ما زالت أطوار الحرب في أوكرانيا تثير يومًا بعد يوم مزيدًا من التكهنات وتحمل في محطاتها المتتالية والمتسارعة مزيدًا من المفاجآت والتطورات، لا سيما بعد الصمود غير المتوقع للجيش الأوكراني في تصديه للغزو الروسي، الذي كان يتطلع لإنهاء العملية العسكرية في غضون 48 ساعة.

فَتحُ الرئيس الروسي الأبواب لمقاتلين سوريين للالتحاق بميدان الحرب في أوكرانيا، يثير تأويلات جديدة لحقيقة الوضع الميداني والنوايا الحقيقية الكامنة وراء إشراك القوات الأجنبية والمتطوعين، لا سيما الشيشانية والسورية في الحرب المفتوحة ضدّ الأوكرانيين، فهل تريد روسيا الرد على تحشيد الأوروبيين للمقاتلين الأجانب ضدها أم أن هناك دلالات ومآرب أخرى؟

لماذا الشيشانيون؟

منذ بدء الاجتياح الروسي لأوكرانيا في أواخر فبراير/شباط، انتشرت صور ومشاهد مشاركة المقاتلين الشيشان أو جيش رمضان قديروف، في العمليات العسكرية ضد أوكرانيا، بشكل لافت خاصة في وسائل الإعلام الروسية، وقد رأينا تلك الصور للمقاتلين الشيشان في أثناء تأديتهم الصلاة وفيها دلالات كثيرة. 

بل وسرت إشاعات مختلفة، منها أن هذه الوحدات الشيشانية كانت مكلفة بمهمات معينة خلال العمليات العسكرية، وهي تصفية كبار القادة العسكريين الأوكرانيين، إلى جانب اغتيال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وكلها مهمات ليست بالسهلة، ما جعل الكثيرين يتساءلون عن سر هذه المشاركة القوية للمقاتلين الشيشان مع الجيش الروسي.

كلمة السر الأولى في قوة المشاركة الشيشانية في الحرب على أوكرانيا، هي الرئيس الشيشاني رمضان قديروف، الذي يعتبر من أكبر حلفاء الرئيس بوتين، بل ومن أكبر معجبيه، فهو الذي لطالما وصف نفسه بـ"جندي مشاة يأتمر بأوامر بوتين".

إلى ذلك هو مدين للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لأنه من جعله يخلف أبيه، المفتي السابق ورئيس الشيشان الروسية أحمد قديروف، ومكنه من رئاسة جمهورية الشيشان عام 2007، بعد أن أقال بوتين الرئيس الشيشاني الموالي لموسكو علي ألخانوف، بسبب خلافه مع رمضان قديروف الذي كان متحكمًا فعليًا في شؤون البلاد، وكان حينها رئيسًا للحكومة الشيشانية. 

فالعلاقة بين الرجلين تاريخية، وكانت تسبقها علاقة قوية مع والده أحمد قديروف الذي تم اغتياله في 9 مايو/أيار 2004، بتفجير كبير في غروزني تابعه الملايين على شاشات التليفزيون، وعلى الفور تم اتهام الانفصاليين بالضلوع فيه.

كما أنّ الجنود الشيشان التابعين لرمضان قديروف الذين يقارب تعدادهم عشرة آلاف جندي، مشهورون بالصلابة والقوة والعنف والرعب، ولا يأبهون كثيرًا بالقانون الدولي، لا سيما خلال معاركهم مع الشيشانيين الانفصاليين المطالبين باستقلال بلادهم نهائيًا عن روسيا.

كما تُشاع الكثير من الاتهامات عن مسؤولية رجال قديروف عن التعذيب وإدارة السجون السرية والقيام بالاغتيالات السياسية ضد المعارضين في الشيشان وخارجها، منها اغتيالات لمعارضين سياسيين روس وصحفيين وغيرهم.

مثل هذه القوات، وبهذا الولاء القوي والأعمى للرئيس بوتين، يبدو أنها مطلوبة جدًا، لأداء مختلف المهمات العسكرية لموسكو، على رأسها الحرب الحاليّة في أوكرانيا.

من جهة أخرى هناك مصلحة خاصة لرمضان قديروف، بالمشاركة في حرب أوكرانيا، وهي تصفية المعارضين الشيشانيين الذين يقاتلون مع الجنود الأوكران ضد الانفصاليين الموالين لروسيا، فهناك قوات شيشانية من الانفصاليين الشيشان معارضي حكم قديروف، يقاتلون منذ تسعينيات القرن الماضي مع القوات الأوكرانية، حيث شاركوها حربها الأولى مع روسيا، وكان على رأسهم القائد الجنرال عيسى منيف ضمن كتيبة "جوهر دوداييف"، وكانت لها مواقف، لا سيما في معارك دونباس، الذي قتل في المعارك عام 2015، وخلفه القائد أوسماييف.

