خلال السنوات الأخيرة عانت سوريا من أزمات متلاحقة بفعل الحرب الدائرة منها الجوع والتهجير والمخيمات وغير ذلك من الكوارث التي لم تجد طريقًا للحل حتى الآن، لكن من كان يظن أن هذه الحرب ستؤثر على مناخ البلاد ومياهها وجفاف سدودها وأنهارها! فالحرب - بجانب التغير المناخي الذي يحصل عالميًا - أثرت على مياه سوريا، حيث باتت اليوم الكثير من المناطق عطشى دون وجود حلول تقلل من فداحة الخسائر.

وصل الجفاف في سوريا خلال العام المنصرم 2021 إلى ذروته، فأصبحت البلاد وخاصة المناطق التي تعتمد على الأنهار أو روافد الأنهار معرضة للجوع بسبب نقص المياه وبالتالي نقص المساحة المزروعة وقلة الإنتاج ذي المردود الاقتصادي، ويلي ذلك فقر يؤدي إلى الجوع، لكنها ليست المرة الأولى التي تعاني فيها البلاد من هذا الجفاف وإن كان بنسب أقل، فقد ضربت سوريا 3 موجات جفاف منذ عام 1980، جاءت أشدها بين عامي 2006 و2010.

أوضح تقرير لوكالة ناسا الأمريكية أن الجفاف الذي بدأ عام 1998 ويستمر حتى الآن في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط التي تضم سوريا ودول أخرى، من المحتمل أن يكون الأسوأ خلال القرون التسع الماضية. الجدير بالذكر أنه في عام 2021 وصلت معدلات هطول الأمطار في سوريا إلى 140 ملم، وبمقارنتها بما سبقها من أعوام فإنها نسبة منخفضة، فقد كان المعدل فيما سبق يقف عند حدود 400 ملم.

الأزمة الكبرى منذ 70 عامًا

أفادت وزارة البيئة والإدارة المحلية التابعة للنظام السوري، أن سوريا تعاني من آثار تغيّر المناخ، إذ إنها تتعرض لأسوأ موجة جفاف منذ 70 عامًا، وأوضحت الوزارة في تصريحات لصحف موالية للنظام السوري أن "الحد من توافر المياه بسبب التغيرات المناخية سوف يؤدي إلى تقليص الإنتاجية الزراعية الحاليّة، وبالتالي يهدد الأمن الغذائي في سوريا، وعليه لا بد من تبديل أنواع المحاصيل وإدخال التقنيات التي تسمح باستعمال المياه للري بفاعلية أكبر، وهناك أيضًا تأثيرات سلبية على الزراعة نتيجة تغير معدلات وأوقات موجات الحرارة، فزيادة الحرارة تزيد من معدلات تآكل التربة وتقلل من إمكانية زراعة المناطق الهامشية".

وفي نهاية شتاء العام الماضي أعلنت حكومة نظام الأسد أن البلاد تواجه "أخطر عام من ناحية انخفاض معدلات الهطل المطري والجفاف والتغيرات المناخية منذ العام 1953، لأنه جاء على جميع المحافظات"، وقال وزير الزراعة في حكومة النظام، محمد حسان قطنا، في تصريحات إذاعية محلية: "انخفاض معدل الهطولات المطرية أدى إلى انخفاض كميات المياه المخزنة في السدود إلى نسبة 52%، وانخفاض المياه الجوفية إلى حدود حرجة، وخروج المساحات المزروعة بعلاً وعدم وصولها إلى مرحلة الإنتاش (الإنبات)، وبالتالي خسارتها".

أدى الجفاف الحاصل في سوريا إلى التفكير الجدّي بالنزوح للعائلات التي تعيش على الزراعة، فبعد انقطاع المياه عن الكثير من القرى باتت الحالة صعبة، وفي السياق توقعت تقارير دولية أن يؤدي الجفاف في سوريا وخاصة في شمال شرق البلاد إلى موجات نزوح داخلي بشكل مستقل عن النزوح المتعلق بالأعمال العسكرية، وهو ما يبدو غير ممكن في الوضع الحاليّ بسبب توزع قوى السيطرة واشتعال المعارك والقصف بين الفينة والأخرى.

إذًا يعتبر الجفاف صعبًا هذه الأيام وذلك بسبب اختلاف توزع السيطرة العسكرية للمناطق الجغرافية، أضف إلى ذلك أن الكثير من العوائل تريد الخروج من سوريا وهذا أمر صعب جدًا، ولعل هذا النزوح يذكر بما حصل عام 2009 حين نزح عشرات الآلاف من شمال شرق سوريا إلى مناطق أخرى في سوريا أو لبنان.

تزداد معاناة الأهالي نتيجة الجفاف الحاصل، إذ أكدت التقارير ارتفاع حالات الإصابة بداء اللشمانيا نتيجة تحول بعض البحيرات ومصادر المياه إلى مستنقعات في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا، وقال عيسى خلف مدير الصحة في المحافظة: "لاحظت المديرية ارتفاعًا كبيرًا في عدد الإصابات بمرض اللشمانيا، نتيجة لتحول الأنهار إلى شبه مستنقعات بسبب الجفاف الذي أصابها العام الماضي، إضافة لعدم رش المناطق بالمبيدات الحشرية"، وأكد أن 6000 شخص مصاب راجعوا المراكز الصحية بالمحافظة في الشهور الأخيرة من عام 2021.

