على أمل طي صفحة مريرة مليئة بالخلافات والصدامات، تمضي تركيا والنمسا نحو مرحلة جديدة في العلاقات في أعقاب الإطاحة بالحكومة اليمينية للمستشار النمساوي الشاب زيباستيان كورتس، في خريف العام الماضي، وذلك بعد سنوات من الحروب الكلامية على إثر الاختلاف في العديد من القضايا في مقدمتها شؤون الجالية الإسلامية والتركية في النمسا وملف انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.

ومع تولي المستشار النمساوي الجديد كارل نيهامر مقاليد الحكم، يحاول البلدان فتح صفحة جديدة في ظل التطورات الدولية المتلاحقة وفي مقدمتها الحرب الروسية الأوكرانية والدور التركي البارز في محاولة إيقاف عجلة الحرب والدبلوماسية النشطة لحكومة الرئيس رجب طيب أردوغان في التواصل مع مختلف القوى الدولية والإقليمية لتسوية العديد من الأزمات المتفجرة من تداعيات تلك الحرب.

انطلقت باكورة الاتصالات السياسية بين البلدين في مارس/آذار الماضي بالمباحثات الهاتفية بين أردوغان ونظيره النمساوي

ويبدو أن النمسا باتت تدرك قيمة وقوة تركيا كثاني أكبر قوة عسكرية في الناتو ووسيط بين الأطراف المتصارعة لا غنى عنه، ولا سيما مع تصاعد المخاوف العسكرية والأمنية في البلقان وشرق ووسط أوروبا من تداعيات الغزو الروسي في أوكرانيا.

وعلى وقع الحرب، انطلقت باكورة الاتصالات السياسية بين البلدين في مارس/آذار الماضي بالمباحثات الهاتفية بين أردوغان ونظيره النمساوي، ثم شارك وزير الخارجية النمساوي في منتدى أنطاليا الدبلوماسي، وشهد شهر أبريل/نيسان الماضي مباحثات هاتفية للرئيس التركي مع المستشار النمساوي الجديد، ومن المنتظر أن تتوج تلك البوادر الإيجابية بلقاء يجمع بين أردوغان ونيهامر في مدريد، على هامش قمة زعماء "ناتو"، نهاية الشهر الحاليّ، فهل يمكن التوصل لتسوية أو صيغة تفاهم في القضايا العالقة بين أنقرة وفيينا؟ 

أوجه الخلافات 

التاريخ حاضر دائمًا في الخلافات العميقة بين تركيا والنمسا، فمنذ أن حاصر العثمانيون أسوار فيينا مرتين في مطلع القرن السادس عشر وقبل نهاية القرن السابع عشر، وبعد أن عادوا في المرة الثانية منكسرين لتبدأ بعدها دولة آل عثمان مرحلة من التدهور والاضمحلال انتهت بسقوطها في أعقاب نهاية الحرب العالمية الأولى، لم ينس اليمين المتطرف في أوروبا والنمسا السيادة العثمانية على البلقان وشرق أوروبا، ويُستدعى التاريخ دائمًا في محاولات استعداء واستهداف الجاليات الإسلامية وفي القلب منها الجاليات التركية، فيما لم ينس الأتراك تاريخ أجدادهم، محاولين قدر استطاعتهم غرس هذا التاريخ في أذهان وعقول أبنائهم.

ومنذ مطلع الألفية الثالثة أصبح الأتراك أكبر جالية أجنبية في النمسا بعد أن كان المواطنون القادمون من يوغسلافيا السابقة يحتلون الصدارة، حيث يقدر عددهم بنحو 250 ألف نسمة في بلد لا يزيد تعداد سكانه على 9 ملايين نسمة، وقبل صعود اليمين المتطرف في النمسا، حصل آلاف الأتراك على حقوق المواطنة، حيث يسكن الكثير منهم في العاصمة فيينا، ومع تعاظم دورهم هناك، تمكن بعضهم من الدخول للبرلمان النمساوي بدعم من الأحزاب الاشتراكية والخضر بشكل خاص.

