أثار الاجتماع الرباعي الذي استضافته عمّان لوزراء الطاقة والغاز لدول خط الغاز العربي، سوريا ولبنان والأردن ومصر، بهدف رسم خارطة طريق لنقل الغاز المصري إلى لبنان عبر سوريا والأردن؛ الكثير من علامات الاستفهام حول تأثير الاتفاق الرباعي سياسيًّا وإقليميًّا وتقنيًّا، لما يمثله من كونه خطوة لا تخلو من دلالات سياسية إقليميًّا ودوليًّا، لا سيما أن العديد من التقارير تحدّثت عن استثناء أمريكي لخطة نقل الغاز عبر الأراضي السورية من قانون قيصر، في سبيل الضغط على إيران التي تسعى لاستثمار الأزمة اللبنانية لصالحها عبر مدّها بالمشتقات النفطية من إيران مرورًا بسوريا فلبنان.

وهنا تبرز تساؤلات حول حقيقة الموقف الإيراني الروسي من شبكة الغاز المصري، ومدى تعارضه مع المصالح الإيرانية الروسية الطاقوية في سوريا، إذ لدى كل منهما مصالح لتصدير الطاقة، النفط والغاز، إلى جهات عديدة عبر الجغرافيا السورية.

يتزامن ذلك مع سعي عربي ودولي لإعادة تطبيع العلاقات مع نظام الأسد تدريجيًّا وتأمين انخراطه مع المجتمع الدولي، سواء عبر إعادة فتح السفارات أو عبر زيارات الرؤساء والمسؤولين لدمشق، في ظلّ تغاضي الولايات المتحدة، التي هددت سابقًا بتطبيق عقوبات شاملة على الدول التي ترغب في تطبيع العلاقات مع نظام الأسد وفق قانون قيصر.

نحاول في هذا التقرير الوقوف سريعًا على مراحل وتقاطعات خطة نقل الغاز المصري، مرورًا بتأثيرات تلك الخطة على موقع النظام وعلاقاته بمحيطَيه العربي والإقليمي في ضوء التساهُل الأمريكي والتواطؤ الغربي-العربي، وانتهاءً بموقف كل من إيران وروسيا حيال المشروع.

تمهيد

يلعب الموقع الجغرافي والخصائص الجيوسياسية لبلد ما دورًا مهمًّا في مجمل التوازنات الإقليمية والدولية، ويشكِّل حافزًا أساسيًّا في الوقت ذاته لبناء استراتيجية القوى الإقليمية والدولية الفاعلة، ورسم سياسات تتناسب مع أهدافها ومصالحها القومية العليا تجاه ذلك البلد.

وتزداد أهمية الموقع الجغرافي مع تصاعد التنافس العالمي على السيطرة على مصادر الطاقة، لا سيما منها الغاز، حيث بات السباق لولوج سوق صناعة الغاز الطبيعي والتحكُّم بممرّاته الحيوية ومسارات نقله إلى الأسواق العالمية، في إطار الصراع على المصالح والنفوذ والمكانة الدولية مع تزايد الطلب العالمي عليه؛ يشكِّل نوعًا من أنواع تثبيت النفوذ والهيمنة الإقليمية والعالمية، حتى أطلق البعض على هذا التنافس مسمّى "حرب الأنابيب".

ونظرًا إلى ما يمثّله موقع سوريا الاستراتيجي من أهمية كبيرة على الخارطة الدولية، باعتبارها أحد الممرّات الرئيسية في عمليات تصدير الغاز إلى أوروبا عبر المتوسط، طٌرحت العديد من المشاريع لنقل الغاز عبر الأراضي السورية لجهات مختلفة، بعضها بقيَ كمقترح لم يبصِرْ النور كالخطّ القطري-التركي وخط الأنابيب "الإسلامي" الإيراني، وبعضها ارتقى إلى مستوى التأسيس والتنفيذ كخطّ الغاز العربي الذي مرَّ بمراحل عديدة، وأثّرت التطورات والتفاعلات الإقليمية والدولية في مسار عمله سلبًا وإيجابًا، وهو ما سيكون محور تركيزنا في هذا التقرير.

