائد الجيش بعد نيته تعديل الدستور للترشح لمدة رئاسية أخرى، ثم قام ضابط بالحرس الجمهوري بتنصيب نفسه رئيسًا للبلاد، رافضًا تولي رئيس الأركان للحكومة في مشهد يعيد إلى الأذهان عقود الانقلابات الأفريقية المتكررة؛ وهو ما يواجهه الاتحاد الأفريقي الآن بعد رضوخه للضغوطات الخارجية بتغيير موقفه من انقلاب الجيش في مصر، فلم يعلق الاتحاد الأفريقي عضوية بوركينا فاسو حتى الآن، رغم تشابه الموقف في مصر لكن حسابات أخرى تحسم الأمور في الاتحاد الأفريقي لم يعلن عنها بعد.