تأمل السعودية في نهاية التوتر مع المغرب

بعد سنوات من التوتر والقطيعة يبدو أن العلاقات السعودية المغربية في طريقها نحو التحسُّن والانفراج، وهو ما استخلصناه من الخطوات المتتالية من كلا الجانبين لدفع الخلافات الثنائية جانبًا وتغليب مصلحة المملكتَين.

مسار التوتر

لطالما اتّسمت العلاقات الدبلوماسية بين الرباط والرياض على مرّ عقود من الزمان بالتقارب والتحالف في الكثير من الأحيان، فالمغرب شريك مهم للسعودية ودول الخليج ككل باعتباره المملكة الوحيدة في الدول العربية بالقارة الأفريقية.

بعد هذا التقارب الكبير، شهدت العلاقة بين البلدَين توترًا كبيرًا بدت ملامحه في عدة جوانب، خاصة بعد تغيُّر الموقف السعودي من قضية الصحراء الغربية المتنازع عليها، والتي تُعتبر القضية المركزية في المملكة المغربية.

كانت السعودية من أشد الداعمين للموقف المغربي من أزمة الصحراء الغربية، لكن في عام 2018 تغيّر موقفها إذ عمدت المملكة إلى استغلال هذا الملف "المصيري" للتعبير عن عدم رضاها عن المغرب وسياسته الخارجية، خاصة فيما يتعلق بالأزمة الخليجية، فضلًا عن الأزمة اليمنية.

ما يبيّن تغيُّر موقف الرياض تخصيص قناة "العربية" فقرة تفاعلية عن الصحراء الغربية، تحدثت فيها بنبرة إيجابية عن جبهة البوليساريو الانفصالية وأبرزت وجهة نظرها من القضية على حساب الوجهة التي تتبنّاها المملكة المغربية.

وأشار مقدّم الفقرة حينها إلى اعتراف الكثير من الدول، وفق قوله، بـ"الجمهورية العربية الديمقراطية الصحراوية" المعلَنة من طرف واحد، التي تطالب باستفتاء لتقرير المصير، واعتبار الأمم المتحدة لها كممثل شرعي لما وصفه بـ"الشعب الصحراوي".

يعتبر تأكيد السعودية دعمها الطرح المغربي في خصوص قضية الصحراء الغربية أهم نتائج الدورة الـ 13 للجنة السعودية المغربية

موقف السعودية الجديد لم يأتِ من فراغ، فقبل ذلك أعلن المغرب عن وقف مشاركته في العمليات العسكرية والاجتماعات الوزارية الخاصة بالتحالف العربي، وكان المغرب قد أعلن مبكرًا مشاركته في "عاصفة الحزم" باليمن، منذ انطلاقها في شهر مارس/ آذار 2015، خلافًا لكل دول المغرب العربي الأخرى، مُبديًا وقوفه الكامل مع المملكة العربية السعودية في حربها ضد الحوثيين وإعادة شرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي.

وكانت مشاركة المغرب في التحالف العربي عن طريق قوات جوّية وبرّية أيضًا، تشمل سربًا من 6 طائرات F-16 الأمريكية الصنع (نفس المقاتلات المغربية التي تشارك بالحرب الدولية على تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في العراق وسوريا)، و1500 جندي من القوات الخاصة التابعة للدرك الحربي، وتعمل هذه القوات تحت قيادة الإمارات العربية المتحدة.

اعتبرت السعودية هذا الانسحاب تخلّيًا مغربيًّا عنها في ظل تزايد الضغوط على التحالف العربي الذي يُتَّهم بارتكاب مجازر بحقّ المدنيين في اليمن، والتسبُّب في تدمير البنية التحتية للبلاد بما في ذلك المدارس والمستشفيات.

 

كفو اهل الخليج وعلى رأسهم بلاد الحرميين الشريفين ❤️🇲🇦
المغرب والمغاربة لن ينسوا ابدا وقفتكم الاخوية مع المملكة المغربية الشريفة
حفضكم الله وحفض بلدانكم 🙏🙏🙏#المغرب#السعودية#الإمارات #البحرين #الكويت#قطر#سلطنة_عمان pic.twitter.com/olvnTfdbbu

لكن السبب الأبرز لتوتر العلاقات كان الموقف المغربي من أزمة الخليج ومقاطعة السعودية لدولة قطر، واختيار الرباط الحياد الإيجابي من الأزمة وعرضها الوساطة بين الأشقاء الخليجيين سعيًا منها لمنع تصاعُد الوضع وتأزُّمه، وتبعت ذلك بإرسال طائرة محمَّلة بالمواد الغذائية إلى قطر.