إضاءة على ملامح مشروع خط الغاز العربي

يعود التخطيط لخط الغاز العربي إلى بدايات عام 2000، بهدف نقل الغاز الطبيعي المصري إلى الأردن وسوريا ولبنان، ومن ثم الاتصال بشبكة الأنابيب التركية ومنها إلى أوروبا بطول 1200 كيلومتر، وبتكلفة تقدَّر بأكثر من مليار دولار، وباستطاعة نقل تقدَّر بأكثر من 10 مليارات متر مكعب من الغاز سنويًّا.

وقد تمَّ تدشين المرحلة الأولى من الخط عام 2003 بين مدينتَي العريش المصرية والعقبة الأردنية، ليتمَّ لاحقًا وتحديدًا عام 2008 الانتهاء من رسم مسار الخط داخل الأراضي السورية وصولًا إلى لبنان، وتوقُّع سوريا وتركيا في العام نفسه اتفاقية لإنشاء خط أنابيب للغاز الطبيعي يربط بين حلب وكيليس، لربط خط الغاز العربي مع الشبكة التركية ومنها إلى خط الغاز Nabucco ليصل إلى أوروبا.

وبعد هذا تمَّ البدء في تصدير الغاز المصري إلى لبنان عام 2009، ليتبدّد المشروع مع بداية الثورة السورية عام 2011، حيث تعرّض خط الغاز لعشرات التفجيرات والهجمات على مدار السنوات الأخيرة على طول مسار أنابيب نقل الغاز في مصر وسوريا، وأعاقت إمدادات الغاز المصري للأردن ولبنان.

مؤخّرًا، بدت ملامح تحركات دولية لإعادة إحياء المشروع، ابتدأتها السفيرة الأمريكية في لبنان دوروثي شيا، التي أعلنت عن خطة الولايات المتحدة لدعم لبنان بالكهرباء والغاز من خلال تسهيل نقل الغاز المصري عبر الأردن وسوريا، بالتشاور مع البنك الدولي الذي سيتولّى تمويل عملية النقل وإصلاح شبكة الكهرباء وبعض أنابيب الغاز.

ترتيبات أمريكية جديدة لمرحلة ما بعد انسحابها

لعل في عدم إبداء إدارة بايدن الأمريكية اهتمامًا كبيرًا بالملف السوري منذ وصول بايدن إلى السلطة في البيت الأبيض، مقارنة بتوجُّهاتها لحلّ العديد من القضايا الشائكة بالنسبة إليها، كالحدِّ من التمدُّد الصيني والاتفاق النووي مع إيران؛ ما يؤكّد على مدى التزام الولايات المتحدة باستراتيجية "فكّ الارتباط" وتخفيف الأعباء التي تتحمّلها في الشرق الأوسط ضمن مسار استراتيجي طويل الأمد.

ويحدث هذا بهدف التركيز على الصعود العالمي الصيني والعمل على احتوائه من خلال إعادة التموضع في مناطق شرق آسيا وبحر الصين الجنوبي، الذي بدأه أوباما عند استلامه مقاليد الحكم عام 2009، ويعمل على إنهائه بايدن بعد الانسحاب الكامل من أفغانستان، وتحديده موعد الانسحاب من العراق بعد زيارة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي لواشنطن في يوليو/ تموز الماضي.

كان هذا التراجُع الأمريكي في المنطقة محرِّكًا أساسيًّا ضاغطًا على مختلف الفاعلين الإقليميين بدرجات مختلفة، لإيجاد مقاربة يحفظون بها مصالحهم ومكتسباتهم الاستراتيجية الخاصة. وعلى إثر ذلك، شهدنا تحسُّنًا في العلاقات المصرية التركية والتركية الإماراتية، وإنهاء الأزمة الخليجية، بالتزامن مع تغيُّرٍ في الخطاب السعودي تجاه طهران، ويبدو أن التحركات الأردنية الأخيرة نحو تطبيع علاقتها مع النظام تدخل في هذا المسار أيضًا.

