شهر كامل مضى على الانتخابات التشريعية المبكرة في العراق، والتي جرت في 10 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ورغم أن المفوضية أعلنت النتائج الأولية للانتخابات بعد أقل من 48 ساعة على إغلاق صناديق الاقتراع، إلا أن المفوضية لم تكشف حتى الآن عن النتائج النهائية رغم بتّها في جميع الطعون المقدَّمة إليها من قبل الكتل المعترضة.

جاءت الانتخابات التشريعية الأخيرة في العراق بكثير من المفاجآت، إذ كشفت النتائج الأولية عن تصدُّر التيار الصدري الذي يتزعّمه مقتدى الصدر المشهد الانتخابي، بعد فوزه بـ 73 مقعدًا، يليه تحالف تقدم الوطني بزعامة رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي بـ 38 مقعدًا، ثم ائتلاف دولة القانون بـ 35 مقعدًا، يليه الحزب الديمقراطي الكردستاني بـ 32، ثم بقية الأحزاب السياسية التي أفرزت عن فوز تحالف عزم بزعامة خميس الخنجر بـ 12 مقعدًا وأحزاب تشرين بـ 15 مقعدًا مجتمعة.

اعتراض القوى الخاسرة

ورغم أن المفاجأة الكبرى تحقّقت بفوز التيار الصدري بأعلى عدد من المقاعد، إلا أنه وعلى الطرف الآخر كشفت النتائج عن خسارة تحالف القوى الشيعية المنضوية ضمن تحالف الفتح بزعامة هادي العامري، حيث لم يحقِّق سوى 17 مقعدًا، وهو ما أدّى بالقوى الخاسرة لرفض نتائج الانتخابات واتّهام المفوضية بتزويرها، ثم ما لبثت هذه القوى أن استخدمت الشارع من خلال التظاهر والاعتصام أمام بوابات المنطقة الخضراء.

ومن ثم، وفي يوم الجمعة الماضية 5 نوفمبر/ تشرين الثاني، تطورت الاحتجاجات الى مناوشات بين المتظاهرين والقوات الأمنية، ما أسفر عن سقوط أحد المتظاهرين قتيلًا وجرح العشرات من المتظاهرين والقوات الأمنية، لتدخل البلاد مرحلة جديدة من الأزمة السياسية التي أسفرت بعدها بيوم واحد عن محاولة اغتيال رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي باستخدام طائرة مسيَّرة مفخَّخة استهدفت منزله داخل المنطقة الخضراء دون أن تصيبه بأذى، وذلك وفق بيان خلية الإعلام الأمني الحكومية.

معضلة تشكيل الحكومة

منذ أول انتخابات برلمانية في العراق عقب الغزو الأمريكي، شهدت جميع الحكومات الأربع التي أسفرت عن الدورات الانتخابية السابقة معضلات كبيرة في تشكيل الحكومة، إذ إن الخلافات السياسية أدّت إلى تأخير الحكومات المتعاقبة لأشهر.

وفي هذا الصدد، وفي حديثه لـ"نون بوست"، يعلِّق الباحث السياسي محمد خليل قائلًا: "إن مشكلة العراق بعد عام 2003 هي أن الديمقراطية التي جاءت بها القوات الأمريكية منقوصة وغير واضحة المعالم، فعلى الرغم من أن الانتخابات هي الفيصل في وصول أي حزب سياسي للحكم، إلا أن جميع الدورات الانتخابية الماضية جاءت بجميع الفائزين والخاسرين للحكم، ما أدّى بالقوى السياسية في البرلمان إلى أن تكون في الحكومة والمعارضة في آن معًا، ما أفقدَ البرلمان أهدافه الرئيسية التي وُجد من أجلها والتي من أهمها مراقبة الأداء الحكومي".

ويضيف خليل في إفادته لـ"نون بوست" أن تظاهرات أكتوبر/ تشرين الأول 2019 وما نجمَ عنها، غيّرت من مزاج القوى السياسية، لا سيما تلك التي حقّقت أعلى المقاعد، وبالتالي أكّد التيار الصدري وفور إعلان النتائج الأولية أنه لن يذهب تجاه تشكيل أي حكومة توافقية كما في الماضي، وأن الحكومة القادمة ستكون حكومة أغلبية سياسية.

يرى عضو ائتلاف دولة القانون كاطع الركابي أن الحديث عن طبيعة الحكومة القادمة بين احتمالية كونها توافقية أو حكومة أغلبية سابق لأوانه.

