ترجمة وتحرير: نون بوست

عندما تم انتخاب قيس سعيد رئيسًا للجمهورية في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2019، بنسبة 73٪ من الأصوات، ادعى هذا المبتدئ في السياسة، المعادي للأحزاب والمحاط بدائرة ضيقة من المؤيدين غير المشروطين، أنه يجسد ما يريده الشعب.

وبدأ التحول الديمقراطي التونسي في 14 يناير/ كانون الثاني 2011 مع الإطاحة بالدكتاتور بن علي، وأدى - في 26 يناير/كانون الثاني 2014 - إلى اعتماد دستور مستوحى من البرلمان؛ حيث يجب على رئيس الدولة أن يتقاسم السلطة التنفيذية مع رئيس الوزراء.

واختارت تونس لهذه الجمهورية الثانية أن تنفصل عن النظام الرئاسي الذي أقامه الحبيب بورقيبة، في 25 يوليو/ تموز 1957، بعد عام من الاستقلال، وهذا هو سبب تفاقم نزعة شعبوية سعيد، التي دفعته، في 25 يوليو/ تموز 2021، إلى إعلان "حالة الاستثناء" وتجميد أنشطة البرلمان، ثم تولّي كمال الصلاحيات؛ حيث حظي هذا الانقلاب في البداية بدعم شعبي لا يمكن إنكاره، فقد أدت الخلافات السياسية إلى شل إدارة البلاد.

الوحيد في قرطاج

ويتوقع سعيد أن يكرر في تونس المناورة الناجحة في مصر للجنرال السيسي، الذي أطاح بالرئيس الإسلامي، الذي كان مع ذلك منتخبًا ديمقراطيًا، في سنة 2013، قبل أن يصبح رئيسًا للدولة في العام التالي، بحصوله رسميًا على 97٪ من الأصوات، في الاقتراع المتنازع عليه بشدة.

ومثل نظيره المصري من قبله، يتهم مستأجر القصر الرئاسي في قرطاج الإسلاميين التونسيين في حركة النهضة  التي فقدت مصداقيتها فعليًا بسبب ضعف أدائها الحكومي، بكل الشرور، وأن المحسوبية الحزبية لديها أكثر من خياراتها المجتمعية التي شجبها سعيد، متمسكًا، في مسائل عقوبة الإعدام أو المثلية الجنسية أو المساواة بين الجنسين، على خط محافظ للغاية لن ينكره الأصوليون.

الفارق الرئيسي بين الانقلاب المصري والتونسي هو أن الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، اللتان سارعتا بتشجيع الديناميكيات المضادة للثورة في كلتا الحالتين، حرصتا على عدم تمويل استيلاء سعيد على السلطة، في حين أنهما خصصتا على الفور عشرين مليار دولار لانقلاب السيسي.

هذا الكرم غير مناسب لتونس الحالية، على الرغم من أسعار النفط المرتفعة بشكل غير مسبوق تاريخيًّا، لأن القادة الإماراتيين والسعوديين، الذين حرصوا سنة 2013 على استقرار مصر الذي أصبح واجبهم، يميلون بدرجة أقل إلى إنقاذ - بدلًا من تخريب - الانتقال التونسي، الذي يلهم في نظرهم كل الانتفاضات اللاحقة في العالم العربي. وتبرر أبو ظبي والرياض نفسيهما علنًا بجعل مساعداتهما مشروطة باتفاق بين صندوق النقد الدولي وتونس، وهو شرط أساسي لم يسبق لهما طرحه في مصر.

وهكذا يجد سعيد نفسه السيد بلا منازع لبلد تتعمق فيه الأزمة الاقتصادية، على الرغم من أن السخط الاجتماعي قد غذى إلى حد كبير الدعم لانقلابه في 25 يوليو/ تموز 2021. وبالمقابل؛ يندفع -  بتهور - للإصلاحات المؤسسية، كما لو أن هذا الإطار القانوني وحده هو الذي  سيحل الأزمة الحالية.

تفكك ضار

وفي مقاربته لإعادة التأسيس، لم يكتف قيس سعيد بالإشارة إلى أعمال "أبو الاستقلال" بورقيبة، فلقد غيّر تاريخ الاحتفال بسقوط بن علي الموافق ليوم 14 يناير/ كانون الثاني ليضع مكانه تاريخ اندلاع الانتفاضة يوم 17 ديسمبر/كانون الأول 2010.

وزعم أن الثورة تعرضت للخيانة بدلاً من نجاح التحول الديمقراطي الذي يلومه على كل المشاكل الحالية للبلد، وهو يدعو إلى شكل من أشكال الديمقراطية المباشرة التي تشمل، من بين أمور أخرى، هوس معمر القذافي، الرئيس السابق للجارة ليبيا، من 1969 إلى 2011، لإبادة الهيئات الوسيطة.

وكانت الاستشارة الإلكترونية التي نظمها في الفترة بين يناير/كانون الثاني و مارس/ آذار مواتية للنظام الرئاسي، مع اللاتركيز بدلاً من لامركزية السلطات المحلية. لكن مثل هذا التشاور، بمنهجية مبهمة، لم يجذب سوى بضع مئات الآلاف من المشاركين، في بلد يبلغ عدد سكانه اثني عشر مليون نسمة. واتهم سعيد، من دون تقديم أدلة، خصومه بتدبير حملة هجمات إلكترونية. في غضون ذلك، حل البرلمان وأعلن اعتماد الدستور عن طريق الاستفتاء في 25 يوليو/ تموز وفقًا لرغباته.

يثير رفض الرئيس التونسي لأي تسوية مخاوف من حدوث مواجهة؛ حيث سيكون هناك فائز وخاسر هذه المرة، على عكس سنة 2013

إن اختيار مثل هذا التاريخ الوثيق والرمزي قد أثر بشكل كبير على المناخ في تونس، حيث تدعم الشعبوية، التي تشبه أكثر فأكثر التمجيد -الميسانية، المتزايدة لرئيس الدولة الأطروحة القائلة بأن مسودة دستوره قد تم إيقافها بالفعل، وأن المشاورات الحالية تهدف فقط إلى إضفاء الشرعية عليها دون تعديلها. ويرفض الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو اتحاد نقابي قوي يضم أكثر من 800 ألف عضو، تبني مثل هذا النهج ويلوح بخطر الإضراب العام.

إن تفاقم المأزق السياسي يثير مخاوف الجيش ووزارة الداخلية، التي كانت، حتى ذلك الحين، تدعم سعيد لكسر هذا المأزق على وجه التحديد. لأن رئيس الدولة ينكر الآن أي فضيلة للحوار الوطني الذي، تحت زخم الرباعية بقيادة الاتحاد العام التونسي للشغل، تجنب سنة 2013 المواجهة بين العلمانيين والإسلاميين، مما سمح بتبني، بالإجماع، الدستور الحالي. ثم قامت جائزة نوبل للسلام بمكافأة اللجنة الرباعية للحوار الوطني على هذه الوساطة.

ويثير رفض الرئيس التونسي لأي تسوية مخاوف من حدوث مواجهة؛ حيث سيكون هناك فائز وخاسر هذه المرة، على عكس سنة 2013. هذا ليس أقل خطر من مخاطر العد التنازلي الحالي، حيث يمكن للشعب التونسي أن يدفع الثمن، حتى لو تم التشديد عليه في أحد المعسكرات أو في الآخر.

المصدر: لوموند