"رجال ونساء وأطفال يائسون ومنهكون يتصارعون مع أمواج البحار المتلاطمة للوصول إلى أوروبا" تلخص هذه العبارة نظرة أوروبا للاجئين الفارين من مناطق الحروب والكوارث الطبيعية والانهيار الاقتصادي والاجتماعي، فهل يمكن أن تتغير هذه النظرة مع تحول هؤلاء إلى رصيد اقتصادي يُضاف إلى الدول التي توفر لهم ملاذًا آمنًا؟ وكيف نتعرف على الآثار الاقتصادية التي يخلّفها اللاجئون في أوروبا التي لا تفصل قواعدها بين اللاجئين والمهاجرين لأسباب اقتصادية؟

تكلفة إعادة التوطين

استحوذت أزمات اللاجئين المعاصرة في جميع أنحاء الشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا على اهتمام العالم، وركز الخطاب الحاليّ على التداعيات الإنسانية والأمنية لهذه الأزمة، خاصة بالنسبة للمناطق المتقدمة مثل الاتحاد الأوروبي.

سجَّل الاتحاد الأوروبي مستويات عالية من طلبات اللجوء غير المسبوقة وصلت إلى أكثر من مليون طلب عام 2015 و2016، لكن هذه الأرقام انخفضت بشكل ملحوظ في العامين الأخرين، ففي الربع الثاني من عام 2021، قدَّم أكثر من مئة ألف شخص لأول مرة طلبًا للحصول على الحماية الدولية في إحدى دول الاتحاد الأوروبي، بزيادة 115% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2020 عندما تم تسجيل 48370 لاجئًا، وزيادة بنسبة 9% مقارنة بالثلث الأول من عام 2021 عند تسجيل 95265 لاجئًا.

صورة
السلطات الإسبانية تستقبل المهاجرين بعد وصولهم إلى ميناء أورزولا

يرجع هذا الانخفاض بشكل ملحوظ إلى حظر السفر المفروض بسبب انتشار فيروس كورونا، والسياسات العقابية التي تمنع الموافقة على طلبات اللجوء واستخدام اللاجئين كأداة سياسية أو ورقة ضغط داخلية وخارجية يتلاعب بها السياسيون في حملاتهم الانتخابية، وتصفي الدول حساباتها فيما بينها.

ليس ثمة مثال أوضح على ذلك مما يحدث على الحدود بين بيلاروسيا وبولندا، حيث يتلاعب الساسة بمصير اللاجئين المحتملين في المناطق التي تشهد أزمات سياسية وعسكرية مثل سوريا والعراق وأفغانستان واليمن، ويتعمد الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو إغراءهم بتأشيرات مجانية ورحلات طيران رخيصة، ثم إلزامهم بالتوجه غربًا للضغط على الاتحاد الأوروبي بعد العقوبات التي فرضتها بروكسل.

مع تصاعد أزمات اللاجئين على الحدود، يقول البعض إنهم يرغبون في الترحيب باللاجئين، لكنهم لا يستطيعون تحمل تكاليف ذلك، وهذا أمر مفهوم، فتكلفة استقبال طالبي اللجوء في بلدهم الجديد قد تبدو باهظة بشكل صادم، وعند وصول اللاجئين، ينفق البلد المضيف للنظر في طلباتهم وتوفير الغذاء والسكن والصحة والتعليم.

في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، خلصت دراسة إلى أنه بين عامي 1990 و2014، كلَّف كل لاجئ أُعيد توطينه الحكومة الأمريكية 15 ألف دولار، وغالبًا ما تُقلق مثل هذه الأرقام دافعي الضرائب، وتدفع السكان للخوف من أن يكون قبول اللاجئين عبئًا على اقتصاد بلدهم، لكن هذه ليست الصورة الكاملة.

تشير الدلائل إلى أن هذه التكلفة يمكن أن تكون في الواقع استثمارًا، وهو ما تؤكده نتائج الدراسة المذكورة أعلاه، فبعد بقاء اللاجئين في الولايات المتحدة لمدة 20 عامًا، دفعوا ما متوسطه 21 ألف دولار كضرائب أكثر مما كلفوا الحكومة، ما يشير إلى مكاسب اقتصادية عامة مرتبطة بإعادة توطين اللاجئين.

