يصر سعيد على كتابة دستور جديد وفق قياسه

يصر سعيد على كتابة دستور جديد وفق قياسه

قبل أيام قليلة، قال رئيس الهيئة الوطنية الاستشارية في تونس المكلفة بصياغة الدستور، الصادق بلعيد، إن الدستور غير جاهز والوقت الممنوح لهم ضيق، لكنه أطل على التونسيين بعد يومين فقط قائلًا إن الدستور جاهز وتم منح الرئيس قيس سعيد نسخة منه، ما أثار حفيظة العديد من التونسيين، فهذا الأمر أكد أن الدستور جاهز منذ فترة وما اللجان المُشكلة في الغرض إلا مسرحية يُراد منها شرعنة الدستور الجديد.

لكن بعيدًا عن كون هذا الدستور جاهزًا أم تم إعداده في حلقات النقاش، دعنا نتطرق إلى أبرز ملامحه خاصة أن الرئيس وجماعته ما فتئوا يؤكدون أن خلاص تونس يكمن في المصادقة على هذا الدستور وقبل دستور 2014 الذي تمت صياغته في 3 سنوات بمشاركة 217 نائبًا ومئات الخبراء.

سعيد يتسلم مسودة الدستور

بعد 3 أسابيع من بداية عمل اللجان، تسلم قيس سعيد مسودة الدستور الجديد من رئيس اللجنة الدستورية صادق بلعيد، وفق ما أعلنت الرئاسة التونسية، مشيرة إلى أن سعيد أكد خلال اللقاء "على أن مشروع الدستور ليس نهائيًا وبعض فصوله قابلة للمراجعة ومزيد من التفكير".

من جهته قال الصادق بلعيد: "ظروف صياغة نص مسودة الدستور كانت صعبة بسبب ضيق الوقت، لكن بالاعتماد على استشارة العديد من الزملاء والخبراء تمكنا من وضع هذه المسودة التي نتمنى أن تحظى برضا السيد الرئيس"، بحسب تعبيره.

يُذكر أن جلسات "الحوار الوطني" الذي دعا إليه سعيّد بدأت العمل في 4 يونيو/حزيران الحاليّ، بهدف صياغة دستور يهدف إلى إخراج تونس من أزماتها المتعددة، وسط مقاطعة كبيرة من القوى السياسية والنقابية.

ورغم الرفض الواسع لأطياف المعارضة والمنظمات الوطنية للدستور الجديد وما رافقه من "حوار"، يصر قيس سعيد على المضي قدمًا في برنامجه المسطر وتنظيم استفتاء على الدستور في 25 يوليو/تموز المقبل، معروف نتائجه مسبقًا.

التأسيس لنظام الفرد الواحد

تقترح مسودة الدستور المقدمة إلى سعيد، نظام حكم رئاسي أقرب إلى دستور 1959 يمكن الرئيس من صلاحيات واسعة مقارنة بدستور 2014، أي أن تونس ستعود مجددًا للنظام الرئاسي الذي أثبت فشله طيلة عقود عدة.

وخلال حضوره في إحدى المحطات التليفزيونية قال بلعيد: "الدستور سيكون فيه الرئيس أعلى من الهياكل الدستورية والحزبية"، وأعلى شيء في الدولة، بذلك سيكون الآمر الناهي ولا قول بعد قوله، وهو نفس التصور الذي تحدث عنه سعيد قبل وصوله للرئاسة.

ويرى سعيد ضرورة مسك الرئيس لكل السلطات في البلاد والتحكم في المؤسسات دون أن يشاركه أحد في الحكم، فهو المؤتمن على مصير "الأمة" وفق رؤيته، ويرى في ذلك أمرًا بديهيًا ما دام الرئيس منتخب مباشرة من الشعب وله الشرعية الشعبية والانتخابية.

