في أواخر الثمانينيات قدم جوزيف ناي عالم السياسة الأمريكي مصطلح القوة الناعمة للعالم في كتاب حمل نفس الاسم، حاول الرجل من خلاله إعادة نحت المنهج الميكافيلي لكن بتعريفات جديدة تمكن أمريكا من النجاح في فرض أسلوبها وحماية مصالحها خلال قيادتها للسياسة العالمية، دون الاعتماد على لغة القوة المسلحة وحدها.

لخص المصطلح الجديد معركة من نوع آخر، إذ يعتمد في النهاية على سيادة العقل الأمريكي على العالم، معتمدًا على تقدمه وإمكاناته الاقتصادية والسياسية، فالقوة الناعمة حسب ناي هي القدرة على التأثير في سلوك الآخرين لصالحك. 

في رحاب ميكافيلي

عاد عالم السياسة الأمريكي إلى مئات السنين للخلف، ذهب إلى ميكافيلي وسون تزو الفيلسوف العسكري الصيني الذي ألف كتابًا ليس أقل شهرة ولا مداورة في عالم السياسة "فن الحرب"، ولعب الرجل عكس بوصلة العالم القديم حتى يصل إلى أهدافه بطريقة أخرى.

صورة

من القوة الصلبة إلى القوة الناعمة ومن إكراه الناس إلى اللعب بحواسهم ومشاعرهم واحتياجاتهم لإجبارهم على اختيارهم اللعب لصالح أمريكا، وهو صلب المنهج الذي يسير عليه الآن الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي كشف عن رؤيته لإدارة الأزمة في أفغانستان والمنطقة، فبلاده يجب أن تبقى لكن بطريقة "أكثر ذكاءً". 

عصر جديد 

يعرف جو بايدن وإدارته أن الأخطاء الأمريكية التي ارتكبت طول العقود الماضية في الشرق الأوسط كلفت بلاده استعداء الكثيرين في جميع أنحاء العالم وليس المنطقة وحدها، فالوجود الأمريكي المكثف في أفغانستان ودول أخرى مثل العراق أهال التراب على سمعة الولايات المتحدة. 

فشلت الحملة العالمية التي قادتها أمريكا ضد الإرهاب، بعد أن تسببت في تدمير دولة كبرى مثل العراق، فضلًا عن الفشل الذريع في أفغانستان بدليل عودة طالبان للحكم بعد صراع استمر عقدين من الزمن فقدت خلالهما أمريكا مليارات لا حصر لها، وأرواح ومقدرات دولة وشعب جرى استباحته تمامًا.

رغم الدعاية المكثفة للحرب على الإرهاب، لم تنجح أمريكا حتى في حماية نفسها، وتعرضت وحلفاءها لهجمات إرهابية مكثفة خلال العقدين الماضيين، ربما لم يشهدوا مثلها على مدار تاريخهم، بسبب أسلوب الاستعلاء الغربي على المنطقة والمسلمين، والتلويح الدائم بلغة القوة والحسم العسكري لتحقيق أجندتهم، ما أثار مشاعر الغضب واستحضار روح الاستعمار، بكل ما يعنيه ذلك من استهداف للمصالح الغربية في البلدان العربية والإسلامية.  

خلال عقدين عرفت أمريكا جيدًا أن لغة الصلف والغرور في أسلوب التعاطي مع مشكلات الشرق الأوسط التي جاءت بالعديد من الرؤساء إلى كرسي الحكم ـ دونالد ترامب مثال ـ لم تفلح في إقصاء طالبان، بل مكنتها من تنفيذ مشروعها، وأجبرت أمريكا في النهاية على طلب الصلح معها لإنقاذ جنودها من القتل والتشريد ووضع حد لنزيف اقتصادها في المتاهة الأفغانية. 

في تفسير القوة الذكية

يحاول جو بايدن استنساخ روح مشروع باراك أوباما الرئيس الأسبق للبلاد، الذي أعاد الأضواء لما يسمى بسياسة القوة الذكية في التعامل مع العالم، وإعطاء أولوية للدبلوماسية والتنمية المستدامة والمساعدة الاقتصادية وبرامج التبادل والعولمة في إخضاع العالم للسيطرة الأمريكية.

صورة

كان أوباما يعرف جيدًا أن القوة الناعمة ستزيد من قائمة حلفاء أمريكا، وبدلًا من الإنفاق الضخم على الحملات العسكرية، يمكن تخصيص جزء من هذه المبالغ على تسويق البرامج الدولية الأمريكية الأخرى، التي تحتاجها اقتصادات البلدان المختلفة. 

ومع أن انتخاب باراك أوباما في نوفمبر/تشرين الثاني 2008 كان بمثابة إشارة إلى تجديد أفكار القوة الناعمة التي عبر عنها لأول مرة في أوائل التسعينيات مسؤول كلينتون السابق جوزيف ناي، إلا أن جو بايدن يريد العمل بطريقة مختلفة نسبيًا.