يتميز الأتراك وعلى خلاف الجاليات الأخرى بتمسكهم بتقاليدهم ودينهم الإسلامي، فأنشأوا مناطق خاصة بهم لا سيما في الأحياء 15 و16 بالعاصمة فيينا، كما تنتشر المدارس والمساجد والمطاعم والمتاجر والأسواق التي توحي للزوار بأنهم في مدن تركية وليست نمساوية، وكان يحرص المسؤولون الأتراك وعلى رأسهم رئيس الوزراء - حينها - رجب طيب أردوغان وغيره من السياسيين الأتراك على زيارة الأحياء التركية هناك والتعرف على مشاكل واهتمامات هذه الجالية بعد أن أصبحت كيانًا مميزًا داخل النمسا. 

يعد الأئمة الأتراك واجهة خفية لتشكيل الحياة الدينية للأتراك المقيمين في أوروبا لخدمة أهداف سياسية

أما النمسا - خاصة في عهد الحكومة اليمينية التي تشكلت من حزب الشعب المحافظ وحزب الحرية اليميني المتطرف -، شددت على ضرورة قطع كل أشكال التواصل بين تلك الجاليات وبلادهم الأصلية وحجب كل أنواع التمويل للأنشطة الدينية والثقافية وفي مقدمتها المساجد، مستهدفة هوية الجاليات الإسلامية وكيانها المعنوي ومنظومتها القيمية والفكرية وخصوصيتها الثقافية، مجبرةً إياها على التخلي عن تراثها وتعاليمها الدينية، من أجل الانصهار بشكل كافٍ في المجتمع النمساوي والثقافة الأوروبية.

ومع استهداف حكومة كورتس اليمينية للمسلمين والأتراك في النمسا، وقع الصدام الشديد والتوتر البالغ بينها وبين الحكومة التركية، وتبادل الطرفان الاتهامات، فحكومة أردوغان اتهمت حكومة فيينا بأنها حكومة عنصرية تعادي الإسلام والمسلمين، فيما أكدت حكومة كورتس رفضها لما أسمته تدخلات تركيا في الشؤون الداخلية للنمسا.

وكانت تهم الإرهاب والتطرف حاضرة دائمًا في استهداف الجاليات المسلمة في النمسا وفي القلب منها الجالية التركية، ففي يونيو/حزيران 2018 أعلنت حكومة كورتس عزمها طرد 60 إمامًا تركيًا وأسرهم وإغلاق 7 مساجد، فقد صرح المستشار النمساوي السابق حينها بأنه "ليس هناك مكان للمجتمعات الموازية والإسلام السياسي والاتجاهات المتطرفة في بلدنا"، وكما قلنا فإن استدعاء التاريخ لم يغب أبدًا عن الخلافات، فالسلطات النمساوية استندت في قرارها إلى إعادة تمثيل أطفال مسلمين لمشاهد من معركة غاليبولي التي صمد فيها العثمانيون في الحرب العالمية الأولى وأفشلوا حملة لقوات الحلفاء استهدفت احتلال إسطنبول، فقد ادعت السلطات النمساوية أن عملية التمثيل تمت في أحد أبرز مساجد النمسا التي تحصل على تمويل تركي ويديره الاتحاد الإسلامي التركي في النمسا. 

وفيما زعمت أصوات مقربة من الحكومة النمساوية السابقة أن الأئمة الأتراك يعدون واجهة خفية لتشكيل الحياة الدينية للأتراك المقيمين في أوروبا لخدمة أهداف سياسية، خاصة بعد وصول أردوغان للحكم، بهدف أسلمة الشباب والمراهقين ونشر النزعة العثمانية المتصارعة مع أوروبا، وفي هذا الصدد قالت هيئة الإذاعة النمساوية إن صور أطفال يؤدون تحية منظمة الذئاب الرمادية القومية التركية جاءت من مسجد في حي فافوريتن في فيينا الذي تديره منظمة الذئاب الرمادية، التي تمتلك فروعًا في بلدان عديدة، في المقابل رفضت أنقرة تلك الاتهامات، معتبرة أن طرد الأئمة وأسرهم يعبر عن الموجة الشعبوية والمعادية للإسلام والعنصرية والتمييزية في النمسا.