يبدو أن دعم الولايات المتحدة لمشروع استجلاب الغاز يدخل أيضًا في سياق التوجُّه الأمريكي العام لضبط تحركات إيران وأذرعها في سوريا

وضمن هذا السياق، من المتوقع أن تسعى الولايات المتحدة لترتيب المنطقة لمرحلة ما بعد انسحابها، وفق رؤية قوامها الاعتماد على حلفائها الإقليمين والدوليين الفاعلين، ما يمكّن تتبّعه في سوريا من خلال موافقتها على الطلب الأردني (الحليف الأبرز للولايات المتحدة في المنطقة) لاستجرار الغاز الطبيعي المصري إلى لبنان عبر سوريا والأردن، واستثناء المشروع من عقوبات قانون قيصر الذي يحظر التعامل مع نظام الأسد، وتغاضيها عن محاولات بعض الدول العربية تطبيع علاقاتها مع النظام بعد أن حذّرت سابقًا من التطبيع معه وتلويحها المستمر بتعرُّض من يخرق القانون لأقصى العقوبات.

ويبدو أن دعم الولايات المتحدة لمشروع استجلاب الغاز يدخل أيضًا في سياق التوجُّه الأمريكي العام لضبط تحركات إيران وأذرعها في سوريا، لا سيما أن التحرك الأمريكي جاء عقب تحرك إيراني مماثل لتزويد لبنان بالوقود عبر الأراضي السورية، حيث من المرجّح أن الولايات المتحدة ترى أن الانخراط العربي (الأردني والمصري) في الساحة السورية، من بوابة الطاقة والاقتصاد، قد يسهم نوعًا ما في موازنة النفوذ الإيراني، وذلك بالتنسيق مع روسيا، خاصة بعد ظهور بوادر تقارُب وتعاون روسي أمريكي في سوريا، بعد قمة بوتين-بايدن وامتناع روسيا عن التصويت ضد تمرير المساعدات عبر الحدود إلى سوريا في مداولات مجلس الأمن في يوليو/ تموز الماضي.

خط الغاز.. بوابة النظام لإعادة تعويمه عربيًّا

شهدت السنوات الأخيرة محاولات عربية جادّة لإعادة تطبيع العلاقات مع نظام الأسد، بدءًا بزيارة الرئيس السوداني عمر البشير دمشق عام 2018، مرورًا بقرار الإمارات إعادة فتح سفارتها في دمشق في العام نفسه، وليس انتهاءً بتحركات الأردن الدبلوماسية النشطة في محاولة لتعويم النظام عبر مبادرة قدّمها الملك الأردني عبد الله الثاني للرئيس الأمريكي جو بايدن، تتضمّن تخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة على النظام بموجب قانون قيصر، وتقديم عرض للولايات المتحدة للمساهمة في رسم خارطة طريق لعودة النظام إلى الجامعة العربية، ومن ثم إعادة فتح معبر جابر-نصيب الحدودي مع سوريا، وأخيرًا بإعلان الأردن عن إعادة تسيير الرحلات الجوية بين الأردن ودمشق.

ويُعتبَر مشروع نقل الغاز المصري عبر سوريا جزءًا من سلسلة التطبيع المتسارع مع النظام؛ فرغم ما يحمله المشروع من تعظيمٍ للعوائد الاقتصادية للجهات المنفِّذة، لا سيما فيما يتعلق بمجال الطاقة الكهربائية والغاز، وإلى جانب ما قد يوفّره المشروع من مكاسب اقتصادية لنظام الأسد، كالاستفادة من الكهرباء والغاز التي ستمرُّ عبر شبكته إلى لبنان؛ إلا أن ما تحمله هذه الخطوة في طياتها يتجاوز البُعد الاقتصادي إلى أبعاد سياسية تخدم جهود النظام وحلفائه المستميتة لإعادة تعويمه إقليميًّا ودوليًّا، وبالتالي يشكِّل خرقًا فعليًّا لمسار التطبيع العربي مع نظام الأسد.

