كُتِبت علينا حرب نحن لها كارهون، فقلوبنا معلقة بحب السلامة للناس ولأنفسنا في بلاد نود لها الخير ويعجزنا المتطهرين، عشر سنوات من الحلم بالسلم الاجتماعي، تحملنا من أجلها ضنكًا شديدًا ودافعنا عن كل من توسمنا فيه بعض خير ولو قدمه بالأسلوب الذي لا يروقنا، لكننا انطلقنا دومًا من التمسك بالحد الأدنى في انتظار الترقي فوق ذلك والتحليق نحو الأحلام الكبيرة التي أعادتها لنا الثورة بعد يأس وقنوط.

بنفس العقل الرصين انتخبنا قيس سعيد لإنقاذ البلد من لص، فإذا نحن نواجه حالة من الطهورية الزائفة التي نراها تفضي بنا إلى الاحتراب ونقول إن هذا التطهر يكمن في جذر كل عمل إرهابي قديمًا وحديثًا، لكن للخميرة الديمقراطية التونسية رأيًا آخر.

لغة التطهير لغة حربية

لم يستعمل الرئيس لفظ التطهير مرة واحدة عابرة في خطاباته، لكنه كرر اللفظ عندما تحدث عن القضاء والفساد وعن الإدارة وعن المشهد السياسي في تنوعه الخصيب، حتى صارت اللفظة لازمة متوقعة في كل خطاب، والإلحاح على اللفظ دفعنا إلى بعض التأمل في فعل كل من قال بالتطهير عبر الأزمة، فإذا نحن أمام خطاب مانوي يضع خيرًا مطلقًا (النور) في مواجهة شر مطلق (الظلام)، وحيث لا بد للنور من نصر مؤزر، فإن عليه تطهير الأرض من الظلام، بأسلوب المحق الجذري (القتل).

هذه المانوية نجدها تتسرب في كل دعوة متطرفة قال بها البعض واتبعها آخرون، ولا غرابة، ففي مهد المانوية نشأ الحشاشون وصفوا خصومهم طيلة قرون ولم يحاوروا إلا بالخناجر تحت جنح الظلام، فكل تاريخ الحركات الدينية المتطرفة في الإسلام والمسيحية واليهودية مارست التطهير بالقتل، في محاولة تنظيف الطاولة (والعبارة لديكارت) من وسخ المتخلف (القديم الرجعي الظلامي الخائن عدو الوطن، إلخ).

كانت آخر حركات التطهير في زمننا هي النازية والفاشية وعلى منوالها نسجت انقلابات عسكرية عربية قالت بالإنقاذ عبر قتل المختلف والمعارض ونفيه أخلاقيًا بالتخوين والسحل حتى الموت الرمزي، وللتذكير فإن أنصار الانقلابات العربية واقفون في صف المنقلب التونسي.

كل حركات التطهير تلاشت بالديمقراطية السياسية القائمة على تنسيب الاختلاف وتحمل كلفة الصراع السياسي (دون أسلوب روبسبيار) أي دون دم، وفرض الخيارات عبر الصندوق الانتخابي، وننظر فنرى قيس سعيد يصرخ بالتطهير بعد أن قطع طريق الصندوق الانتخابي، فنجد أنفسنا أمام خطاب يؤسس للاستئصال والسحل دون قدرة على التعاطي مع المختلف أو تنسيب الطموح الذاتي في حقل سياسي سمته التعدد والتنوع.

لم يكتب الرجل في الديمقراطية رغم أنه جامعي ومن أهل القانون بل القانون الدستوري، لم يشارك في نشاط سياسي سمته التعدد، ولم ينشط في مؤسسات مجتمع مدني حتى غيبه التقاعد، لم يكتب أدبًا ولم يفكر ولم يترك أثرًا في أي شعبة من شعب الفكر يعاد إليه، حتى ظهر فجأة يتطهر على شعب خاض معاركه الديمقراطية دون قيس سعيد.

وكما لو أن أنصاره شربوا من معين خطابه التطهري والتطهيري، فلم يسانده إلا كل قائل بالتطهير والاستئصال من شبيحة القوميين ومتطرفي اليسار المتعبد حتى الآن في محراب ستالين، فنحن نواجه منذ الانقلاب عملية قتل رمزي تمارسها فرق تطهير لم تدخر أشخاصنا ولا أمهاتنا ولا تاريخنا (أفرادًا وجماعات) على تواضعه وسلميته، لقد بث خطاب التطهير روحًا شريرةً جعلتنا نعود إلى تأمل تاريخ الحشاشين وفرسان الهيكل وجنود يهوه، فنجد خيطًا رابطًا نحن بعد الانقلاب نواجه فرقة حشاشين بعض عناصرها ليسوا إلا ضباط بن علي.