تبع تلك الحادثة، تعرض أتراك لاعتقالات، وحجز بعض أغراضهم بينها حواسيب ووثائق بعد اقتحام منازلهم، في إطار حملة قادها حزب الحرية اليميني المتطرف المشارك في حكومة كورتس السابقة، للتشديد على تطبيق قانون منع الجنسية ومعاقبة المخالفين لهذا القانون، وخلال استفتاء بخصوص تعديلات دستورية في النمسا عام 2017، أثار حزب الحرية تلك القضية وأعد قائمة بعشرات آلاف الناخبين النمساويين من أصول تركية، مدعيًا احتفاظهم بجنسية بلدهم الأصلية، مطالبًا بالتحقيق معهم ومعاقبتهم.

الاتهامات بين البلدين لم تتوقف، إذ وجهت فيينا للحكومة والمخابرات التركية اتهامات في مناسبات عديدة بالدفع بشبكات جواسيس على الأراضي النمساوية، كما سبق أن وجهت فيينا اتهامات لأنقرة، بالوقوف وراء هجوم إلكتروني على مواقعها الرسمية، بعد أن تبنت مجموعة قراصنة إلكترونيين أتراك هجومًا عبر الإنترنت على مطار فيينا في سبتمبر/أيلول 2016.

وفي يونيو/حزيران 2020 تبادل البلدان الاتهامات وتصاعد التوتر بينهما، واستدعت الخارجية التركية السفير النمساوي في أنقرة، فيما استدعت نظيرتها النمساوية السفير التركي في فيينا، إثر اشتباكات بين متظاهرين أكراد وأتراك في فيينا، حيث انتقدت الخارجية التركية بشدة تعامل النمسا مع الاحتجاجات، التي ألقت مسؤوليتها على مجموعات مرتبطة بمسلحي حزب العمال الكردستاني، فيما طالبت فيينا الحكومة التركية بتخفيف التصعيد والكف عن التدخل في شؤونها، وشدد نيهامر وزير الداخلية وقتها على عدم التسامح إطلاقًا مع محاولات حل النزعات التركية في شوارع النمسا.

وفي مايو/أيار 2021، أثارت "خريطة الإسلام" التي وضعتها الحكومة النمساوية لتحديد مواقع المساجد والمؤسسات الإسلامية قلق العديد من مسلمي النمسا وممثليهم، في المقابل رفضت تركيا الخريطة، وقالت وزارة الخارجية التركية في بيان: "تقديم وزيرة الاندماج سوزان راب لخريطة تفصّل جميع المؤسسات الإسلامية في النمسا (...) أمر مرفوض". وحضّت الوزارة فيينا على عدم "إعداد سجل للمسلمين"، بل على تبني "سياسة مسؤولة".

الخلافات لم تقتصر على شؤون الجالية التركية في النمسا، فقد كان التاريخ حاضرًا مرة ثانية، في تعميق الصراعات والتوتر بين البلدين، إذ تسبب اعتراف النمسا بـ"الإبادة الجماعية" للأرمن، شرق تركيا، إبان الحرب العالمية الأولى على يد العثمانيين الأتراك في إثارة غضب أنقرة التي استدعت سفيرها لدى النمسا، حسن كوغوس، في أبريل/نيسان 2015، احتجاجًا على الموقف النمساوي الذي يتنافى والرواية الرسمية التركية حيال أحداث شرق تركيا.