في أستراليا، وجد تقرير صدر عام 2019 أن كل عمل تجاري للاجئين يتم إنشاؤه يضيف 98200 دولار إضافي للاقتصاد سنويًا

غالبًا ما يؤدي تزايد الطلب على السلع والخدمات الناتج عن إعادة توطين اللاجئين إلى زيادة أجور العاملين في البلاد، ففي جميع أنحاء العالم، شهدت البلدان التي فتحت أبوابها أمام اللاجئين زيادات في متوسط الدخل والناتج المحلي الإجمالي بسبب قدرة اللاجئين على بدء أعمال تجارية جديدة واستبدال السكان الأكبر سنًا.

وتحلل دراسة نشرتها مجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم بالولايات المتحدة (PNAS) الآثار الاقتصادية للاجئين على اقتصادات البلدان المضيفة، وتكشف أن المساعدات المالية للاجئين تخلق تداعيات دخل إيجابية كبيرة على الشركات والأسر المعيشية في البلد المضيف.

الدراسة خلصت إلى أن اللاجئ البالغ الذي يتلقى مساعدات نقدية يُزيد الدخل الحقيقي السنوي في الاقتصاد المحلي بمقدار 205 إلى 253 دولارًا، أي أكثر بكثير من 120 إلى 126 دولارًا من المساعدات التي يتلقاها كل لاجئ في بداية مرحلة إعادة التوطين.

الاستثمار في اللاجئين

عام 2015، استوعبت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين أكثر من 15 مليون لاجئ، معظمهم في مخيمات اللاجئين بالبلدان النامية، ومع تزايد عدد اللاجئين النازحين بسبب النزاعات الأهلية أو الكوارث الطبيعية، بقيت آثارهم الاقتصادية على البلدان المضيفة مثيرة للجدل وغير مفهومة.

غالبًا ما يكون استقبال أعداد كبيرة من اللاجئين مكلفًا في البداية، ومع ذلك، يمكن اعتبار أموال دافعي الضرائب التي تُنفق على الخدمات الاجتماعية وبرامج التدريب الوظيفي وجهود التكامل بمثابة استثمار.

وعندما يستثمر بلد ما في الترحيب باللاجئين، فإنه لا يفعل الشيء الصحيح أخلاقيًا فقط، أي يساعد الأشخاص الأكثر ضعفًا في العالم في وقت حاجتهم، لكنه أيضًا يعزز النمو الاقتصادي ويخلق مستقبلًا أكثر إيجابية لجميع المقيمين فيه.

في أستراليا، وجد تقرير صدر عام 2019 أن كل عمل تجاري للاجئين يتم إنشاؤه يضيف 98200 دولار إضافي للاقتصاد سنويًا، وعندما يبدأ لاجئ مشروعًا تجاريًا في أستراليا، فإنه يوفر للحكومة أكثر من 33 ألف دولار من مدفوعات الرعاية الاجتماعية، ويحقق ما يقرب من 10 آلاف دولار من عائدات الضرائب.

صورة
توفر مراكز دعم إعادة التوطين توجهًا ثقافيًا لمساعدة اللاجئين ليصبحوا أعضاءً نشطين في مجتمعاتهم واقتصاداتهم الجديدة بسرعة

في البلدان ذات الدخل المرتفع، ينمو عدد السكان الذين تزيد أعمارهم على 65 عامًا حاليًّا بواحد من أسرع المعدلات في التاريخ، مع وجود نسبة كبيرة من شيخوخة السكان في بلد ما، يزداد الطلب على الخدمات الاجتماعية مقابل ترك فجوات في القوة العاملة، الأمر الذي يخلق مشكلة اقتصادية تدفع البلدان لتخفيف حدتها عن طريق قبول اللاجئين.

في الولايات المتحدة، أشارت التقديرات الأخيرة إلى أنه بحلول عام 2030، سيكون 20.3% من السكان أكبر من 65 عامًا، وفي عام 2015، كان 49.7% فقط من السكان المولودين في البلاد في سن العمل مقارنة بـ77.1% من السكان اللاجئين، ما يسمح لهم بشغل فراغ الوظائف التي أخلاها كبار السن من الأمريكيين، والمساعدة في تقليل الضغط المتوقع الذي سيضعه هذا على القوى العاملة وبرامج الاستحقاقات.

ألمانيا تواجه مشكلة مماثلة، إذ يتقاعد ملايين الألمان كل عام مقابل قلة في أعداد الشباب الذين يأتون ليحلوا محلهم، ففي عام 2015 وحده، قبلت ألمانيا مليون مهاجر ولاجئ، ثلثهم تحت سن الـ25، من خلال بعض المساعدة فيما يتعلق بالتدريب على العمل، يمكن لهؤلاء اللاجئين استبدال العمال المتقاعدين.