كما لم تستقبل المغرب ولي العهد السعودي في جولته العربية التي أعقبت اغتيال الصحفي جمال خاشقجي في سفارة بلاده بإسطنبول بدعوى "ازدحام جدول الأعمال"، وغاب التنسيق بين المغرب والسعودية، وهو التنسيق الذي راهنت عليه السعودية كثيرًا لتبدو بمثابة الدولة التي تتزعّم الملكيات العربية.

لم تغفر السعودية مواقف المغرب، وبدأت في استغلال قضية الصحراء الغربية للتشويش على الرباط واستغلال وسائلها الإعلامية في ذلك، حتى أن السعودية صوتت لصالح الملف الأمريكي لاستضافة مونديال 2026 لكرة القدم عوضًا عن التصويت للمغرب.

لم تكتفِ السعودية بالتصويت لصالح الملف الثلاثي خلال مرحلة التصويت، بل شجّعت عددًا من الدول المقرّبة منها -خاصة العربية منها والآسيوية- على التصويت لواشنطن وحشدت دعمها ضد المغرب الشقيق.

نتيجة ذلك، دخلت العلاقات السعودية المغربية في نفق مظلم لم يُعرَف له نهاية، فكل طرف متشبّث بموقفه ويرى أنه على حق دون وجود أي جهود بتقريب وجهات النظر بين الطرفَين، وهو ما أثّر على البلدَين.

عودة التقارب

بعد سنوات من التوتر، يبدو أن البلدَين في طريقهما نحو التقارب مجددًا، إذ وصل وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، إلى الرباط وشارك مع نظيره المغربي، ناصر بوريطة، في افتتاح الدورة الـ 13 للجنة المغربية السعودية.

وقال الوزير السعودي، الذي ترأّس وفدًا كبيرًا يضمّ مستثمرين ورجال أعمال خلال اجتماع اللجنة المشتركة المغربية السعودية بالرباط التي انطلقت أمس الخميس، إن هذا الاجتماع يمثل فرصة لترسيخ العلاقات بين البلدين وتأكيدًا على عمق هذه الشراكة.

وأضاف المسؤول السعودي: "هناك فرص نستشعر بأننا لم نستغلها بشكل كامل، خاصة في مجالات الطاقة والاقتصاد الرقمي والأخضر والسياحة والنقل الجوي"، لافتًا إلى أن "المملكة العربية السعودية تطمح إلى زيادة التعاون مع المغرب".

 

استقبل رئيس الحكومة المملكة المغربية السيد عزيز أخنوش، يوم الخميس 16 يونيو 2022، بمقر رئاسة الحكومة بالرباط، صاحب السمو الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله آل سعود، وزير خارجية المملكة العربية السعودية، الذي يقوم بزيارة عمل إلى المغرب. pic.twitter.com/3nxNp6ut3N

وحضر إلى المملكة المغربية إلى جانب وزير الخارجية السعودي رجال أعمال سعوديون، للبحث مع نظرائهم في المغرب المساهمة في حل مشاكل النقل البحري والغذاء والدواء والمواصفات والمقاييس وحماية المستثمرين.

فضلًا عن تناول التعاون الاقتصادي بين البلدَين، حرصَ الوزير السعودي على تأكيد دعم بلاده للمغرب في خصوص قضية الصحراء الغربية، ودعم الرياض لمبادرة الحكم الذاتي التي تطرحها الرباط في إقليم الصحراء، وهذا الأهم بالنسبة إلى المغرب.

في ظل إعادة تشكُّل التحالفات الإقليمية والدولية، ترغب السعودية في الاستفادة من دعم كل الدول العربية حتى لا تكون في شبه عزلة إقليمية

جاء في محضر الدورة الـ 13 لاجتماع اللجنة المشتركة المغربية السعودية، أن المملكة تجدِّد "رفضها لأي مساس بالمصالح العليا للمملكة المغربية أو التعدي على سيادتها أو وحدة ترابها الوطني"، وتجديد التأكيد على موقفها "الداعم لمغربية الصحراء".