الموقف النمساوي الحاد من انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، لم يثر غضب تركيا التي اعتبرته تعبيرًا عن العداء والعنصرية فحسب

المثير في الأمر أن أردوغان تبادل مع نيهامر المستشار الحاليّ، الانتقادات الحادة وذلك حينما كان الأخير يتولى حقيبة الداخلية في حكومة كورتس، فقد انتقد الرئيس التركي تصريحات نيهامر المعادية لتركيا لاعتبارات سياسية داخلية بحتة، فيما انتقد الأخير ما أسماه الدور المشين لتركيا في الشرق الأوسط، متهمًا أردوغان بصب الزيت على النار.

وفي أكتوبر/تشرين الأول قبل الماضي قال نيهامر: "إذا كان رجب طيب أردوغان وتركيا يحاولان تأسيس شبكة من الجواسيس في النمسا، فلا بد أن يكون لذلك عواقب قوية"، وتابع "كل شخص يهدد نظامنا وقيمنا يجب أن يتوقع أننا سنواجه ذلك بكل قوة"، فيما قالت وزيرة الاندماج سوزان راب: "لطالما كان نفوذ تركيا في النمسا حقيقة خطيرة"، وتابعت "سنعمل على وقف هذا النفوذ لأن النمسا يجب أن تكون من المحرمات تمامًا على أردوغان".

الانضمام للاتحاد الأوروبي 

عارض الائتلاف الحكومي اليميني المتطرف الذي صعد للحكم في النمسا قبل نهاية عام 2017، انضمام أنقرة للاتحاد الأوروبي، وطالب المستشار النمساوي السابق كورتس الاتحاد الأوروبي بوقف مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، ما أثار غضب القيادة والحكومة التركية وفي مقدمتها الرئيس أردوغان.

الموقف النمساوي من رفض انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي لا يعود إلى حكومة كورتس فقط، بل هو نهج ثابت لحكومات فيينا المتعاقبة على مدار أكثر من 15 عامًا اتسمت فيهم سياسة النمسا بالشدة والحدة تجاه هذا الملف، فقد سبق أن طالب المستشار النمساوي الأسبق كريستيان كيرن عام 2016، الاتحاد الأوروبي بإنهاء محادثات العضوية مع تركيا، مؤكدًا أن تركيا غير مؤهلة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قائلًا: "علينا أن نواجه الحقيقة، مفاوضات العضوية لم تعد الآن إلا مجرد خيال"، وأن معايير الديمقراطية بتركيا ليست كافية، كما وصف وزير الدفاع النمساوي السابق هانز بيتر دوسكوزيل تركيا بأنها "ديكتاتورية"، مضيفًا "مثل هذه الدول لا مكان لها في الاتحاد الأوروبي".

كما جدد رئيس الوزراء النمساوي السابق كورتس في مناسبات عدة، مطالبته للاتحاد الأوروبي بوقف فوري ومباشر لمفاوضات انضمام تركيا إلى عضوية الاتحاد، وقال كورتس في تصريحات صحافية إن تركيا بدأت في السنوات الأخيرة تبتعد كثيرًا عن دول الاتحاد الأوروبي والقيم والمعايير الأوروبية، مطالبًا الاتحاد الأوروبي العمل على إيجاد بدائل لعضوية تركيا، مثل سياسة حسن الجوار والشراكة الإستراتيجية.

الموقف النمساوي الحاد من انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، لم يثر غضب تركيا التي اعتبرته تعبيرًا عن العداء والعنصرية فحسب، وكان محل انتقاد المفوضية الأوروبية التي اعتبرت وقف مفاوضات انضمام تركيا خطأً كبيرًا على مستوى السياسة الخارجية.

في مقابل الحملة النمساوية ضد انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، أعاقت الحكومة التركية تعاون حلف الناتو مع القوات المسلحة النمساوية منذ عام 2016، وفي مايو/أيار 2017 قاد هذا الغضب تركيا إلى استخدام الفيتو لرفض تعاون حلف شمال الأطلسي مع النمسا، الخطوة التي أبكت نشاطات شراكة الحلف مع 41 بلدًا، وتعد تركيا لاعبًا أساسيًا في عمليات الحلف.