عندما يتم موازنة القوى العاملة المتراجعة من خلال اللاجئين الشباب، يمكن للاقتصاد أن يظل قويًا ويوفر الخدمات الاجتماعية الضرورية للسكان الأكبر سنًا ويساعد اللاجئين المرحب بهم على الاندماج في بيئة العمل، فعلى سبيل المثال، بحلول أكتوبر/تشرين الأول عام 2018، أصبح ما يقرب من 35% من اللاجئين في ألمانيا منذ عام 2015 موظفين، 50% منهم يعملون في وظائف تتطلب مهارات.

هل يشكل اللاجئون عبئًا اقتصاديًا؟

على عكس الخوف المعتاد من أن يسلب اللاجئون وظائف السكان الأصليين ويدمرون الاقتصاد ويشكلون عبئًا على دافعي الضرائب، تشير الأدلة إلى أنهم أكثر قابلية لخلق وظائف من مجموعات المهاجرين الأخرى أو المواطنين المولودين في البلاد.

على سبيل المثال، في عام 2001، بدأ هارون مختار زاده، وهو لاجئ من أفغانستان، شركة "شبكات" أو "Webs"، وهي شركة لتصميم مواقع الإنترنت، مع أشقائه، وبعد عشر سنوات، تمكن من بيعها لشركة "فيزتابرنت" (Vistaprint) مقابل 117.5 مليون دولار.

في عام 2015، كانت الولايات المتحدة موطنًا لـ180 ألف رائد أعمال لاجئ، وهذا يعني أن 13% من اللاجئين يأتون على قائمة رواد الأعمال، مقارنة بـ11.5% من المهاجرين الآخرين، و9% فقط من السكان المولودين في البلاد، كما أنتجت أعمال اللاجئين 4.6 مليار دولار من دخل الأعمال في ذلك العام، ويمكن التعبير عن ذلك بقول خبير الهجرة إيان غولدن: "غوغل لا وجود له من دون سيرجي برين الذي كان لاجئًا".

خلصت ورقة بحثية للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) إلى وجود أثر اقتصادي واجتماعي كبير للاجئين على البلدان المضيفة النامية، ففي حين أدى اللجوء إلى تدهور البيئة، وزيادة الضغط على الموارد الطبيعية والمحلية والخدمات والمشاكل الأمنية، يُلاحظ أيضًا أن اللاجئين يساهمون في الاقتصادات المحلية أكثر من ذلك عندما يتم منحهم الفرصة ليصبحوا أعضاءً منتجين في المجتمع.

يُلاحظ أن اللاجئين يساهمون في الاقتصادات المحلية أكثر من ذلك عندما يتم منحهم الفرصة ليصبحوا أعضاءً منتجين في المجتمع

من خلال المشاركة في القوى العاملة وخلق وظائف جديدة، رفع اللاجئون متوسط ​​الدخل للعديد من البلدان المضيفة، ففي الولايات المتحدة مثلًا، تميل مداخيل اللاجئين إلى أن تكون أكبر بكثير من متوسط السنوات الخمسة الأولى التي أعقبت إعادة التوطين، ففي غضون أول 25 سنة، تضاعف متوسط ​​دخلهم ثلاث مرات إلى 67 ألف دولار.

بالإضافة إلى الفوائد الاقتصادية التي توفرها زيادة دخل اللاجئين، فإنها تمنح اللاجئين أيضًا إحساسًا بإنجاز الأهداف والاستقلال المالي، ومن خلال تحسين حياتهم، يمكن للاجئين تحقيق فوائد اقتصادية تعمل أيضًا على تحسين حياة سكان بلدهم الجديد، لذلك، فإن استضافة اللاجئين تعود بالفائدة على جميع المعنيين.

أظهرت دراسة عن الأثر الاقتصادي للاجئين في أوروبا أنه في غضون عامين فقط من زيادة تدفق اللاجئين، أصبح الاقتصاد في البلدان الـ15 التي شملتها الدراسة أكثر تعافيًا، وانخفضت نسبة البطالة، حيث ولَّد اللاجئون طلبًا على البضائع وخلقوا فرص عمل ودفعوا الضرائب.

وفقًا لتحليل بيانات 30 عامًا (من 1985 إلى 2015) لهذه الدول التي شهدت ارتفاعًا مفاجئًا في طلبات اللجوء، يفيد اللاجئون الذين يبحثون عن ملاذات وفرص آمنة اقتصادات الدول المضيفة، ما يمكنهم من تعويض تكلفة الدعم الحكومي الذي يحتاجونه عند وصولهم.