الصراع مع الصين

القوة الناعمة المطلوبة لاستمرار ريادة أمريكا في مشروع جو بايدن، تتشكل من ثلاثة مصادر: الثقافة الأمريكية الجاذبة بقيمها السياسية مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات وأسلوب تطبيق هذه الثقافة في الداخل وتعزيز التعددية والتسامح في نظام الحكم.

ترجم بايدن أفكاره في اختياراته لرموز إدراته التي ركزت على التعددية والانفتاح على جميع مكونات المجتمع الأمريكي، أما المصدر الثالث فهو تعزيز التنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان خارجيًا والدفاع عن هذه القيم بأكبر قدر ممكن من الضغط السياسي والاقتصادي والحقوقي والإعلامي.  

ينقل بايدن بهذه الطريقة الصراع مع الصين إلى مربع القيم، فالدولة الآسيوية الصاعدة بسرعة الصاروخ تلعب هي الأخرى على ديناميكيات القوة الناعمة في سياق تطوير سياستها الخارجية، وتغازل العالم النامي والبلدان الإفريقية والآسيوية على وجه التحديد بتجربتها التي حررتها من هيمنة القوى الكبرى، ما يثير العواطف والشجون ومآسي الماضي عند هذه البلدان، ويجذبهم أكثر للتجربة الصينية، من الدوران في فلك القيم الأمريكية التي لا يمكن تطبيقها في بلدانهم.

صورة

يحاول بايدن التعامل مع هذه التحديات وهو يسوق قيم بلاده للهيمنة عالميًا بطريقة أخرى، فيعمل أولًا وبكل الطرق على إزالة ما تبقى من الإرث الكارثي لمشروع ترامب "أمريكا أولً"ا الذي دمر اهتمامات الناخبين المحليين خلال السنوات الماضية بكل ما يتعلق بالسياسة الخارجية لبلاده.

ضاعفت أيضًا سياسة ترامب من إشكاليات العالم، ودفعته للعودة إلى حدود الثلاثينيات من القرن الماضي، حيث حصار الديمقراطية وصعود الشعبويين والقوميين والديماغوجيين والقوى الاستبدادية الأكثر عدوانية، مقابل أوروبا الغارقة في الانقسام والشك بالنفس. 

زاد على هذه التحديات الآن الحرب الإلكترونية والهجرة الجماعية وارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض، وهذه التحديات لا يمكن لأمة واحدة أن تواجهها بمفردها، ما يصعب بشدة من مهام بايدن، الذي يعكف الآن على إعادة سيرة الماضي بنفس تفاصيله.  

يستدعي بايدن إرث بلاده وأسلوبها في التعامل بعد الحرب العالمية الثانية، حين تفرغت آنذاك في التصدي للشعبويات والأنظمة الاستبداية بإقامة تحالفات قوية مع الديمقراطيات، وإعادة اختراع القواعد والأعراف التقدمية للعلاقات بين الدول حتى تنتج ازدهارًا عالميًا، استفادت منه أمريكا أكثر من أي دولة أخرى. 

العولمة والسلاح الاقتصادي

يركز الرئيس الأمريكي على تعزيز التنافسات التجارية المحسومة مسبقًا لصالح الولايات المتحدة حتى تحقق أهدافها السياسية، عبر منع الآخرين من الحصول على القوة الاقتصادية اللازمة لمعارضتها بفعالية عندما تتعارض المصالح. 

يسعى بايدن بدلًا من التركيز على التلويج بالقوة العسكرية على توسيع قاعدة مصالح بلاده العالمية ما سيدفع الآخرين إلى طلب مساعدتها في معالجة مشاكلهم، وهذه المساعدة ستقلل حدة استيائهم من التدخل في شؤونهم سواء تحت لافتة العولمة أم الدبلوماسية. 

تضمن العولمة الاقتصادية التي تعتمد على شبكة معقدة من التجارة الدولية والمؤسسات المالية حد مقبول من النفوذ الكافي لأمريكا لتحقيق مصالحها وتنفيذ أجندتها في العالم، إذ يضمن توسيع هذه المؤسسات وتطويرها وتحسينها بالضرورة تعاون الآخرين حتى لا تتآكل فوائد العولمة، ومع التحسن وتعميم الفائدة سيساعد ذلك في ضمان انفراد أمريكا بإدارة شؤون العالم. 

كانت العولمة دائمًا أحد أهم أركان أجندة السياسة الخارجية الأمريكية، فالفقر وسوء الإدارة وتزايد معدل الدول الفاشلة يضع للولايات المتحدة مكانة عليا في الضغط الدائم على الأنظمة السياسية لتحقيق الرخاء والحكم الرشيد.

ولن تجد هذه الدول مفرًا من التعاون مع أمريكا ومؤسساتها الدولية بدلًا من المخاطرة بخسارة الخارج والداخل، لتجد نفسها في نهاية المطاف لا تتضرر فقط من الدببة في الغابة، بل من أسراب النمل الصغير في الداخل، وهذا هو صلب مشروع بايدن للتعامل بذكاء في إدارة العالم!