كانت 13 مجموعة إغاثة قد حذرت من أن أكثر من 12 مليون شخص في سوريا والعراق يفقدون إمكانية الوصول إلى المياه والغذاء والكهرباء، وهناك حاجة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لمكافحة أزمة المياه الحادة، وقال المجلس النرويجي للاجئين في تقرير له إن أكثر من 5 ملايين شخص في سوريا يعتمدون بشكل مباشر على مياه نهر الفرات.

ويواجه سدان في شمال سوريا يخدمان 3 ملايين شخص بالكهرباء إغلاقًا وشيكًا، حيث شهدت التجمعات السكانية في الحسكة وحلب والرقة ودير الزور، بما في ذلك النازحون في المخيمات، ارتفاعًا في تفشي الأمراض المنقولة بالمياه مثل الإسهال، منذ انخفاض منسوب المياه، وفقًا لـ"تليفزيون سوريا".

وفي تصريحات تليفزيونية قال سلمان بارودو الرئيس المشترك لهيئة الاقتصاد والزراعة في "الإدارة الذاتية" شمال شرق سوريا: "حال استمر الجفاف الذي بدأ منذ العام الماضي يضرب شمال شرقي سوريا فنحن نسير نحو كارثة بيئية قد تضرب المنطقة التي تعتمد 80% على الزراعة، ما سيؤثر سلبًا وبلا شك على الواقع الاقتصادي والتجاري والزراعي والاجتماعي وصولًا إلى الوضع الأمني والإنساني".

ويضيف بارودو "انقطاع الأمطار وانخفاض منسوب نهر الفرات الذي يعتبر المصدر البديل للأراضي الزراعية المروية شمال شرقي سوريا كانا عاملين مترادفين لتعميق الأزمة، إضافة لانخفاض منسوب نهري البليخ والخابور الواقعين في الرقة والحسكة، ما دفع الأهالي للاستخدام الجائر للآبار، وبالتالي انخفض منسوب المياه الجوفية وازدادت ملوحتها ولم تعد صالحة للشرب مما زاد من تعاسة الأمر وقلل خيارات الحل".

جفاف السدود

أثر الجفاف الحاصل في سوريا على السدود التي تخدم عدة مناطق في سوريا، ولعل أبرز السدود التي طالها الجفاف سد الدويسات الواقع في منطقة دركوش بريف إدلب وباتت البحيرة التي يقام عليها السد أشبه بمستنقع وفقًا لما نقلت "فرانس برس"، وقال المهندس المسؤول عن السد ماهر الحسين: "إنها المرة الأولى التي تجف فيها مياه السد منذ بنائه عام 1994"، مضيفًا "بسبب الجفاف وقلة الأمطار بات بإمكاننا اليوم أن نمشي سيرًا على الأقدام في جسم البحيرة"، مشيرًا إلى أن قاربًا كان يستخدمه السكان للتنقل بين ضفتي البحيرة، غرق فيها وعاد للظهور مؤخرًا بعد جفاف مياهها.

بدوره ذكر مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية "أوتشا" أن "مياه نهر الفرات تعد الأزمة الأولى في سوريا وسط توقعات بالجفاف"، مشيرًا إلى أن "سوريا حاليًّا تحتل المرتبة السابعة على مؤشر المخاطر العالمي ضمن 191 دولة الأكثر عرضة لخطر الكوارث الإنسانية أو الطبيعية التي يمكن أن تطغي على القدرة على الاستجابة".

ويحذر خبراء وتقنيون، من أن انحسار مياه الفرات وأزمة الجفاف قد تهدد سير العمل في السدود المقامة على النهر، فمن الممكن أن يؤدي انهيار عمل السدود إلى انقطاع المياه والكهرباء عن ملايين السكان، وبالتالي زيادة معاناة الشعب وانهيار اقتصادي حاد.

في السياق، يقول الخبراء إن الحرب أثرت على سوريا من ناحية الجفاف، فتم تدمير الكثير من مرافق المياه الصالحة للشرب، كما تعذرت عمليات الصيانة الخاصة بمحطات ضخ المياه إضافة إلى نقص الأيدي العاملة والخبيرة بسبب الهجرة والتهجير القسري.

كما تم تدمير وتعطيل محطات الكهرباء وبالتالي توقف ضخ مياه الشرب لمناطق كثيرة، ويشير المختص في قضايا البيئة زاهر هاشم، إلى توقف محطات معالجة مياه الصرف الصحي الذي أدى إلى تلويث التربة والمياه الجوفية، فأصبحت غير صالحة للشرب أو الاستخدامات المنزلية والري، كما أدت الأعمال العسكرية إلى تدمير واحتراق التربة الصالحة للزراعة وتلوثها بالمواد الكيماوية من مخلفات الأسلحة التقليدية والمتفجرات.

أزمات متراكبة تحل على السوريين خلال السنوات الماضية، ولا يوجد حل لأي مشكلة كانت، كما أنه لا توجد مبادرات جدّية للتفكير في حل هذه الأزمات التي باتت مأساةً مزمنةً لا علاج لها، ويتعامل معها المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية عن طريق المسكنات والمهدئات، وليس آخر هذه الأزمات الجفاف وإن كان أشدها وطأةً حاضرًا ومستقبلًا.