صورة
لاجئ سوري يعمل في منشأة لإصلاح القطارات بألمانيا

وتدحض نتائج الدراسة بعض التحليلات التي تتحدث عن التكاليف الاقتصادية والاجتماعية قصيرة المدى للاجئين الذين يتدفقون عبر الحدود - بما في ذلك أولئك الذين قدموا مؤخرًا من سوريا - ويشكلون عبئًا اقتصاديًا مفرطًا على الدولة من خلال التهام الموارد العامة، ويتسببون في انخفاض أجور السكان الأصليين، ويهددون ثقافة السكان الأصليين.

الدراسة أظهرت أيضًا أن النشاط الاقتصادي يفوق بكثير التكاليف الحكومية للوافدين الجدد، ويمكن تفسير ذلك جزئيًا من خلال حقيقة أن اللاجئين يميلون إلى أن يكونوا من الشباب والبالغين في منتصف العمر، الذين يعتمدون على إعانات الدولة بشكل أقل من كبار السن.

وبالمثل، وجد تقرير لمؤسسة "Tent" لعام 2016 أن كل يورو في الاتحاد الأوروبي يُستثمر في برامج دعم اللاجئين أنتج 2 يورو من العائدات على شكل فوائد اقتصادية، وهو ما سمح للبروفيسور هيبوليت دي ألبس الخبير الاقتصادي في كلية باريس للاقتصاد بالقول: "إذا لم ترحب بالمهاجرين، فقد يكون الاقتصاد أسوأ حالًا".

قصة نجاح.. السوريون نموذجًا

يكثر الحديث بشكل سلبي مؤخرًا عن تأثير اللاجئين السوريين على اقتصادات الدول المضيفة، عبر خطاب إعلامي يرمي بمشكلات المعيشة وغيرها من جوانب الحياة على وجود السوريين إلى إجراءات حكومية تضيق الخناق عليهم، مرفقة بتصريحات لمسؤولين، بل رؤساء دول في بعض الأحيان، يلمحون خلالها إلى وجود اللاجئين عندما يتعلق الأمر بأزمات المعيشة.

في السنوات العشرة الأخيرة، صار اللجوء ملازمًا للسوريين، فنحو 6 ملايين لاجئ سوري، معظمهم في دول الجوار، يعانون ظروفًا صعبة، ويحاولون وسط كل ذلك بناء حياة ومستوى جديد لهم ولأبنائهم رغم الضغوط الاقتصادية، وأينما حلوا حملوا معهم وطنهم، وحوَّلوا دون أن يشعروا الأماكن التي يعيشون فيها إلى ما يشبه حاراتهم وشوارعهم.

نجاح اللاجئين السوريين في مصر رغم ظروف الحرب والهجرة واللجوء التي عاشها بلدهم، وتحقيقهم أرباحًا وُصفت بالهائلة، دفع البعض لاتهامهم بالمضاربة أو تخريب القواعد بين التجَّار

في مصر، يشكل السوريون أكبر جالية عربية بعد أن وصل تعدادهم إلى أكثر من نصف مليون نسمة بحسب الإحصاءات الرسمية، ولم يُعزل هؤلاء في مصر في مخيمات على غرار العديد العديد من دول الجوار المصري، بل دُمجوا في المجتمع المصري، فأصبحوا جزءًا منه وشكلوا أحد دعائم الاقتصاد في مصر.

استطاع السوريون تأسيس مئات الشركات والمحال بتكلفة تُقدَّر بمئات الملايين من الجنيهات، وحوَّل بعضهم في منطقة السادس من أكتوبر شرق القاهرة حيًا كاملًا إلى ما أشبه بحارة دمشقية، وتركزت مشاريعهم في مجال المأكولات والحلويات السورية والمقاهي والملابس الجاهزة، وأسهمت هذه المشروعات في توفير فرص عمل للمصريين والسوريين على حد سواء.

نجاح اللاجئين السوريين في مصر رغم ظروف الحرب والهجرة واللجوء التي عاشها بلدهم، وتحقيقهم أرباحًا وُصفت بالهائلة، دفع البعض لاتهامهم بالمضاربة أو تخريب القواعد بين التجَّار، فقد نجح السوريون في مشاريع تفوقوا فيها على المصريين، ليضربوا بذلك مثالًا للاندماج في المجتمعات المضيفة.

وفي تركيا التي تستضيف نحو 4 ملايين لاجئ سوري، بدأ بعضهم بمشاريع صغيرة مكَّنت البعض من النجاح بشكل نسبي، فقد استقبلتهم المدن التركية ووفرت تسهيلات كبيرة لأصحاب الأموال السوريين لنقل شركاتهم ومشاريعهم وأموالهم إلى المدن التركية.

