بدأ قضاة تونس إضرابًا عن العمل لمدة أسبوع

بدأ قضاة تونس إضرابًا عن العمل لمدة أسبوع

تشهد تونس في الأشهر الأخيرة انقسامًا سياسيًا حادًا واستقطابًا ثنائيًا كرسه انقلاب الرئيس قيس سعيد على دستور البلاد ومؤسسات الدولة الشرعية، ففي الوقت الذي يعمل فيه سعيد على ترسيخ أسس حكم الفرد الواحد، تسعى العديد من الفعاليات السياسية والمدنية في البلاد إلى توحيد جهودها ووضع حد لهذا الخطر الذي يهدد مستقبل تونس وديمقراطيتها الوليدة.

القضاة في إضراب

لم يكتف الرئيس سعيد بحل مجلس القضاء الأعلى - إحدى أبرز المؤسسات التي تفتخر بها تونس بعد الثورة - وتغييره بمجلس وقتي صوري لا مهمة له إلا فتح الطريق أمامه لإحكام قبضته على السلطة القضائية وضمها إلى باقي السلطات التي يتحكم فيها منذ 25 يوليو/تموز الماضي، وإنما اختار التصعيد.

بعد حل المجلس وقبلها إصدار قرارات بمنع سفر القضاة، قرر سعيد فصل 57 قاضيًا دون الإفصاح عن التهم الموجهة لهم، ودون سند قانوني إلا تلك المراسيم التي يلجأ إليها كلما فشل في إيجاد ثغرة دستورية يتكئ عليها.

يُذكر أن أغلب القضاة الذين شملهم قرار الإعفاء، سُجلت لهم مواقف رافضة للانقلاب الحاصل في البلاد والقرارات المنبثقة عنه وعدم الانصياع لأوامر السلطة التنفيذية، الأمر الذي لم يرق لسعيد، فقرر بمعية جماعته التنكيل بهؤلاء القضاء.

تأمل جبهة الخلاص في ملء الفراغ وتعديل موازين القوى ودفع كل الأطراف للاجتماع في مجلس للحوار الوطني للخروج من الأزمة

من المرتقب أن يصدر عن سعيد في وقت لاحق، قائمة جديدة لقضاة سيعفيهم من مناصبهم، بحجة مكافحة الفساد والحد من الإفلات من العقوبة، لكن تبقى هذه التهم الموجهة للقضاة مجرد كلام، ما لم يتم تأكيدها فعليًا بالحجج والوثائق.

أمام هذا التصعيد المتواصل، قرر قضاة تونس "الاستنفار" والدخول في إضراب عام في كل المرافق القضائية بداية من اليوم الإثنين لمدة أسبوع قابل للتجديد، إلى جانب الدخول في اعتصامات مفتوحة في كل مقرات الهياكل النقابية القضائية، وعدم الترشح للمناصب القضائية لتعويض المعزولين، فضلًا عن عدم الترشح للمناصب في الهيئات الفرعية التابعة لهيئة الانتخابات.

قرر قضاة تونس شن هذا الإضراب الذي دعت له كل الهياكل النقابية القضائية من نقابة وجمعية وقضاة شبان وقضاة إداريين، لتأكيد رفضهم توجهات الرئيس سعيد في خصوص القضاء ومحاولاته المتكررة السيطرة عليه ومد يده إليه.

ويعمل سعيد منذ انقلابه على دستور تونس ومؤسسات الدولة الشرعية على السيطرة على القضاة قصد تطويعهم واستغلالهم للتنكيل بخصومه السياسيين الذين تعددت توجهاتهم وتوظيفهم لخدمة أجنداتها السياسية، خاصة أن سعيد يرى في القضاء المستقل حجر عثرة أمامه في سبيل تكريس مشروعه الغامض.

يعتبر ضرب القضاء جزءًا مهمًا من خطة قيس سعيد للاستئثار بالحكم في تونس، فهو يحاول إنتاج منظومة عدالة على المقاس كما فعل في السابق بن علي وبورقيبة اللذين طوعا القضاء للانفراد بالحكم وشد أركان سلطتهما.

مساعي سعيد الحثيثة نحو الاستئثار بالسلطة القضائية اصطدمت برغبة جماعية لقضاة تونس في المحافظة على استقلاليتهم واستقلالية المرفق القضائي باعتباره ضامنًا لديمقراطية الدولة ومسار العدالة فيها بعيدًا عن الحسابات السياسية.

جبهة الخلاص تكثف تحركاتها

في الأثناء، كثفت جبهة الخلاص المعارضة تحركاتها المنددة بالانقلاب، فنظمت اجتماعًا شعبيًا في محافظة قفصة جنوب البلاد، حضره المئات رغم محاولة عدد من أنصار الرئيس قيس سعيد منع الاجتماع بالقوة، وسط غياب أمني لافت.

قبل ذلك، عقدت الجبهة اجتماعًا مماثلًا في مدينة توزر رغم بعض المناوشات مع عدد من أنصار الرئيس قيس سعيد، مثلما حصل في قفصة، ويؤكد قيادات الجبهة عزمهم مواصلة اجتماعاتهم في كل مكان من تونس حتى إسقاط الانقلاب.