الديمقراطية في مواجهة التطهير

هذا خيار ومصير ووسيلة ليس لنا غيرها، فالرد على التطهير بمثله (خطاب وممارسة) هي الحرب الأهلية التي يمكن أن يبدأها تطهيري من أحد الصفين لو تحدث نفس اللغة وفكر بنفس الخلفية، لكن لا يمكن لأحد أن يتنبأ بمسارها ولا بعواقبها ولم نقرأ في كتب التاريخ أن حربًا أهلية نشبت في شعب فجلبت خيرًا لمن خاضها أو تجاهلها وطمر رأسه في التراب حتى تمر.

إن خطاب الرئيس التطهيري (التطهري) المالك للحكمة المطلقة وللحلول المطلقة للمشكلات الاقتصادية منها والاجتماعية والسياسية لا يرد عليه بمثله بل بالديمقراطية بصفتها الأسلوب الوحيد القادر على تحمل الاختلاف في الآراء والقادر على كشف التنوع بين الأفكار والإرادات، إنها سبيل التنسيب المتاح فيما حولنا من تجارب الحكم منذ قرون، وقد رأيناها تقضي على النازية والفاشية والستالينية والماوية أيضًا وتصنع رفاه الشعوب في جوارنا.

لقد استذكر أصدقاء لنا وهم يتأملون مثلنا أسلوب قيس سعيد طريقة الخمير الحمر في قيادة بلدهم حتى ملأوا الحقول بالجماجم، لكننا بجوارهم ننتبه إلى أن المجتمع التونسي عصي على التطهير وأسلوب التطهريين الذين يمسحون الطاولة من أعدائهم.

لقد تخمرت فكرة الديمقراطية فيه منذ زمن طويل فلم ينتج التطرف إلا في السلطة، بينما واجه المجتمع دومًا بعقل تنسيبي، وكان للسنوات العشرة للثورة (التي وصفها اليسار النقابي الستاليني بالعشرية السوداء) دور فعال في بلورة هذا السلوك الديمقراطي وترسيخ قيم الصبر على الاختلاف وتطوير الحوار رغم ضعف النتائج المادية (إذ لم يشعر الفقراء بنتيجة الثورة على مائدة طعامهم بعد وهم الذين كانوا مرجلها ووقودها).

لا أملك المعلومة الدقيقة عن عودة الشارع الديمقراطي، لكنني من موقع الملاحظ أرى أن الإجماع حاصل على نبذ خطاب التطهر والتطهير السياسي الذي يستعمله الرئيس وفريقه

إننا بعد مئة يوم من الانقلاب نعاين استفاقة ديمقراطية تظهر في مواقف الشخصيات الاعتبارية وأقوالها وفي مواقف الأحزاب وبعض المنظمات التي لا يقودها اليسار الستاليني التطهيري ولا تقودها أحزاب البعث القومي التي لها تجربتها في التطهير على طول الخريطة العربية.

يواجه خطابَ التطهير الآن وسيواجه في قادم الأيام خطابُ الديمقراطية وأنصار التعدد والاختلاف، ونستشعر أن تحالفًا يقوم الآن في الشارع ضد الانقلاب وأنصاره وسيفصح قريبًا عن وجهه في الشارع متسلحًا بلغة غير تطهيرية، وبكثير من التفاؤل المشوب بالحذر نقول إن خطاب التطهير سيرتد على صاحبه وسيطهر منه لكن بالديمقراطية بلدًا غنيًا بتنوعه.

لقد قامت في البلد قواعد ثابتة للديمقراطية جسدها دستور تعددي غير إقصائي أي غير تطهيري (كان بالحق خلاصة لسنوات طويلة من الجدال الديمقراطي) وعلى هدي منه سيكون للشارع الديمقراطي قول فصل نرى إرهاصاته في المواقف الحاسمة ضد الانقلاب.

لا أملك المعلومة الدقيقة عن عودة الشارع الديمقراطي لكنني من موقع الملاحظ أرى أن الإجماع حاصل على نبذ خطاب التطهر والتطهير السياسي الذي يستعمله الرئيس وفريقه، ونتوقع أن يدفع ثمنًا قاسيًا لذلك، لكن ثمن الديمقراطية مهما ارتفع سيكون أهون على الناس من ثمن مشروع حشاشين جدد يخفون خناجرهم بعد تحت ربطات عنق فاخرة.

بل نذهب إلى حد القول إن هذه الردة القصيرة في الزمن ستكون آخر محاولات الحشاشين في تونس لوأد الديمقراطية وستكرس روح الدستور التعددي، فلا يجرؤ عليه أحد من المتفقهين بالتطهير، لقد كان ضروريًا أن تظهر هذه البثرة على جلد الديمقراطية ليتم علاجها في مرحلة التأسيس التام للتعايش الديمقراطي، ثم نذهب واثقين إلى المستقبل.