وزارة الأوقاف المصرية تقرر منع صلاة التهجد والاعتكاف في المساجد

"على المصلين مغادرة المسجد فورًا دون إكمال صلاة التروايح لأنهم تجاوزوا المدة الزمنية المخصصة للصلاة والمقدرة رسميًا بـ30 دقيقة لا تزيد ثانية بعدها".. هذا ما حدث فعلًا، لكن ليس في إحدى دول أوروبا أو أمريكا اللاتينية، ولا حتى في بكين أو موسكو أو بيونغيانغ، بل في القاهرة، مدينة الألف مأذنة، وإحدى كبريات عواصم الخلافة والحضارة الإسلامية.

حالة غضب عارمة، اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي بعد نشر مقطع فيديو لأحد مفتشي وزارة الأوقاف المصرية وهو يأمر إمام مسجد المراغي بحلوان بإنهاء صلاة التراويح بسبب أن الساعة كانت حينها الثامنة و45 دقيقة وتتبقى ركعتان وصلاة الشفع والوتر، وهذا يعني أن الصلاة لن تنتهي قبل التاسعة مساء، ما يعد مخالفةً لقرار الوزير بجعل صلاة التراويح نصف ساعة فقط (الثامنة والنصف وحتى التاسعة).

المقطع المسرب جاء بعد انتشار واسع لصور نشرتها مديرية الأوقاف بمحافظة الإسماعيلية (شرق) لعدد من مفتشي الوزارة قالت إنهم يتجولون ليلًا على المساجد للتأكد من إغلاقها وعدم إقامة صلاة التهجد أو الاعتكاف بها، تنفيذًا لقرار وزير الأوقاف مختار جمعة الذي قال إن المساجد "ليست فنادق" حتى يعتكف الناس بها.

وكانت وزارة الأوقاف قد أصدرت قرارًا في 20 أبريل/نيسان بعدم السماح بفتح المساجد لأداء الاعتكاف أو صلاة التهجد في ظل إجراءات وتدابير مواجهة كورونا، مع حث المسلمين على أدائها في المنازل على غرار العامين الماضيين، وهو القرار الذي يراه البعض أكبر من مجرد إجراءات احترازية، وأنه يعكس دلالات تتجاوز المخاوف الصحية التي لا يتم مراعاتها في كل الطقوس الأخرى كالاحتفالات والمباريات والسهرات الرمضانية، ولا حتى لقاءات الرئيس نفسه.

مصر تغرد خارج السرب

الوزارة في بيان تبريرها لهذا القرار المثير للجدل أشارت إلى أنها استندت في رأيها الشرعي في عدم الاعتكاف بالمساجد على الرأي الطبي، كونهم أهل الاختصاص، لافتة إلى أنه في ظروف الجائحة الحاليّة التي تعم أرجاء العالم من الصعب الالتزام بإجراءات التباعد وعليه كان القرار حفاظًا على الأرواح التي هي من صميم مقاصد الشرع ومن الكليات الست المقدمة على أداء بعض النوافل.

لكن من الواضح أن مصر هي الدولة العربية الوحيدة التي أعلنت رسميًا وبشكل مباشر منع الاعتكاف أو صلاة التهجد في المساجد في الأيام العشر الأخيرة من رمضان، إذ أعلنت قرابة 12 دولة عربية إقامة تلك الطقوس بشكل ممنهج وشامل مع الأخذ كذلك بأسباب الحذر وهي السعودية وقطر والكويت والأردن والمغرب والعراق وفلسطين ولبنان والسودان وموريتانيا واليمن والصومال.

أما بقية الدول فتباينت قراراتها بشأن هذه المسألة، حيث خصصت بعض الدول مساجد معينة للاعتكاف فيها، فيما اشترطت أخرى الحصول على ترخيص مسبق من السلطات وثالثة فرضت إجراءات مشددة للحفاظ على الإجراءات الاحترازية، لكنها في المجمل لم تمنع المصلين من هذا الطقس الرمضاني التاريخي.

القضية أكبر من الإجراءات الاحترازية

يبدو أن المبررات التي ساقتها الأوقاف لتبرير قرارها لم تقنع أحد، إذ جاءت معظم ردود الفعل لتؤكد أن القضية أكبر من فكرة الإجراءات الاحترازية التي لو كانت هي السبب الحقيقي لكانت هناك ضوابط يمكن الاستناد إليها لضمان الالتزام بها مع الإبقاء على تلك الشعيرة التي تحتل مكانةً كبيرةً لدى الشعب المصري الذي يحتل الدين مكانة بارزة في تكوينه العقلي والنفسي والمجتمعي.

