الصورة: من الصفحة الأولى لعدد اليوم 12 نوفمبر 2014 من صحيفة الأخبار اللبنانية

في 11 نوفمبر من العام 2009 أصدرت الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية نتائج مؤاشرات معدلات الفساد في لبنان، حيث جاء لبنان في المرتبة 130 من 180 دولة في أكثر الدول التي يتنشر بها الفساد، وحصلت على درجة 2.5 من 10 في معدلات الشفافية.

هذه النتيجة ليس مبالغًا فيها، فقد ثبت المؤشر ذاته في السنوات اللاحقة، إذ يبدو أن الفساد تحول إلى جزء من العادات والتقاليد في لبنان، هكذا صرح وزير العدل اللبناني السابق "شكيب قرطباوي" لوكالة الأناضول التركية متحدثًا عن محاربة الفساد في دولة لبنان.

فقد ظهر الفساد بصوره الجلية في لبنان بعد انتهاء 15 عامًا من الحرب الأهلية أتت على الأخضر واليابس وخلفت مؤسسات مهترئة تعتمد على عدم الشفافية وتُعلي من قدر المحسوبية والرشوة في بلدٍ يعاني من مشكلات سياسية داخلية وتأثرًا واضحًا من المتغيرات الإقليمية.

فكل شيء في لبنان متاح للبيع قانونيًا أو غير قانوني كان، فترخيص قيادة السيارة متاح دون أن تتعلم القيادة مادمت ستدفع، حتى وإن رسبت في أحد الامتحانات فإنها ليست مشكلة بالمرة مادمت قادرًا على الدفع في ظل غياب الرقابة الحكومية على المصالح والهيئات حتى طال الفساد حياة المواطن اللبناني العادي خارج إطار المؤسسات الحكومية.

نشرت جريدة الأخبار اللبنانية عنوانًا مروعًا لكافة اللبنانيين نقلًا عن وزير الصحة اللبناني الذي صرح أن بعض العينات التي أُخذت من كافة المطاعم في كل المناطق اللبنانية تبين أن بها "براز للبشر ومياه للصرف الصحي"، هذا التصريح ليس مجازيًا بل هو ما صرح به "وائل أبو فاعور" وزير الصحة اللبناني في أول الاعترافات الحكومية بكارثة غذائية بسبب تراخي الأجهزة المعنية في الإشراف على المطاعم، بالرغم من تكدس الشكاوى والتقارير التي تؤكد هذه الكارثة من قبل، حيث إن مرتكيبها معروفون لدى المتخصصين في مجال الأغذية لكن لم يتخذ ضد مؤسساتهم أي إجراء.

كشفت العينات التي أُخذت من المطاعم على وجود السالمونيلا في اللحوم وكذلك إيكولاي وبكيتريا متعددة الأنواع داخل اللحوم في هذه الأماكن، والمدهش في الأمر أن هذا ليس لمطاعم مغمورة أو مطاعم ليست مرخصة وإنما لسلاسل مطاعم بعضها منتشر حول العالم.

حتى إن اللبنانيين يتساءلون ماذا وأين نأكل؟ حيث لا توجد ثقة في الشارع اللبناني الآن بعد هذه القضية التي تشغل الرأي العام؛ ما أدى لاندلاع فوضى في السوق اللبنانية بظهور الكثير من الشائعات مع ارتفاع جنوني في الأسعار.

الطاعم الفاسد حاضر على موائد السياسة أيضًا

ذكرت صحف لبنانية أن زوجة مرجع سياسي كبير في لبنان قد أصيبت بتسمم جراء تناول أطعمة فاسدة، وهو ما حدث مرة أخرى حينما تسمم عدد كبير من رموز سياسية على مأدبة عشاء رسمي من المفترض أنه "فاخر".

ما دعى الحكومة أن تتحرك بعدما طالها أذى بسيط مما يتناوله المواطن اللبناني ليل نهار؛ فشهدت السوق اللبنانية تحركًا لوزارة الاقتصاد والتجارة أدى إلى ضبط 70طنًا من اللحوم الفاسدة، تلاها الإعلان عن الكشف عن المئات من الأطنان في مستودعات فاسدة تباع بأثمان زهيدة دون أية تراخيص.

أما عن حماية المستهلك  فهذه الحماية غائبة دائمًا، حيث صرح وزير الاقتصاد أنهم في طريقهم لتشديد القانون وطرحه على وزارة العدل وحتى حينه سيظل اللبنانيون غارقين في بحور من اللحوم الفاسدة.

