تاريخيًّا، كان لتركيا -العثمانية والعلمانية- ما تفعله دومًا في الجانب الآخر من البحر الأسود، سواء من حيث النفوذ المسلم في القرم، وما بعدها في أوكرانيا، أو من خلال الاصطدام المباشر مع روسيا القيصرية في حرب القرم عام 1856، والتي أنهت فيها الطموحات الروسية باتجاه الغرب على يد العثمانيين، وللمفارقة بمساعدة بريطانية فرنسية.

حتى خلال الحرب الباردة أيام الناتو، كانت تركيا جزءًا من مشروع الناتو في مواجهة المعسكر الشرقي، كما حصل في الأزمة الكوبية التي كان يقابلها الصواريخ الأمريكية في تركيا، لكنها هذه المرة تنتهج نهجًا جديدًا، وهو وضع قدم شبه دائمة قرب روسيا، تمامًا كما فعلت روسيا قرب تركيا.

الحقائق على الأرض: شعرة معاوية مع روسيا

نادرًا ما كانت دول الشرق الأوسط عاملًا مؤثِّرًا في الأحداث الدولية، قد تكون مسرحًا للأحداث لكن القوى العظمى هي من تقرر بالعادة، ويظن البعض أن الأمر اختلف الآن مع الأزمة الأوكرانية، ودخول الحرب منعطف الحروب غير النظامية، لكن الوقائع على الأرض تقول غير ذلك.

مبدئيًّا، هناك 3 دول يمكنها التأثير على الموقف الروسي أو تكون طرفًا فاعلًا في المعادلة: إيران، تركيا و"إسرائيل".

من وجهة نظر طهران، يمنع الاعتماد الدبلوماسي والاقتصادي على روسيا تقريبًا أي اعتراض على تهديداتها الجديدة ضد دولة أخرى، حيث وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية أو الخاضعة للرقابة ليس لديها الكثير لتقوله عن الأزمة الأوكرانية، حتى لو كانت تتحدث ببلاغة عن "الاعتداءات" الأمريكية.

ثمة مثال متطرف عن سياسة "الريال السياسي" الإيرانية، فقد تجاهلت وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية نشر أخبار عن أوكرانيا، لكنها صدّرت هذا العنوان: "خبير تشيلي: التحالف الإيراني الصيني الروسي سينهي هيمنة الغرب!".

أما تل أبيب، فالحديث عنها يمتدّ إلى الحديث عن الغاز الذي يمكن توفيره كبديل للغاز الروسي، لكن الغاز الإسرائيلي وكل غاز الشرق الأوسط ليس سوى قطرة في بحر، كما يقول الباحث في معهد واشنطن ومدير برنامج الطاقة فيه سايمون هندرسون، حتى لو كان الأمر ممكنًا من الناحية الفنية في الوقت الحاضر، وهو ليس كذلك.

على أي حال، إن "إسرائيل" حذرة للغاية، لأسبابها الاستراتيجية الخاصة، من استعداء روسيا، ومن الواضح أن الدوريات الجوية الروسية السورية الجديدة مصمَّمة لتعزيز هذه الرسالة التحذيرية.

أما تركيا، فهي وإن كانت لا تملك المقومات الكافية لتكون طرفًا وحيدًا في وجه روسيا -وهي لا تريد ذلك على أي حال-، إلا أن لديها الدوافع لتكون طرفًا رئيسيًّا لحلّ الأزمة، بما ينهيها بموقع تركي جديد ثابت في شرق أوروبا.

لا يخفى أن الوجود الروسي المحاذي لتركيا في سوريا أرّق السياسة التركية كثيرًا، وجعل الكثير من أوراق الملف السوري بيد روسيا، وتركيا بطبيعة الحال لا تريد أن تكون الطرف الأضعف أمام روسيا ولا حتى في الناتو، وبالتالي الأرض الأوكرانية أكثر من جاهزة الآن لموطئ قدم تركية، خاصة بعد ابتعاد أغلب الدول الأوروبية عمليًّا عن الأزمة، بسبب إمدادات الغاز الروسية التي يمكنها إدخال أوروبا في شتاء قارس.

بعد عام 2014، عندما ضمّت روسيا شبه جزيرة القرم، رفضت تركيا تنفيذ عقوبات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على روسيا.

في الوقت ذاته، لا تعتمد تركيا على الغاز الروسي بشكل كامل، فهي تستورد الغاز من 3 دول: أذربيجان وإيران وروسيا، إضافة إلى الجزائر ونيجيريا، وعقدت مؤخرًا اتفاقية مع أذربيجان لتوريد غاز يصل إلى 11 مليار متر مكعب سنويًّا لمدة 3 سنوات.

بالتالي لديها المساحة الكافية للتدخُّل من أجل حلّ الأزمة وكسب تموضع استراتيجي جديد لا يؤدّي إلى أزمة مع روسيا، لأن حدود الخلاف -إلى حدّ القطيعة- مع روسيا له عواقبه الوخيمة أيضًا، ويقول سنان أولجن، الدبلوماسي التركي السابق: "لا يمكن لتركيا أن تختار بين روسيا وأوكرانيا، لأن تركيا تعمل مع روسيا في مسارح أخرى لا تريدها أن تنهار".