وتقترح الرباط حكمًا ذاتيًّا موسّعًا بإقليم الصحراء تحت سيادتها، بينما تدعو جبهة البوليساريو التي تدعمها الجزائر إلى استفتاء لتقرير‎ المصير، وتُعتبر الصحراء الغربية، وفق الأمم المتحدة، أرضًا متنازعًا عليها بين المغرب وجبهة البوليساريو، حيث يسيطر المغرب على 80% منها ويديرها بصفتها الأقاليم الجنوبية، بينما تشكّل المنطقة الواقعة تحت سيطرة جبهة البوليساريو بين منطقة سيطرة المغرب وموريتانيا 20% من مساحة الصحراء الغربية.

 

#الرباط | سمو وزير الخارجية الأمير #فيصل_بن_فرحان @FaisalbinFarhan: يأتي هذا الاجتماع في دورته الـ13 تأكيدًا لعمق العلاقة بين البلدين واستشعارًا للفرص الكبيرة الموجودة لتعظيم التعاون والتنسيق فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي ومجالات الطاقة والاقتصاد الرقمي والصناعة والثروة المعدنية https://t.co/ydh4BtszKO pic.twitter.com/VvGWKn7t6B

يعتبر تأكيد السعودية دعمها الطرح المغربي في خصوص قضية الصحراء الغربية أهم نتائج الدورة الـ 13 للجنة السعودية المغربية، فالمغرب يسعى لضمان أكبر عدد من الدول الداعمة لموقفه فيما يتعلق بقضيته المركزية.

يأتي هذا التأكيد في وقت غيّرت فيه إسبانيا من موقفها تجاه قضية الصحراء لصالح المغرب، وهو ما تسبّب لها في أزمة كبرى مع الجزائر ستكون تداعياتها وخيمة عليها، كما ارتفع عدد الدول التي فتحت قنصليات لها في مدن الصحراء، ما يعتبر انتصارًا دبلوماسيًّا مهمًّا للمغرب.

مصالح سعودية

حقق المغرب، بعودة العلاقات إلى طبيعتها مع السعودية، انتصارًا دبلوماسيًّا في قضيته المركزية وفتح الباب أمام استثمارات سعودية جديدة لها أن تقدم الدعم الكبير لاقتصاد المملكة المتهالك، نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية وتواصُل تداعيات كورونا.

أما السعودية فتطمح من وراء المصالحة مع المغرب إلى العودة لشغل مكانتها الريادية بين الدول العربية، فالرياض تسعى إلى تحسين علاقاتها مع الدول العربية الأبرز حتى تعود لها مكانتها الإقليمية التي ذهبت إلى صالح دول غير عربية.

 

وزير الخارجية المغربي :
🛑علاقتنا مع السعودية لا مثيل لها .. وسنحضر لاتفاقيات بشأن الرقمنة والاقتصاد الأخضر
🛑لدينا مع ⁧#السعودية⁩ تطابق في وجهات النظر السياسية وندعم أمنها
🛑هناك تنسيق وتشاور مستمر مع السعودية في
القضايا الإقليمية والدولية#السعودية #المغرب 🇸🇦🇲🇦 pic.twitter.com/ZWvozQnG5K

تضررت السعودية في السنوات الأخيرة كثيرًا نتيجة مواقفها المتصلبة ورغبتها في قيادة العالم العربي والإسلامي بالقوة، دون الأخذ بالاعتبار مصالح الدول والشعوب العربية، فالمهمّ عندها مصالحة النظام الحاكم، وهو ما سبب لها مشاكل كبرى.

كانت السعودية تأمل في أن يصطفَّ المغرب وغيره من الدول العربية خلفها في كل المواقف، بصرف النظر عن مصالح الدول، لكن تيقّنت أن هذا الأمر صعب، وإن واصلت سياسة الضغط فإن هذه الدول ستبحث عن حلفاء جدد لا تتفق معهم المملكة، لذلك رأت من الصالح لها أن تعيد رسم سياستها الخارجية في علاقة بالدول العربية ودول الجوار.

في ظل إعادة تشكُّل التحالفات الإقليمية والدولية، ترغب السعودية في الاستفادة من دعم كل الدول العربية حتى لا تكون في شبه عزلة إقليمية، فتركيا وبدرجة أقل إيران، منافستا السعودية المباشرتان في المنطقة، عرفتا كيف توطدان علاقتهما بالدول العربية على حساب الرياض.