على ناصية ميدان طلعت حرب بوسط القاهرة، كان الزحام على أشده، إغلاق شبه تام للميدان وصعوبة مرورية للسيارات والمارة على حد سواء، وبمنطق فضولي بحت كان التحرك صوب هذا "المولد" كما أسماه البعض حينها، لينجلي غبار الغموض عن افتتاح مطعم "شارع الحمرا" اللبناني.

لم يعتد المصريون هذه المشاهد إلا أمام المطاعم السورية التي اكتسبت ثقة ومصداقية كبيرة لدى المستهلك المصري، غير أنه ومن المرات القليلة أن يكون زحام كهذا أمام مطعم لبناني، ومن اللافت للنظر أنه أمام أحد المطاعم الشهيرة بوسط البلد الذي يحظى بشعبية جارفة.

ويشهد السوق المصري خلال الآونة الأخيرة حضورًا لافتًا للبنانيين، اقتصاديًا واجتماعيًا، أقرب إلى نزوح أسري شبه جماعي خلال العامين الماضيين تحديدًا، منذ تفجيرات مرفأ بيروت فى 4 أغسطس/آب 2020، لتتحول مصر إلى واحدة من أشهر وجهات اللبنانيين الفارين من بلادهم التي باتت طاردة لسكانها بعد تأزم الوضع السياسي والاقتصادي هناك.

ويعاني لبنان، ثالث أكبر دولة مثقلة بالديون في العالم، من أزمة اقتصادية ربما تكون الأسوأ في تاريخه الحديث، فقد وصل عدد غير القادرين على تلبية احتياجاتهم الأساسية إلى 55% من إجمالي السكان، فيما زج بالملايين في أتون الفقر والعوز، ما دفع الغالبية منهم إلى البحث عن أوطان بديلة مؤقتًا لحين استعادة وطنهم الأم عافيته السياسية والاقتصادية مرة أخرى.

نزوح إلى مصر

"جئت أنا وعائلتي إلى القاهرة منذ أسبوعين تقريبًا، ولحقنا بعشرات اللبنانيين ممن غادروا بيروت خلال العام الماضي، هربًا من الوضع المتردي بسبب فساد النخب وصراع النفوذ والطائفية التي قسمت لبنان إلى دويلات متناحرة"، بهذه الكلمات استهل "مروان" حديثه لـ"نون بوست"، مؤكدًا على نيته البقاء في مصر أطول فترة ممكنة.

وأكد الشاب اللبناني الذي لم يتجاوز عمره الثلاثين عامًا أن جزءًا كبيرًا من اللبنانيين هاجر إلى بلدان غرب إفريقيا وجنوب القارة، فيما فضل هو وبعض أصدقائه المجيء إلى مصر، حيث الاحتضان المجتمعي والسرعة على التأقلم والاندماج في ظل الروابط المشتركة بين الشعبين المصري واللبناني.

وألمح إلى أن نجاح السوريين في مصر كان أحد المحفزات التي دفعتهم لاختيار القاهرة تحديدًا وجهة لهم رغم ميل اللبنانيين إلى غرب القارة في المجمل، موضحًا أنهم بدأوا بالفعل في تدشين أول مطعم لهم في وسط القاهرة بجانب سلاسل أخرى في مدينة السادس من أكتوبر ومدينة نصر.

صورة

ولا يوجد هناك إحصاء رسمي عن عدد اللبنانيين في مصر، غير أن بعض التقديرات ذهبت إلى أنه خلال عام 2021 استقبلت القاهرة 50 ألف لبناني، ليرتفع عدد الجالية اللبنانية من 10 آلاف إلى 60 ألف لبناني، ما نسبتهم 1% من سكان لبنان إجماليًا والمقدر عددهم بـ5 ملايين نسمة.

فيما ذهبت الباحثة بمعهد البحوث والدراسات الإفريقية جامعة القاهرة، جيهان عبد الرحمن، إلى أن هناك أكثر من 350 ألف لبناني في القارة الإفريقية، لافتة إلى أن دول ساحل العاج والسنغال ونيجيريا تمثل الوجهة الأفضل للبنانيين خلال العقود الماضية، مرجعة ذلك إلى أسباب تاريخية وسياسية واقتصادية عدة.

سوق مفتوح وشعب مضياف

لم يكن استهداف مصر تحديدًا اختيارًا عشوائيًا للبنانيين، فهناك حزمة من الدوافع والمعايير التي أدت إلى اختيارها وجهة قادمة لأبناء لبنان، حسبما أشار رجل الأعمال اللبناني "نزيه عبدو حمد"، الذي أكد أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة والاضطرابات السياسية والأمنية التي تشهدها بلاده كانت السبب الأبرز وراء خروجهم بتلك المعدلات الكبيرة خلال الأشهر الماضية، وذلك في تصريحات صحفية له لمجلة "روز اليوسف" الحكومية المصرية.