من جهته، يقول الباحث في الشأن السياسي العراقي مناف الموسوي إن غالبية الكتل السياسية تفتقر لثقافة المعارضة وترغب بالمشاركة في الحكومة، وهو ما أدّى إلى العديد من السلبيات التي يرى الموسوي أن من بينها المحاصصة والفساد وسوء الإدارة التي نتجت عن حكومات التوافق والمحاصصة الحزبية.

وعن إمكانية تشكيل حكومة توافقية مرة أخرى، أكّد الموسوي -المقرَّب من التيار الصدري- أن تصريحات زعيم التيار مقتدى الصدر أشارت بكل وضوح إلى أن الحكومة القادمة لن تكون على أساس المحاصصة، وأن التيار الصدري في حال لم يستطع المضي بالتحالف مع القوى الفائزة الكبيرة لتشكيل حكومة أغلبية، فإنه قد يلجأ للمعارضة، وبالتالي لن تكون الحكومة القادمة توافقية بأي حال من الأحوال، على اعتبار أن التيار حصل على أكبر عدد مقاعد في البرلمان.

أما عن المدة التي قد يستغرقها تشكيل الحكومة، فيعتقد الموسوي أنه ومن الناحية القانونية الدستورية، فإن العراق ملزَم بتوقيت محدَّد لتشكيل الحكومة، إلا أن الواقع السياسي قد يتّجه لعدة أشهر لأجل تشكيل الحكومة.

على الجانب الآخر، يرى عضو ائتلاف دولة القانون كاطع الركابي أن الحديث عن طبيعة الحكومة القادمة بين احتمالية كونها توافقية أو حكومة أغلبية سابق لأوانه، لا سيما أنه لم يُعلن حتى الآن عن النتائج النهائية للانتخابات ولم يصادَق عليها، وبالتالي لا توجد أي تفاهمات بينية معمَّقة بين الكتل لأجل تشكيل الحكومة.

مزيد من التعقيد

في ضوء المعطيات التي تفيد بأن الكتل السياسية الخاسرة للانتخابات لا تزال ترفض نتائجها الأولية، جاءت محاولة اغتيال رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي لتضيف مزيدًا من التعقيد على المشهد السياسي.

إذ يدور الحديث في كواليس العملية السياسية بالعراق، أن زعيم التيار الصدري يعتزم زيارة مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان، للتباحُث مع زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البرزاني، في مسعى يقرأه العراقيون على أنه بداية محادثات تشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر من القوى الرئيسية الفائزة بالانتخابات البرلمانية الأخيرة.

جدير بالذكر أنه وقبيل محاولة اغتيال الكاظمي، زارَ مقتدى الصدر زعيم تحالف تقدم الوطني محمد الحلبوسي في العاصمة بغداد، في مفارقة وصفها المراقبون بأنها تحركات صدرية جادّة من أجل التوجه لحكومة أغلبية، مع تأكيد المفوضية على أن إعلان النتائج النهائية للانتخابات سيكون خلال الأيام القليلة القادمة.

الجانب القانوني

وفق الدستور العراقي المُقرّ عام 2006، ينصُّ الدستور على أن الكتلة البرلمانية الأكبر هي التي تشكِّل الحكومة العراقية، إلا أنه وبحسب الخبير القانوني علي التميمي فإن الدستور لم يكن واضحًا في هذه الجزئية، وهو ما نتجَ عنه معضلة قانونية كبيرة عام 2010، حيث اتجهت الكتل السياسية للمحكمة الاتحادية لتفسير هذه المادة.

ويضيف التميمي في حديثه لـ"نون بوست" أن تفسير المحكمة جاء بأن الكتلة الأكبر هي التي تتشكل عقب الانتخابات وفي أول جلسة برلمانية، وهو ما أدّى إلى عدم تمكُّن "ائتلاف الوطنية" بزعامة أياد علاوي من تشكيل الحكومة، الذي كان قد حصد 91 مقعدًا في انتخابات عام 2010، ما أدّى إلى تمكين نوري المالكي من تشكيل حكومة عراقية (ولاية ثانية) رغم أنه كان قد حصد 89 مقعدًا فقط.

وعن الانتخابات الأخيرة، يشير التميمي إلى أن معضلة قانونية أخرى باتت واضحة، إذ إن قانون الانتخابات الجديد رقم 9 لعام 2020 نصَّ على أن الكتلة البرلمانية الأكبر التي تشكّل الحكومة هي التي تفوز بالانتخابات، مع منع انتقال أعضاء مجلس النواب من كتلة إلى أخرى حتى تشكيل الحكومة، وبالتالي إن قانون الانتخابات الجديد عطّل تفسير المحكمة الاتحادية، ما سيدخل البلاد في معضلة قانونية جديدة بين قانون الانتخابات الجديد وتفسير المحكمة الاتحادية.