نهج معادٍ 

قبل صعوده لرئاسة الحكومة النمساوية عام 2017، انتهج سباستيان كورتس، سياسات معادية لتركيا ولجاليتها المقيمة في النمسا ومن خلفها كل الجاليات الإسلامية، فقد لعب دورًا مهمًا في إقرار البرلمان النمساوي عام 2015 لتعديلات مثيرة للجدل على قانون بشأن الإسلام معمول به في البلد منذ قرن، تم بموجبها حظر التمويل الأجنبي للأئمة والمساجد، ما أثار غضب الكثير من المسلمين في النمسا واعتبروه تمييزًا ضدهم.

فيما زعم كورتس أن التعديلات "حدث مهم" للنمسا، هدفها منع دول إسلامية معينة من استخدام الوسائل المالية لجني "نفوذ سياسي"، ملمحًا بذلك إلى تركيا صاحبة أكبر جالية إسلامية وأجنبية بالنمسا، مطالبًا بضرورة تطور الإسلام بما يتوافق مع القيم الأوروبية المشتركة.

يبدو أن النمسا تحاول إجبار المسلمين على دفع ثمن الإبادة الجماعية لليهود

وفي فبراير/شباط 2017 حينما كان يشغل كورتس منصب وزير خارجية النمسا، أعلن أن بلاده لا ترحب بزيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في إطار حملته للاستفتاء على الدستور، بدعوى أن ذلك قد يعمق الانقسامات بين مؤيديه والأتراك ذوي الأصول الكردية المقيمين في النمسا، كما منع كورتس وزير الاقتصاد التركي نهاد زيبكجي، من دخول البلاد للمشاركة في أحد التجمعات المؤيدة لحكومة أردوغان، بمناسبة الذكرى السنوية الأولى للانقلاب الفاشل.

وإلى جانب مطالباته المتكررة بوقف مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، هاجم كورتس الرئيس أردوغان شخصيًا في تصريحات سابقة نشرتها صحيفة دي فيلت أم زونتاغ الألمانية قال فيها: "أردوغان يثير الاستقطاب ويجلب النزاعات التركية إلى الاتحاد الأوروبي"، وأضاف "أندد بالتدخل المستمر لأردوغان في الشؤون الداخلية للدول الأخرى"، معتبرًا أن تركيا تخطت الخطوط الحمراء، وأضاف "الدولة التي تحبس الصحافيين وزعماء المعارضة ليس لها مكان في الاتحاد الأوروبي".

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2020، اتهم كورتس تركيا بممارسة الاستفزاز في النزاع الدائر بشأن التنقيب عن الغاز شرقي البحر المتوسط، وهدد بفرض عقوبات أوروبية على أنقرة. 

وفي مايو/أيار 2021، استفز كورتس العالم الإسلامي وليس تركيا فقط، حينما رفع علم "إسرائيل" فوق مبنى المستشارية الاتحادية ووزارة الخارجية تضامنًا مع تل أبيب، زاعمًا أن "الهجمات الإرهابية على "إسرائيل" تستحق أشد الإدانة، ونحن إلى جانب "إسرائيل""، فيما اعتبرت الرئاسة التركية الأمر عملًا غير أخلاقي.

أما أردوغان فقد لعن النمسا على هذا الفعل قائلًا: "ألعن الحكومة النمساوية التي رفعت العلم الإسرائيلي على مبنى مكتب المستشار النمساوي، إن رفعك علم دولة إرهابية على مبنى الدولة التي تنتمي إليها يعني التماهي مع الإرهاب، ويبدو أن النمسا تحاول إجبار المسلمين على دفع ثمن الإبادة الجماعية لليهود".

بوادر التقارب 

كانت الإطاحة بحكومة المستشار السابق زيباستيان كورتس الذي أعلن اعتزاله الحياة السياسية على وقع اتهامات بالفساد في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بداية لمرحلة جديدة في العلاقات التركية النمساوية، لم يطو البلدان الخلافات العميقة بينهما، لكن أجواء التوتر والتأزم هدأت كثيرًا.