ونهاية شهر مايو/أيار الماضي، أُعلن رسميًا في تونس، عن تأسيس جبهة الخلاص الوطني المعارضة، التي ستعمل، بحسب برنامجها، على التصدي للانقلاب ولقرارات الرئيس قيس سعيد، ويرأس الجبهة أحمد نجيب الشابي.

تتكون "جبهة الخلاص" من قوى وطنية وسياسية عديدة، منها أحزاب حركة النهضة وحزب أمل وحراك تونس الإرادة وائتلاف الكرامة وقلب تونس، إلى جانب مبادرات وطنية هي: مواطنون ضد الانقلاب والمبادرة الديمقراطية واللقاء الوطني للإنقاذ وتوانسة من أجل الديمقراطية واللقاء من أجل تونس واللقاء الشبابي من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وتنسيقية نواب المجلس.

وتسعى الجبهة من خلال هذه الاجتماعات المتواترة في مختلف ربوع البلاد إلى تأكيد رفض الشارع التونسي لقرارات سعيد والضغط عليه من أجل إعادة الديمقراطية لتونس وإنقاذها من الأزمة الاجتماعية والسياسية.

وتأمل جبهة الخلاص في ملء الفراغ وتعديل موازين القوى ودفع كل الأطراف للاجتماع في مجلس للحوار الوطني للخروج من الأزمة التي تشهدها البلاد منذ يوليو/تموز الماضي، تعقبه انتخابات حرة تفرز برلمانًا وحكومة جديدة.

عزلة سعيد في تزايد

بالتزامن مع ذلك، نظمت 5 أحزاب تونسية أخرى - الحزب الجمهوري والتيار الديمقراطي والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات (اجتماعية) وحزبا العمال والقطب (يسار) ­- وقفة احتجاجية أمام هيئة الانتخابات، ضمن تحركاتها المبرمجة لإسقاط الاستفتاء على الدستور المقرر في 25 يوليو/تموز المقبل.

تأتي هذه التحركات في وقت توسعت فيه قائمة الرافضين لحوار سعيد الذي انطلق قبل يومين، وشملت قائمة رافضي المشاركة في الحوار العديد من الأحزاب والشخصيات والمنظمات التي كانت إلى وقت قريب داعمًا بارزًا لتوجهات الرئيس.

من بينهم ائتلاف "صمود" الذي يضم شخصيات داعمة لسعيد، وحزب آفاق تونس وحزب المسار الديمقراطي الاجتماعي وحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد وجمعية النساء الديمقراطيات واتحاد الشغل، ما يعتبر ضربة كبيرة لمشروع سعيد.

اختيار سعيد التقدم لوحده، وفرض توجهه على الجميع دون أن يشارك أحد في ذلك، قلل من عدد داعميه وفرض عليه ضغوطًا كبيرة

في الأثناء، يواصل اتحاد الشغل الذي يعتبر أكبر نقابة عمالية في تونس تحضيراته لإنجاح الإضراب العام عن العمل في القطاع العمومي المقرر يوم 16 يونيو/حزيران المقبل، ومن المنتظر أن يشمل الإضراب 159 مؤسسة عمومية.

وتراهن قيادات الاتحاد على نجاح هذا الإضراب، لثني الحكومة عن المضي في "الإصلاحات" التي دعا إليها صندوق النقد الدولي في وقت سابق مقابل الحصول على مبالغ إضافية لتمويل الموازنة العامة التي تشهد عجزًا تاريخيًا.

في حال نجاح إضراب المركزية النقابية سيكون ذلك ضربة كبيرة لمشروع قيس سعيد، لذلك من المرتقب أن يعمل الأخير على إفشاله من خلال فرض "التسخير" وإطلاق العنان لأنصاره للاعتداء على قيادات الاتحاد لثنيهم عن تنفيذ الإضراب.

تؤكد التطورات الحاصلة في تونس، توسع حلقة الرافضين لإجراءات سعيد، فحتى المظاهرات التي يدعو لها أنصاره من حين إلى آخر لم تعرف تفاعلًا يذكر رغم تخصيص مجهودات الدولة لصالحها وتسهيل كل الأمور لفائدتها.

انحسار قائمة الداعمين لسعيد في بعض الشخصيات والأحزاب الصغيرة، يبين أن الرئيس يعيش في عزلة تزداد اتساعًا يومًا بعد يوم نتيجة إصراره على فرض توجهه الأحادي دون أن يولي اهتمامًا لأي طرف سواء في الداخل أم الخارج حتى ممن يساندون تمشيه.

استمرار سعيّد في إجراءاته، يعني أن تونس مقبلة على فترة حرجة يصعب الخروج منها، لذلك ليس أمام المعارضة إلا أن تواصل توحيد جهودها ورصّ صفوفها إلى أن تتمكن من وضع حدّ للانقلاب بحيث لا تنتهي المحنة وقد استحالت البلاد إلى حالة من الفوضى والاضطراب.