تعمل تركيا عسكريًّا مع روسيا في عدد من النزاعات؛ حيث في سوريا، تنسّق تركيا وروسيا الدوريات العسكرية المشترَكة واتفاقيات وقف إطلاق النار، في رقصة شديدة التعقيد، حيث تلتقي القوات الحكومية الأمريكية والإيرانية والكردية والسورية بشكل متكرر.

في ليبيا، دعمت تركيا حكومةً معترفًا بها من الأمم المتحدة في حالة حرب مع مجموعات تدعمها روسيا، وتعتمد تركيا أيضًا على روسيا اقتصاديًّا، حيث يجلب ملايين السياح الروس العملات الأجنبية التي تشتدُّ الحاجة إليها كل عام إلى البلاد، وتعتمد أنقرة بشكل كبير على الغاز الطبيعي من المورِّدين الروس.

هناك أيضًا تداعيات حقيقية جدًّا على جغرافية تركيا: بموجب اتفاقية مونترو لعام 1936 يجب ضمان الوصول إلى البحر الأسود ليس فقط للسفن البحرية الروسية، ولكن أيضًا لأولئك الذين سينتهي بهم الأمر على الجانب الآخر في الحرب، بما في ذلك أوكرانيا ورومانيا وبلغاريا.

خلال الـ 20 عامًا الماضية، وقفت تركيا مع روسيا ضد الناتو في كثير من المواقف، تفهُّمًا لهذه العلاقة الحساسة؛ فخلال التدخل الروسي عام 2008 في منطقتَي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا بجورجيا، رفضت تركيا رفع القيود المفروضة على حجم وعدد السفن الحربية الأمريكية التي ستسمح لها عبر مضيق البوسفور بدخول البحر الأسود ومواجهة روسيا.

كان هذا رغم حقيقة أن تركيا عضو زميل في الناتو، وقد دعمت برامج لتدريب وتجهيز القوات المسلحة الجورجية من قبل الحلف؛ وبعد عام 2014، عندما ضمّت روسيا شبه جزيرة القرم، رفضت تركيا تنفيذ عقوبات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على روسيا، ومنذ ذلك الحين رفضت أنقرة، إلى جانب حلفائها في الناتو، الاعتراف بالضمّ الروسي، لكنها لم تنفّذ حتى الآن تلك العقوبات أحادية الجانب على موسكو بسبب الاحتلال.

قدم في أوكرانيا وعين في الناتو

للوهلة الأولى، يبدو التدخل التركي في هذا الملف كبيرًا، وهو كذلك، حيث بعد الزيارة الأخيرة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى أوكرانيا، توسّع حجم العلاقات الاستراتيجية بين البلدَين، إذ إن الاتفاق يمكّن المصانع الأوكرانية من إنتاج طائرات من دون طيار تركية تمَّ نشرها بالفعل في حرب أوكرانيا ضد المتمردين المدعومين من روسيا في منطقة دونباس الشرقية.

كما وقّعت تركيا وأوكرانيا سلسلة من الاتفاقيات، بما في ذلك اتفاقية التجارة الحرة التي تقول كييف إنها ستعزِّز التجارة الثنائية السنوية إلى حوالي 10 مليارات دولار على مدى 5 سنوات، التي تشكّل 7 مليارات دولار الآن، كما تملك أوكرانيا الآن بالفعل 20 طائرة من طراز بيرقدار تي بي 2، وأعلنت الحكومة الأوكرانية أنها تخطِّط لشراء 24 مسيَّرة مقاتلة تركية أخرى في الأشهر المقبلة.

أثار استخدام القوات الأوكرانية طائرة تي بي 2 ضد الانفصاليين المدعومين من روسيا في شرق أوكرانيا غضب موسكو، لكنها كانت رسالة واضحة أن الأتراك الذين سيقابلهم الروس مرة أخرى، لديهم وزن مختلف هذه المرة.

المسيّرات التركية قد لا يمكنها حسم معركة بين روسيا وأوكرانيا بالتأكيد، بسبب فارق القوة النارية بين الدولتَين، لكن بإمكانها قلب الموازين في صراع مع الانفصاليين في دونباس، حيث أثبتت بيرقدار أنها فعّالة في قلب الموازين فيما يتعلق بالحرب غير النظامية، كما حصل في ليبيا التي كادت عاصمتها طرابلس تسقط بيد ميليشيات الجنرال المتقاعد خليفة حفتر.

كما أثبتت أنها قادرة على جلب نصر ساحق في حرب بين قوتَين نظاميتَين كما حصل في الحرب الأذرية الأرمينية الأخيرة، وحتى مع افتراض أن روسيا ستضع كل ثقلها اللوجستي خلف الانفصاليين في دونباس، فإن وضع تركيا لكل ثقلها مع الأوكرانيين -وهي عملية تتمّ بسلاسة في ظل دعم خلفي من الناتو- سيجعل من المواجهة أمرًا مختلفًا بالتأكيد عمّا حصلَ عام 2015.

الموقف التركي من أوكرانيا يأتي إذًا ضمن هذه السلسلة الطويلة من الشدّ والجذب في العلاقة بين روسيا والناتو، وهي جزء من الاستراتيجية التركية بعيدة المدى في كسب دور كبير على الصعيد الدولي، بعدما كانت جزءًا من منظومة الناتو طوال النصف الثاني من القرن العشرين.