أظهرت الأبحاث التي أجراها البنك الدولي أنه اعتبارًا من عام 2015، رفع اللاجئون السوريون في تركيا  - ومعظمهم ليس لديهم تصاريح عمل رسمية - متوسط الأجور في البلاد من خلال خلق وظائف رسمية خارج قطاع الزراعة، وساهموا في زيادة متوسط ​​أجور العمال الأتراك.

ألمانيا أيضًا استقبلت مئات الآلاف من اللاجئين السوريين، وفي مواجهة نقص العمال المؤهلين، أنشأت العديد من الشركات الألمانية برامج تدريب اللاجئين، ما منحهم فرصة عمل وقوة عاملة أقوى للشركات

تتوافق هذه الصورة أيضًا مع الحالة الأردنية بسبب مجاورة الأردن لسوريا وموقعه كسوق مفتوح على مناطق أخرى بعد إغلاق الحدود السورية، حيث لم تزدد البطالة في المناطق التي أعيد توطين السوريين فيها، ويميل العمال السوريون إلى إيجاد عمل في القطاعات منخفضة المهارات التي يتجنبها الأردنيون عادة.

أصبح اللاجئون المستثمرون صورة أخرى من صور اللجوء السوري، فقد استقبل الأردن رجال أعمال ومستثمرين سوريين دفعتهم الحرب في بلدهم للبحث عن بيئة مناسبة للاستثمار تتمتع بالأمان والاستقرار، لتكون النتيجة استثمارات للاجئين تُقدَّر بأكثر نصف مليار دولار في قطاع الصناعة منذ عام 2011، فيما بلغ عدد الشركات المسجلة للمستثمرين السوريين نحو 5 آلاف شركة، هذه الاستثمارات وفرت فرص العمل لآلاف اللاجئين والمجتمعات المضيفة.

ألمانيا أيضًا استقبلت مئات الآلاف من اللاجئين السوريين، وفي مواجهة نقص العمال المؤهلين، أنشأت العديد من الشركات الألمانية برامج تدريب اللاجئين، ما منحهم فرصة عمل وقوة عاملة أقوى للشركات، ومكَّن بعضهم من كتابة قصص نجاح ترويها وسائل الإعلام الألمانية نفسها.

صورة
نجح اللاجئون السوريون في مشاريع تفوقوا فيها على سكان الدول المضيفة

وفي لبنان، الذي يستضيف أكبر عدد من اللاجئين السوريين نسبةً إلى عدد السكان، يُنظر إلى اللجوء باعتباره العامل الأبرز الذي سارع في تدهور الاقتصاد اللبناني، وأصبح اللاجئون السوريين مادة دسمة للساسة الذين ربطوا ارتفاع معدل الجرائم والأمراض والبطالة باللجوء.

تثبت الأرقام عدم صحة هذه الادعاءات، فوسط توقعات بأن يمثل اللاجئون السوريون مخرجًا واعدًا من أزمة لبنان الاقتصادية، أكد تقرير الجامعة الأمريكية في بيروت أن غالبية الشباب اللاجئين يعملون في البناء والزراعة وخدمات أخرى، فيما لم تتجاوز نسبة السوريين الذين وجهت لهم تهم ارتكاب جرائم الـ5%، ويتلقى اللاجئ السوري 27 دولارًا أمريكيًا فقط كل شهر.

ومع تنامي الخطاب المعادي للاجئين السوريين حول العالم، لا يجد الملايين منهم بدًّا من إرسال مبالغ مالية لعائلاتهم داخل سوريا، نظرًا للظروف الاقتصادية الصعبة، وهو ما جعل سوق الحوالات سوقًا مجديًا لكل العاملين فيه أو أصحاب السلطة عليه، كما يحصل مع شركات الصرافة والحوالات التي باتت من أكبر الشركات وأكثرها شهرة بسبب هذه الحوالات التي يأتي أغلبها من الدول - السابق ذكرها - التي حقق فيها اللاجئون السوريون نجاحًا غير مسبوق.

بالطبع كل هذا لا يعني أن التعامل مع تدفق اللاجئين لا يمثل تحديًا للبلد المضيف، فالضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المرتبطة بتدفق اللاجئين كانت ولا تزال تشكل تحديات رئيسية لجيران سوريا، لكن هؤلاء الجيران أظهروا لدول الاتحاد الأوروبي الأكثر ثراءً أنه لا داعي لأن تكون هناك تكاليف اقتصادية مرتبطة بالوفاء بالالتزامات الأخلاقية لمساعدة الفارين من الحروب.