تبرر الحكومة لذاك بعملية سوء التخزين حتى تلقي عن كاهلها مسئولية الرقابة على جودة اللحوم المستوردة من الخارج، التي لطالما دافع عنها وزير الزراعة اللبناني قائلاً إن الفساد ليس من الاستيراد وإنما من سوء التخزين لدى التجار في الداخل.

وفي إطاحة لهذا التبرير من مسئول آخر تحدث ببعض الشفافية وهو رئيس غرفة بيروت للصناعة والتجارة، يقول إن الحل الوحيد هو القضاء على مافيا الموانئ والفساد المنتشر بها، وكذلك على المعابر الحدودية لمنع دخول الأغذية الفاسدة، وضبط الفساد في المختبرات الحكومية المعنية بفحص الأغذية ووضعها تحت رقابة حكومية صارمة.

وفي هذا الصدد اتخذت غرفة بيروت قرارًا بشطب عضوية المؤسسات المسجلة لديها والتي ثبت تورطها في فضيحة اللحوم والأغذية الفاسدة التي انتشرت مؤخرًا.

أما عن حالة الهلع التي انتابت اللبنانيين بشأن قضايا الفساد الغذائي فقد تأثرت حركة التجارة في لبنان بهذه الأحداث وهو الشيء الذي أكده رئيس جمعية تجار بيروت، الذي صرح أن المواطنين في حالة من عدم الثقة الآن وعدم التمييز بين المنتجات الفاسدة والمنتجات السليمة المطابقة للمواصفات؛ ما عاد بالضرر على حركة البيع والشراء بالنسبة لعدة سلع كثيرة أغلبها من المنتجات التي تعتمد على اللحوم؛ مما دعى العديد من المستهلكين إلى اللجوء للخضروات والفاكهة علهم يجدوا فيها أمانًا بعض تراخي الحكومة في حمايتهم من شبح الفساد الذي طال مأكلهم ومشربهم؛ وهو ما أدى بالطبع لارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق نظرًا للإقبال الشديد من الجمهور.

ومن مظاهر الفساد القضائي أيضًا المشارك في هذه الكارثة، حينما يصرح أحد المسئولين عن حماية المستهلك أنه تم ضبط وتحرير محاضر بقيمة 25 مليون ليرة ضد أشخاص ومحلات ومخازن في قضايا فساد أغذية، لكنه تعجب من إفراج القضاء عن بعضهم حتى إن الغرامات التي حُصلت 500 ألف ليرة فقط.

وكذلك واقعة أخرى أُحيلت للنيابة العامة ضد تجار ضبط بمخازنهم أكثر من 170 طن لحوم فسادة وأكثر من 10 طن من الأسماك، وعلم قاضي التحقيق أن أكثر من 100 مؤسسة تتعامل مع هؤلاء التجار ولكن حتى اليوم لم يتم التحذير منها، لمصلحة من؟ لا يعلم ذلك.

ومن جهة المطاعم والفنادق فإنها تؤكد أنها متعاقدة مع شركات لمراقبة سلامة الأغذية ولكنها لم تقم بضبط أي شيء ملوث أو فاسد، فيما تؤكد أنها لن تخاطر بسمعتها بشراء منتجات فاسدة وبيعها للزبائن، ولكن هذا لا ينفي ما حدث من كارثة طبقًا لعينات وزارة الصحة اللبنانية والتي شملت أكثر من 1000 مؤسسة موزعة جغرافيا في لبنان.

مسألة الفساد والرقابة والشفافية هي من مهام الحكومة الرئيسية ولكن يبدو أن السياسيين مشغولون بالمكايدات السياسية، فكان لابد من التدخل الشعبي حيث حملات مكافحة الفساد بطريقة شعبية ساخرة، وذلك عن طريق مقرات لتقديم البلاغات عن وقائع الفساد، وما يعطيك واقعًا صحيحًا عن الفساد في لبنان هو أن هذه الحملة وصل إليها خلال أسبوعين من تفعيلها أكثر من 600 بلاغ عن حالات رشاوى في الإدارات العامة للدولة قدرت بمبلغ 45 ألف دولارًا أمريكيًا.

فقد تخلل الفساد مواطن عدة في لبنان، حتى إنه لم يترك الطعام، ليعلن بذلك أن ما كان ظاهرًا من الفساد ما هو إلا قمة لجبل جليد.

هذا وقد أثارت قضية الفساد الغذائي الأخيرة التي تهدد حياة اللبنانين سخطًا بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي الذين حرصوا على نشر القضية بكثافة في تدويناتهم الخاصة بشكل ساخر  من خلال نشر عنوان تصريحات لوزير الصحة بجريدة الأخبار اللبنانية عن هذه القضية.