وأضاف أنهم في ظل تلك الأوضاع كانت مصر بالنسبة لهم "أفضل منطقة وأأمن مكان للاستثمار في المستقبل"، مرجعًا ذلك إلى عدة أسباب منها اتساع السوق المصري الذي يضم أكثر من 100 مليون مستهلك، فضلًا عن التسهيلات التي تمنحها الحكومة المصرية في الآونة الأخيرة للمستثمرين الأجانب، فضلًا عن سرعة الاندماج داخل المجتمع المصري الذي يكن كل حب واحترام للشعوب العربية جميعًا، وفي المقدمة منها السوريين واللبنانيين والعراقيين، بصفتهم الشعوب الأقرب تاريخًا وثقافة مع الشعب المصري.

ويشير رجل الأعمال اللبناني إلى أنه شارك بعض المستثمرين المصريين منذ قدومه في إنشاء 3 مصانع خلال السنوات الثلاثة الماضية، تعمل في مجالات العطور ومستحضرات التجميل والمبيدات الحشرية، لافتًا إلى تنامي استثماراته ويفكر في تدشين المصنع الرابع، منوهًا أن حجم استثماراته في السوق المصري حاليًّا يتجاوز 250 مليون جنيه كمرحلة أولى، مستهدفًا الوصول بها إلى 500 مليون جنيه خلال الفترة القادمة.

وفي السياق ذاته أشار رئيس مجلس إدارة جمعية الأعمال المصرية اللبنانية، فتح الله فوزى، إلى بعض المحفزات والمغريات التي توفرها مصر للمستثمر اللبناني، تتعلق بمعدل الأمان المرتفع والسوق المفتوح المستعد لاستيعاب مختلف البضائع والاستثمارات في ظل خريطة كثيفة من المستهلكين، هذا بخلاف الامتيازات الحكومية الممنوحة للمشروعات الأجنبية التي تشجع على جذب الاستثمارات الخارجية.

التجربة المغرية

"كانت مصر محطة مستبعدة للبنانيين خلال السنوات الماضية، نظرًا للظروف الأمنية والسياسية التي شهدتها البلاد منذ 2013، لكن التطورات التي حدثت بعد ذلك وفتح الباب أمام الأجانب والعرب على حد سواء، دفع إلى إعادة النظر في تلك الصورة السلبية المتخذة سابقًا".. بهذه الكلمات استعرض "جورج" قصة خروجه من بيروت قاصدًا القاهرة.

جورج الشاب اللبناني (29 عامًا) الذي يعمل مبرمج كمبيوتر، كشف في حديثه لـ"نون بوست" أن السبب الرئيسي وراء تغيير وجهته من كيب تاون في جنوب إفريقيا إلى القاهرة، حديث دار بينه وبين صديقه السوري المقيم في مدينة السادس من أكتوبر، حيث شجعه على المجيء إلى مصر التي وصفها بأنها "الأقرب للشوام" على حد قوله.

وأوضح أن النجاح الذي حققه صديقه الذي بات يمتلك اليوم، بمشاركة عدد من زملائه وأفراد عائلته، 5 سلاسل من المطاعم والسوبر ماركت، كان دافعًا قويًا للاستثمار والعمل في مصر، هذا بجانب السرعة الكبيرة في الاندماج بين الشعب المصري، الذي يعتبره صديقه السوري الحاضنة الأكثر اتساعًا للعرب خاصة بعد علاقة المصاهرة التي تمت بينه وبين أحد العائلات المصرية.

ويدعم هذا الرأي العديد من الشباب اللبناني الذي قدم إلى مصر خلال العامين الماضيين، حيث وضعوا نصب أعينهم التجربة السورية كحالة يمكن الاستناد إليها في خوض تجربة الإقامة في مصر رغم الصورة السلبية المأخوذة، وتعززت تلك الحالة مع التسهيلات الممنوحة للإقامة والاستثمار في المحروسة، حتى بات من حق القادم عبر طرق التهريب أن يقيم ويعمل شريطة الذهاب إلى المفوضية الأممية والحصول على "كارت أصفر" كإقامة مؤقتة لحين الانتهاء من إجراءات الحصول عليها من السلطات المصرية.

وتعود الهجرة اللبنانية إلى مصر إلى القرنين التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، حين فتحت القاهرة أبوابها أمام النوابغ والمفكرين والفنانيين اللبنانيين ممن أثروا الحياة الثقافة المصرية بصورة بات من الصعب التفرقة بينهم وبين المواطنين المصريين، ومن أبرزهم يوسف شاهين ويوسف معلوف وعمر الشريف وأنور وجدي في مجال السينما، وجورج أبيض وإسكندر فرح في المسرح، وجورجي زيدان وسليم النقاش وخليل مطران، ومي زيادة وإدوارد سعيد، وبشارة وسليم تقلا في مجال الأدب والصحافة.

 رغم الإغراءات والتسهيلات والمحفزات أمام اللبنانيين للقدوم إلى مصر، التي يعتبرها البعض امتدادًا للسياسة المصرية الجديدة نحو جذب الاستثمارات وفتح الأسواق أمام الجميع، إلا أن آخرين يستبعدون تقييم التجربة في الوقت الحاليّ، خشية التعامل معهم كورقة سياسية ضاغطة بين الحين والآخر في ظل التموضعات المتتالية التي تعاني منها المنطقة.