القرار أعاد الأذهان إلى 2015/2014 حين أطلق الرئيس المصري دعوته لما أسماه "تجديد الخطاب الديني" وهو المصطلح الشائع المطاط الذي تُرجم لحزمة من القرارات والإجراءات التي يراد لها تفريغ الدين من مضمونه وجعله مجرد طقوس هامشية تقتصر على العبادات الظاهرة، فيما تم إزاحة كل ما له علاقة بالسمت الديني من العقلية المجتمعية عامًا تلو الآخر.

وسخّرت الدولة لهذه الخطة كل جيوشها الإعلامية والفنية والثقافية، فضلًا عن الدور المحوري لوزير الأوقاف مختار جمعة، الذي لم يتوان ساعة واحدة عن استفزاز مشاعر المسلمين في مصر بقرارات صادمة، أثارت الكثير من التساؤلات عن دوافعها الأساسية.

توجه السلطة الحاليّة نحو إزاحة كل ما هو متعلق بتيارات الإسلام السياسي دفعها للتغول على بعض الثوابت الدينية من باب التحوط من جانب، ومغازلة المجتمع الدولي من ناحية الأخرى، وهو ما يمكن قراءته من خلال التصريحات المتكررة للرئيس المصري التي لام فيها المسلمين أكثر من مرة بسبب توجهاتهم وسياساتهم "التي تهدد حياة الـ7 مليارات نسمة على وجه الكرة الأرضية"، على حد قوله.

تلك الشكوك تعززت أكثر مع إتاحة المجال وتمهيده تمامًا أمام الهجوم على التراث الإسلامي باسم "التنقية"، والتشكيك في علماء الأمة وثقاتها، فقد فُتح الباب أمام رواد هذا الفكر العلماني وعلى رأسهم خالد منتصر والإعلامي إبراهيم عيسى وإسلام البحيري وغيرهم ممن ينصبون أنفسهم "قادة التنوير" في مصر.

وفي المقابل أوصدت الأبواب أمام العلماء والدعاة، فأغلقت قنواتهم وقُدم بعضهم للمحاكمات ومنعوا من الحديث في الإعلام، ليتصدر المشهد جيل جديد من علماء "الإسلام الوسطي" على شاكلة خالد الجندي الذي يتباهى دومًا بأنه "شيخ السلطان" وغيره من خريجي مدرسة مختار جمعة.

غضب شعبي

شن رواد مواقع التواصل الاجتماعي هجومًا حادًا على وزارة الأوقاف جراء هذا القرار، فوصفها البعض بـ"جماعة النهي عن المعروف" وتعامل البعض بسخرية مع صور لجان التفتيش التي نشرتها الوزارة في بعض المناطق وأطلقوا عليها "فرقة مكافحة صلاة التهجد".

الكاتب الصحفي جمال سلطان أشار إلى أن جمعة ليس المسؤول عن التضييق على الناس في التراويح وصلاة العيد، إذ إنه ليس إلا "سكرتير تنفيذي وعمل صغير لجهاز الأمن معروف من أيام الجمعية الشرعية" على حد قوله، فيما أوضحت الكاتبة مي عزام أن "الاوقاف بتتعامل مع المساجد وكأنها مراكز دروس خصوصية مش واخدة ترخيص".

وفي السياق ذاته قال الكاتب أنور الهواري: "ما يحدث ليس تمييزًا ضد المسلمين، وليس هناك قصد أو تعمد لذلك، إنما هناك "تخبط سياسي في إدارة الملف الديني عمومًا، فيه سوء إدارة، فيه غياب للحكمة ونظر العواقب، فيه قيادات دينية يغلب عليها الطابع الأمني أكثر من الطابع الديني نفسه، قيادات مشغولة بكل شيء غير جوهر الدين في ذاته، مشغولة بالسلطة ورضاها بالدرجة الأولى".

أما السفير فوزي العشماوي، فكشف أنه حتى في الدول العلمانية لا يمكن حرمان أي شخص من أداء شعائره الدينية وإقامة صلواته وتهجده، بما فيها أعتى دول العالم كراهية للإسلام، لكن الوضع في مصر التي ينص دستورها على أن الإسلام هو دين الدولة يتم غلق المساجد ومنع المصلين من التهجد والاعتكاف، مضيفًا "الدولة المدنية واثقة من نفسها، تحترم مواطنيها، وتقف علي مسافة متساوية منهم جميعًا، ولا تتدخل في عباداتهم وشعائرهم"، وتابع "وهكذا نلاحظ أن مسلمي فرنسا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا وأمريكا يصلون ويتهجدون ويعتكفون ومسلمو مصر لا يستطيعون!".