ولئن خفت دور المقاتلين الشيشان مع الجيش الأوكراني منذ مقتل عيسى منيف، إلا أنه عاد اليوم للظهور بقوة مع الغزو الروسي الحاليّ، وبعد إعلان أحمد زكاييف رئيس الحكومة الشيشانية الانفصالية في المنفى، بدء تشكيل فصائل من الشيشانيين المقيمين في المهجر، للمشاركة في القتال ضد الروس مع كتيبة دوداييف، وضمن التوجه الأوكراني والأوروبي بقبول تجنيد فيلق دولي للقتال ضد الغزو الروسي للبلاد.

السوريون على الخط أيضًا

لم يكتف الرئيس الروسي بوتين بالشيشانيين الموالين له، لخوض معاركه من أجل "روسيا العظمى" واستعادة إرث الاتحاد السوفيتي، فقد طلب أيضًا من أوزباكستان، إرسال مقاتلين لمعاضدة الجيش الروسي، والجديد في الأمر دخول المقاتلين السوريين غير النظاميين على الخط، فقد طلب بوتين تجنيدهم قبل أيام، وهو ما قد يُفسر أيضًا بعدة تفاسير وتأويلات.

 

فليست المرة الأولى، التي تحثُّ فيها روسيا على تجنيد السوريين للقتال خارج بلادهم، فقد سبق تجنيدهم قبل عامين في ليبيا لمعاضدة جهود أمير الحرب خليفة حفتر، لاحتلال العاصمة طرابلس، وهذه المرة قرر بوتين الاستعانة بهم، شأنهم شأن الشيشانيين لمحاربة الأوكرانيين والفصائل المساندة لهم، وكذلك استعدادًا - حسب خبراء - لخوض معارك شوارع وحرب مدن، قد تكون طويلة ومكلفة في العتاد والأرواح.

ومن الطبيعي أن يتجنب بوتين مزيدًا من الخسائر في صفوف جيشه الذي تكبد إلى الآن أكثر من أربعة آلاف قتيل، وفق إحصائياته الرسمية.

كما أن القاتلين السوريين يمتلكون خبرةً قد تفوق الجيش الروسي في خوض حروب الشوارع ومعارك العصابات والمدن، وهم الذين تمرسوا على ذلك طيلة السنوات الفارطة في محاربة المعارضة السورية وفصائلها المسلحة، إضافة إلى أن بعض هؤلاء السوريين سبق وتلقوا تدريبات على يد الجيش السوري وقادة فيلق القدس الإيراني في سوريا.

إلى جانب هذه العوامل، فرئيس النظام السوري اليوم، شأنه شأن الرئيس الشيشاني مدين لبوتين بالكثير، فهو الرجل الذي أنقذ نظامه المتداعي في اللحظات الأخيرة، بعد أن كادت تعصف به الثورة والمعارضة السورية منذ عام 2012.

صورة المقاتلين المسلمين.. "الجهاديون"

إضافة إلى العوامل السابقة والدوافع التي سهّلت على روسيا انتداب مقاتلين أجانب قد تتوسع رقعتهم الجغرافية لتشمل أكثر من الشيشان وسوريا، فإن هناك عامل آخر غاية في الأهمية للتركيز على المقاتلين الموالين من المسلمين، فالصورة النمطية التي رسمها الإعلام الغربي عن المقاتلين المسلمين، أنهم "جهاديون" لا يخافون الموت وانتحاريون وعلى استعداد لتفجير أنفسهم وسياراتهم وطائراتهم من أجل هزيمة العدو، خاصة الغرب "الكافر"، وقد أصبح "التكبير" هتاف رعب لدى خصومهم وأعدائهم، ما كان وراء تنامي ظاهرة الإسلاموفوبيا، التي ضحاياها مسلمون أبرياء.

هذه الصورة، لا شك أن الرئيس الروسي بوتين، يعمل على استغلالها لنشر الخوف والرعب لدى الجيش والمقاتلين الأوكرانيين، لذلك جعل الشيشانيين الموالين له في مقدمة الصفوف منذ الاجتياح أواخر فبراير/شباط الماضي.

وبالتالي، فإنّ العامل المعنوي مهم جدًا في الحروب، بل هو أهم العوامل، فعندما تتراجع معنويات الجيوش تكون الهزيمة أقرب إليهم، ما يحبط عزائمهم ويثبّط روح القتال لديهم، وقد رأينا في المقاطع المصورة من الجبهات، أحد الجنود الأوكرانيين وهو يطلق صيحات التكبير عند رميه قذائف الهاون، وعندما سأله زميله عن السبب وهو جندي مسيحي، قال إنها كلمات ترعب العدو، وهذا ما يبحث عنه، من يعتقد أنه سليل ستالين.