وجدت الحكومة النمساوية الجديدة بقيادة المستشار كارل نيهامر نفسها مرغمة على التواصل مع تركيا وقياداتها، مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية والتطورات الأخيرة في السياسات التركية في ظل تقارب أنقرة مع "إسرائيل" وأرمينيا، ومع انفتاح حكومة أردوغان على تصفية معظم خلافاتها وتحسين علاقاتها الدولية والإقليمية، ومن ثم كانت الانفراجة التي شهدتها العلاقات مؤخرًا بين البلدين، ومحاولة تجاوز مرحلة الأزمات المتوالية والتدهور الشديد الذي شهدته علاقات البلدين السنوات الماضية.

مثلت الحرب الروسية الأوكرانية دورًا محوريًا في باكورة المباحثات الثنائية بين أنقرة وفيينا التي كان من أبرزها مباحثات أردوغان مع نظيره النمساوي ألكسندر فان دير بيلين، مطلع مارس/آذار الماضي، ثم مشاركة وزير الخارجية النمساوي ألكسندر شالينبرغ في منتدى أنطاليا الدبلوماسي، وتصريحاته الإيجابية عن دعم فيينا لجهود أنقرة في إحلال السلام بأوكرانيا، وتعززت بوادر تحسن العلاقات بين البلدين من خلال المباحثات الهاتفية التي جمعت الرئيس التركي والمستشار النمساوي الجديد كارل نيهامر، وتأكيد الأخير على جهود الوساطة التركية في إنهاء الحرب بين موسكو وكييف.

وفي إطار تحسين العلاقات بين البلدين، التقى الرئيس أردوغان بعمدة فيينا مايكل لودفيج خلال زيارته لتركيا كرئيس لجمعية المدن النمساوية، وتناولت مباحثات الجانبين الغزو الروسي لأوكرانيا والموجة الحاليّة من التضخم ونتائج الوباء على السياحة والعلاقات الثنائية وملف انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.

بوادر التحسن في العلاقات لم تقتصر على المباحثات واللقاءات بين الجانبين، بل تضمنت خطوات فعلية على الأرض

المرحلة الجديدة للعلاقات النمساوية التركية، عبر عنها السفير التركي في فيينا أوزان جيهون، في حديث له مع وكالة الأناضول، فكشف أن الأشهر الأخيرة شهدت تحسنًا في العلاقات بين تركيا والنمسا، وأن ثمة مشاورات ثنائية في العديد من القضايا أبرزها سبل إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، مشيرًا إلى دعم المستشار نيهامر لمباحثات إسطنبول التي تجمع بين موسكو وكييف وجهوده لتأمين الدعم الأوروبي لتلك المباحثات، كاشفًا عن عزم رئيس البرلمان النمساوي وولفجانج سوبوتكا، زيارة تركيا الشهر الحاليّ في خطوة هي الأولى من نوعها منذ سنوات.

اللقاء التاريخي المرتقب بين أردوغان والمستشار النمساوي نيهامر بمدريد نهاية الشهر الحاليّ، سيكون حساسًا للغاية، بحسب السفير التركي بفيينا، وقد يشهد فتح مجالات التعاون بين البلدين، سياسيًا واقتصاديًا، خاصة مع التطورات الإيجابية في العلاقات التجارية بين أنقرة وفيينا وبلوغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 3.7 مليار يورو، حتى نهاية 2021.

أهداف تركيا من التقارب 

أردوغان في مباحثاته مع قيادات النمسا، عبر عن أهداف بلاده من تطوير العلاقات، فلم ينس التأكيد على أن الأتراك الذين يعيشون في النمسا ساهموا بشكل كبير في تطوير الروابط بين المجتمعين، مشيرًا إلى أن المجتمع التركي في النمسا يشكل أقوى رابطة إنسانية بين البلدين، مؤكدًا أن إيلاء النمسا الاهتمام اللازم براحة ورفاهية المجتمع التركي سيعزز المناخ الإيجابي الراهن بين أنقرة وفيينا.