وعن السياقات القانونية لإعلان النتائج وصولًا إلى تشكيل الحكومة، يوضح التميمي ذلك بالإشارة إلى أنه ومع إعلان مفوضية الانتخابات للنتائج النهائية بالأسماء لـ 329 نائبًا فائزًا، تُرفع الأسماء من قبل المفوضية إلى المحكمة الاتحادية العليا وفق المادة 93 - فقرة 7 من الدستور للمصادقة عليها، وللمحكمة الاتحادية تدقيق الأسماء دستوريًّا وقانونيًّا واستبعاد من لا تتوفر فيه الشروط.

ويتابع التميمي شرح المسار القانوني لتشكيل الحكومة، ليضيف أنه وبعد المصادقة على نتائج الانتخابات يدعو رئيس الجمهورية برهم صالح لعقد الجلسة الأولى للبرلمان خلال 15 يومًا من تاريخ مصادقة المحكمة الاتحادية على النتائج النهائية، وذلك وفق المادتَين 54 و55 من الدستور لانتخاب رئيس البرلمان ونائبيه بالاقتراع السرّي المباشر وبالأغلبية المطلقة لعدد الأعضاء، بمعنى تصويت 165 نائبًا لصالح انتخاب رئيس البرلمان ونائبيه، على أن تكون الجلسة البرلمانية الأولى برئاسة أكبر أعضاء البرلمان سنًّا.

العلي: "في حال المضي بتشكيل الحكومة وفق المُدد الدستورية، فإن الحكومة العراقية القادمة لن ترى النور قبل شهرَين من الآن في حال أُعلن عن النتائج النهائية للانتخابات في الأيام القليلة القادمة".

ثم وبعد انتخاب رئيس البرلمان ونائبيه، يفتح رئيس البرلمان المنتخَب الترشيح لرئاسة الجمهورية خلال 3 أيام ويتمّ انتخاب رئيس الجمهورية الجديد بأغلبية ثلثي أعضاء البرلمان، وفي حال الإخفاق في ذلك يتمّ انتخابه بأغلبية الأصوات (165 نائبًا) وفق المادتَين 68 و70 من الدستور العراقي.

وعن تكليف رئيس الحكومة، أوضح التميمي في حديثه لـ"نون بوست" أن رئيس الجمهورية المنتخَب يكلف مرشح الكتلة البرلمانية الأكثر عددًا لتشكيل مجلس الوزراء والمنهاج الوزاري، وذلك في غضون 15 يومًا من اختياره، ثم تُمنح مدة 30 يومًا لرئيس الوزراء لإنجاز المهمة، وفي حال إخفاقه يكلِّف رئيس الجمهورية مرشحًا آخر بذات المُدد الزمنية وفق ما فصّلته المادة 76 من الدستور.

تشير التفاصيل القانونية لاختيار الرئاسات الثلاث لجملة من التعقيدات السياسية، وذلك بحسب الباحث في الشأن العراقي رياض العلي الذي يرى أنه وفي وضع سياسي كالذي يعيشه العراق، يبدو أن مهمة تشكيل الحكومة العراقية القادمة ستكون الأصعب على الإطلاق، لا سيما في ظل الخلاف السياسي على مختلف الرئاسات الثلاث، خصوصًا منصبَي رئاسة الحكومة الذي عادة ما يكون من المكوّن الشيعي، ورئيس الجمهورية الذي يكون من حصة الأحزاب الكردية في ظل الخلافات بين حزب الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني.

ويختتم العلي حديثه بالإشارة إلى أنه وفي حال المضي بتشكيل الحكومة وفق المُدد الدستورية، فإن الحكومة العراقية القادمة لن ترى النور قبل شهرَين من الآن في حال أُعلن عن النتائج النهائية للانتخابات في الأيام القليلة القادمة، لافتًا إلى أن الوضع السياسي الحالي والمشكلات بين الكتل السياسية الشيعية قد تؤخّر تشكيل الحكومة لما يقل عن 4 أو 6 أشهر.

إنها معضلات سياسية وقانونية أمام تشكيل الحكومة العراقية القادمة، التي ترى مختلف الكتل السياسية العراقية أنها ستكون المهمة السياسية الأصعب في البلاد منذ الغزو الأمريكي عام 2003.