فيما سخر الكاتب السياسي تامر النحاس من الأزمة برمتها، لافتًا إلى أن القضية لا علاقة لها بمعاداة الدين أو استنساخ نسخة جديدة من الإسلام على هوى النظام، حتى إن تعارضت مع ثوابت الشريعة الأساسية، وإنما "الحكاية لا تخرج عن سعي حثيث من السلطة علي العكننة على الناس وخلاص.. عادي جدًا.. نشوف الناس بتنبسط بإيه ونعكنن عليهم.. طالما مصدر الانبساط ده مش هيكون تحت سيطرتنا.. يعني ناس بتنبسط بتشجيع الكورة.. لا.. مفيش كلام من ده.. كام نفر بس اللي يروحوا.. ناس بتنبسط ومستنية رمضان عشان التهجد وتقضي وقت في مكان بتحبه وفقًا لقناعتهم.. برده نعكنن عليهم.. طالما لن يكون لدينا قدرة أمنية للسيطرة علي كل ساعات العيادة دي.. زي كده مبدأ زيادة الأسعار يوم الخميس أو الأعياد 🙂.. ناس غاوية عكننه مش أكتر"، وأضاف في منشور له على صفحته على فيسبوك "الحكاية مش الدين.. السلطة معندهاش أي مشكلة تزايد عليهم أصلًا.. لو الموضوع تحت السيطرة.. لو عندهم الأدوات".

جمعة.. وزير أوقاف أم ضابط أمن؟

منذ تعيينه وزيرًا للأوقاف في 2013، يرى مختار جمعة أن دوره الأساسي داخل الوزارة هو التخلص من عناصر الإخوان في شتى القطاعات، فارتكب عشرات المذابح الجماعية ضد أئمة وموظفين يقول إنهم على علاقة بالجماعة فأنهى وظائفهم، تماشيًا مع التوجه العالم لنظام بعد 3 يوليو/تموز 2013، وبات الرجل على يقين أن هذا الدور هو الضامن الأكبر له للبقاء في السلطة.. وقد كان.

وتحول جمعة من وزير يفترض أن يقوم على خدمة الإسلام وتيسير شؤون الخطابة والدعوة وتعزيز الوجود الديني في المجتمع، إلى ضابط أمن من الطراز الأول، بل إلى قيادي بارز في قطاع الأمن الوطني، فقد وشى الرجل ورجاله بآلاف المصريين بدعوى انتماءاتهم وميولهم السياسية.

وبدلًا مما كانت عليه المساجد قديمًا كمكان آمن للمسلمين يخلدون فيها للصلاة والراحة ويحتمون بها أحيانًا من حر الشمس ويتنعمون بأداء الصلوات والشعائر بطمأنينة واستقرار، إذ بها تتحول إلى ساحات فارغة بعدما حُدد لها وقت افتتاح وإغلاق، لا يتجاوز بضع الدقائق، ما أفقدها دورها الذي استمر مئات السنين، بدعوى تحريرها من سيطرة الجماعات المتطرفة، وهي الحجة التي لم يتخل عنها جمعة منذ جلوسه على كرسي الوزارة.

وخلال السنوات الثمانية الماضية تفنن الوزير في استفزاز جمهور المسلمين بقرارات أثارت شكوك البعض في ولائه للدين، فأقر نظام الخطبة الموحدة وحارب لأجل الأذان الموحد ومنع صناديق التبرعات وأغلق المساجد أمام المسلمين في التهجد والاعتكاف ومنع صلاة العيد في الساحات العامة، وغير ذلك من القرارات التي دفعت الكثيرين للمطالبة بإقالته من منصبه، لكن رغم ذلك هناك إصرار غريب من الرئيس على الإبقاء عليه في منصبه ليصبح الوزير الوحيد المستمر مع السيسي منذ رئاسته وحتى اليوم رغم المطالبات مع كل تغيير وزاري بالإطاحة به.

البعض يفسر سر تمسك الرئيس به رغم كل الانتقادات التي وصلت إلى التشكيك في ذمته المالية بعد اتهامه بعشرات قضايا الفساد، إلى أن الرجل يؤدي الدور المنوط به على أكمل وجه، إذ حول الأوقاف من وزارة دعوية إلى وزارة دعائية تروج للحكومة والسلطة وتوجهاتها، حتى لو لم يطلب منها ذلك.

وهكذا تفقد مصر قوتها الدينية الناعمة رويدًا رويدًا بعدما كانت واحدة من أكثر وجهات العالم الإسلامي تأثيرًا نظرًا لمكانتها التاريخية ودورها الريادي قديمًا، لتتحول مساجدها إلى أبواق إعلامية، فيما فُرغت خريطتها الدعوية من مضمونها الحقيقي، ليبقى السؤال: متى يستجيب الرئيس لمناشدات المصريين ويطيح بوزير أوقافه المطيع؟