وفي إشارة ذات مغزى للموقف النمساوي من انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، عبر الرئيس التركي خلال مباحثاته مع قيادات الحكومة النمساوية الجديدة، عن رغبته بإعادة تشغيل الآليات القائمة للعلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي، وإحراز تقدم ملموس بخصوص رفع تأشيرات الدخول عن مواطني تركيا إلى بلدان الاتحاد الأوروبي، وفتح فصول جديدة في مسار انضمام أنقرة للاتحاد، وبدء مفاوضات تحديث الاتحاد الجمركي دون تأخير.

وفي إشارة إلى ملف الغاز الذي تعاظمت أهميته عقب اندلاع الحرب والعقوبات الأمريكية والأوروبية على روسيا، وسعي الاتحاد الأوروبي للاستغناء عن الغاز الروسي، أكد أردوغان في مباحثاته أن التطورات الأخيرة تكشف مدى أهمية تركيا لأمن أوروبا، وعبر عن استعداد بلاده لتعزيز التعاون مع النمسا في مجال نقل الغاز الطبيعي من بحري قزوين والمتوسط إلى أوروبا، منوهًا بأن النمسا تعد مركز توزيع مهم للغاز الطبيعي في أوروبا، ومعربًا عن استعداد أنقرة لتعزيز تعاونها مع فيينا في هذا الإطار.

تصريحات الرئيس التركي حددت بشكل واضح أهداف أنقرة من التقارب مع فيينا ومساعي أردوغان نحو استثمار التطورات الدولية المتعلقة بالحرب وجهود الوساطة التي تقودها بلاده في الدفاع والبحث عن مصالح تركيا وتحقيق أكبر قدر من المكاسب وفرض شروطها فيما يتعلق بأوضاع الجالية التركية في النمسا وملف انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي وطموح أنقرة في مد خطوط الغاز لأوروبا عبر أراضيها.

وإذا كانت النمسا ليست عضوًا بحلف الناتو ولا تطمح في عضويته، مدعية التزامها بالحياد العسكري، فإنها تطمح في تعميق شراكتها العسكرية مع الحلف خصوصًا عقب اندلاع الحرب، ولا سبيل لها في ذلك إلا عبر رضا وموافقة تركيا التي حددت مطالبها وشروطها بشكل واضح وصريح. 

دوافع النمسا 

في كلمته الشهر الماضي أمام المؤتمر الاستثنائي لحزب الشعب النمساوي الذي استلم فيه رئاسة الحزب خلفًا للمستقيل سبيستيان كورتس، قال رئيس الوزراء النمساوي كارل نيهامر، إن حكومته تسعى لتعزيز العلاقات القائمة مع تركيا إلى مستويات أرقى، مشددًا على أن تعزيز العلاقات الثنائية مع تركيا، أمر مهم للغاية بالنسبة للنمسا.

ليس من المتوقع أن تغير النمسا سياستها الثابتة إزاء انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، إلا أنها لن تعبر عن موقفها بشكل حاد ومتطرف مثلما كانت تفعل في سنوات التوتر مع أنقرة

وفي ظل مسارعة كثير من القوى الأوروبية إلى محاولات الانضمام للناتو أو على الأقل تعميق الشراكة معه، تبدو أنقرة صاحبة القول الفصل في هذا الأمر، والموقف التركي من السويد وفنلندا في هذا التوقيت الحرج أوضح لفيينا أهمية استرضاء تركيا، ولعل لقاء أردوغان المرتقب مع المستشار النمساوي على هامش قمة الناتو بمدريد يحمل رسالة ذات مغزى لفيينا وحكومتها.