كما يمثّل البُعدان الاقتصادي والأمني عاملًا مهمًّا يؤثر بشكل مباشر على طريقة تفاعل الأردن مع مستجدّات الوضع السوري، حيث يُعتقَد أن يساهم مشروع خط الغاز وفتح المعبر الحدودي بين البلدَين في تدوير عجلة الاقتصاد الأردني المتهالك، فضلًا عن كونه محاولة أردنية لمواكبة التطورات في المنطقة، ولعلّ أهمها: تراجع الانخراط الأمريكي في المشهد السوري مقابل زيادة نفوذ روسيا وإيران، إذ يمثّل الحضور الإيراني المتصاعد على الحدود الشمالية للأردن فيما يبدو سببًا وجيهًا لتحرك الأردن نحو التنسيق المباشر مع روسيا ونظام الأسد، وبشكل أقل مع إيران نفسها للتخفيف من تبعات التمدد الإيراني المتزامن مع تراجع الحضور الأمريكي في المنطقة.

هل يمكن للمشروع أن يصطدم بالنفوذ الروسي والإيراني في سوريا؟

يعتقد الباحث في الشأن السوري محمد سالم أن "المبادرة التي قدّمها ويقودها الأردن تأتي بالتنسيق مع روسيا والتي بدورها تنسِّق مع إيران"، مشيرًا إلى "وجود ملامح تغيُّر في الخطاب الأردني تجاه النظام وتجاه إيران، إذ شهدت الفترة الأخيرة تقارُبًا نسبيًّا في العلاقات الإيرانية الأردنية، حيث يعدّ حضور الأردن "قمة بغداد" التي تسيّدتها إيران، واستقبال الأردن مؤخرًا لقيادات شيعية عراقية، علامة مهمة لحقيقة استدارة الأردن السياسية نحو تحسين العلاقة مع إيران".

وقال سالم في حديثه مع "نون بوست" إن "الجهات المنفِّذة للمشروع، الأردن ومصر ولبنان، تعلم جيدًا أنه لا يمكن للمشروع أن ينفَّذ لولا الضوء الأخضر الروسي وموافقة إيران، وبالتالي لا يبدو أنه سيحدث تصادم مع النفوذ الإيراني والروسي في سوريا إلا في بعض التفاصيل".

في المجمل، يتعين عدم الذهاب بعيدًا في توقُّع نجاح المشروع، نظرًا إلى العديد من العقبات التقنية والسياسية والاقتصادية التي قد تحول دون تنفيذه إلى حدٍّ ما.

ولفت الباحث إلى أن "المقابل الذي قد تطلبه ايران وروسيا هو تخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة على نظام الأسد، وتعويم النظام واسترجاع شرعيته ولو تدريجيًّا، وهو ما بدأت ملامحه بالظهور من خلال اللعب على أوراق عديدة كملفّ اللاجئين والإرهاب".

وخلال حديثه عن إمكانية اعتبار المشروع بداية تعويم شامل لنظام الأسد، استبعد الباحث أن تكون خطة نقل الغاز عبر سوريا بوابة لتطبيع شامل مع النظام على المدى القريب، موضِّحًا أن "الهدف الحالي هو دعم لبنان والأردن اقتصاديًّا والمقابل هو التطبيع الجزئي مع النظام"، مؤكّدًا أن النظام وحلفاءه يتقدّمون بهدوء في مسار التطبيع الدبلوماسي ليصبح التطبيع الشامل لاحقًا أمرًا مقبولًا دوليًّا وإقليميًّا.

في المجمل، يتعيّن عدم الذهاب بعيدًا في توقُّع نجاح المشروع، نظرًا إلى العديد من العقبات التقنية والسياسية والاقتصادية التي قد تحول دون تنفيذه إلى حدٍّ ما، بيد أن المشهد حاليًّا هو ما قد حقّقه طرح الخطة من قفزة سريعة نحو عودة تطبيع العلاقة مع نظام الأسد والاعتراف بشرعية حكمه، وهذه المرة من بوابة الاقتصاد والطاقة.