كما أن سياسات الحكومة اليمينية المتشددة السابقة في النمسا لم تكن مقبولة على المستوى العالمي ولا على المستوى الأوروبي، وكان موقفها الحاد الرافض انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي محل انتقاد الاتحاد ذاته، وفي ظل تداعيات وتجاذبات الحرب ترغب النمسا في فتح صفحة جديدة مع تركيا وعدم استنزاف قواتها في التصارع مع أنقرة في ظل نفوذ حكومة أردوغان الواسع لدى الجالية التركية بالنمسا وفشل وصعوبة محو هوية المسلمين هناك وإلغاء خصوصايتهم ونسقهم القيمي. 

كما أن سقوط كورتس بتهم الفساد واضطراره لاعتزال الحياة السياسية في منتصف الثلاثينيات من عمره، يمثل سقوطًا لخطابه ونهجه المعادي لتركيا بصفة خاصة وللمهاجرين والمسلمين بصفة عامة، ومن ثم يبدو المستشار الجديد ورغم أنه كان وزيرًا للداخلية بالحكومة السابقة حريصًا على إظهار سياسة جديدة لحكومته ونهج أشد اعتدالًا وأكثر واقعية في التعامل مع قضاياها الداخلية وعلاقاتها الدولية.

يعد التعاون الاقتصادي بين البلدين دافعًا للتقارب، وخاصة في ملف الغاز الذي تطمح أنقرة أن تكون ممره الآمن نحو أوروبا سواء من شرق المتوسط أم من بحر قزوين، إضافة إلى إمكانية تحويل النمسا إلى مركز أوروبي لتوزيع الغاز في ظل موقعها الإستراتيجي في وسط القارة العجوز.

التقدم المذهل في الصناعات الدفاعية التركية وتضاعف حصيلة صادرات تركيا من الأسلحة، وكذلك النجاحات الكبيرة للمسيرات التركية، ربما يفتح شهية النمسا نحو الاستعانة بالخبرات التركية وتعزيز قوتها العسكرية في ظل التحديات التي تفرضها التطورات العالمية الحاليّة.

تدرك فيينا أن مواصلتها لاستفزاز أنقرة عبر التصريحات العدائية واستمرارها في اتخاذ المواقف الصدامية على طول الخط مع حكومة أردوغان لا يرضي الأطراف الأوروبية والدولية الفعالة حاليًّا في ظل تعليق كثير من القوى الآمال على الجهود التركية في إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية أو على الأقل تخفيف آثارها الحادة على الاقتصاد العالمي وإمكانية حدوث أزمة غذاء حادة ربما لا يمكن حلها إلا عبر استئناف تصدير الحبوب الأوكرانية والروسية عبر البوابة التركية.

وليس من المتوقع أن تغير النمسا من سياستها الثابتة إزاء انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، إلا أنها لن تعبر عن موقفها بشكل حاد ومتطرف مثلما كانت تفعل في سنوات التوتر مع أنقرة، وربما تسعى لاستخدام هذا الملف كورقة مساومة وضغط لتسوية خلافاتها مع أنقرة المتعلقة بأوضاع الأتراك في النمسا وملف التعاون مع الناتو.

والخلاصة أن الفرصة سانحة أمام تركيا والنمسا لطي صفحة الماضي والشروع في تحسين العلاقات والتقارب بين البلدين وتعميق أوجه التعاون شريطة أن يتراجع كل طرف بعض الخطوات للخلف، ففيينا مطالبة بتخفيف موقفها الحاد من ملف انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، كما أنها مطالبة باحترام الخصوصية الثقافية للجاليات المقيمة على أراضيها والابتعاد عن السياسات العدائية ضد المهاجرين والأجانب.

فيما تبقى تركيا مطالبة بتخفيف لهجتها التصعيدية ضد النمسا والتواصل مع الجالية التركية هناك عبر الحكومة النمساوية وطمأنة مخاوف فيينا مما يثار عن سياسات النفوذ والهيمنة واستخدام الجالية التركية كورقة سياسية، ومع تحقيق تلك المطالب ربما يلتقي البلدان في منتصف الطريق.