إقرار النظام الرئاسي يؤكد أن تونس في طريقها نحو حكم الفرد الواحد، وستكون أو بالأحرى أصبحت على موعد مع ديكتاتورية جديدة ناشئة أشد وطأة - ربما - على التونسيين من ديكتاتورية بورقيبة وبن علي التي ثار عليها الشعب يناير/كانون الثاني 2011.

يُذكر أن أغلب الدول التي انزلقت نحو الاستبداد في التاريخ الحديث كانت دولًا محكومةً بأنظمة رئاسية تحولت تدريجيًا نحو حكم الفرد الواحد، ذلك أن الرئيس يحكم بمفرده ولا يوجد من يمنعه أو يعدل ويقوّم حكمه.

برلمان شكلي وحكومة صورية

ما يؤكد كلامنا أن الدستور الجديد يقر بوجود برلمان شكلي وحكومة صورية، فالرئيس له صلاحية تعيين الحكومة ورئيسها دون النظر لنتائج الانتخابات التشريعية، وهذه الحكومة ستصبح على شكل "هيئة حكمية" لتقديم المبادرات والمراقبة، ومكلفة بالنظام الاقتصادي، حيث لن يكون لديها سلطة تنفيذية صرفة.

أي أن تونس ستكون أمام حكومة لا صلاحيات لها، فهي مجرد مكمل لنظام حكم الفرد الواحد ووجودها يؤثث المسرح ليس أكثر، الأمر الذي من شأنه القضاء على العمل الحزبي في البلاد ويفتح الطريق أمام تغول الرئيس.

ليس هذا فحسب، فمسودة الدستور تطرح فكرة وجود برلمان شكلي يقر القوانين التي تأتيه من الرئيس ولا دخل له في محاسبة الرئيس ولا الحكومة، حيث انتزعت منه السلطة الرقابية والتعديلية كما كان عليه الوضع في السابق، ما يعني أن الانتخابات التشريعية ستكون شكلية ولا فائدة تُرجى منها.

أظف إلى ذلك أن رئيس الجمهورية سيكون أعلى من الهياكل الدستورية والهياكل الحزبية، ولا رقيب له ولا حسيب، له أن يفعل ما يُريد كأنه "معصوم من الخطأ" و"مبعوث من العناية الإلهية"، وهو ما يؤكد بصمة قيس سعيد في هذا الدستور.

دين الدولة

نص الفصل الأول من دستور تونس 2014 أن "تونس دولة حرّة، مستقلة، ذات سيادة، الإسلام دينها والعربية لغتها والجمهورية نظامها" وهو نفس النص الذي تمت المحافظة عليه منذ دستور عام 1959، لكن لسعيد وجماعته رأي أخر خاصة فيما يتعلق بدين الدولة.

وتنص مسودة الدستور الجديد على إزالة نص "الإسلام دين الدولة" باعتبار أن "الدولة كيان معنوي وهياكل لا روح ولا دين لها، والقول إن تونس دولة دينها الإسلام لا معنى له"، وفق منسق هيئة كتابة الدستور الصادق بلعيد.

وأكد بلعيد أن حذف مرجعية الإسلام من الدستور الجديد الهدف منه محاربة الأحزاب السياسية على غرار النهضة التي كانت أكبر كتلة برلمانية (53 مقعدًا من أصل 217) قبل قرار حل البرلمان من سعيّد.

في نفس الغرض قال سعيد: "الأمر (الإسلام) يتعلق بالإنسان أما الدولة فهي تسعى لتحقيق مقاصد الإسلام"، وأردف أنه "في ظل الأنظمة الديكتاتورية يصنعون الأصنام ويعبدونها وهو نوع من الشرك والإسلام براء منهم"، وتابع: "في الدستور نتحدث عن أمة دينها الإسلام وليس عن دولة دينها الإسلام".

وأوضح في تصريحات بمطار تونس قرطاج، لدى توديعه أولى رحلات الحجيج إلى المملكة العربية السعودية، أنه سيتم العمل في الدستور الجديد على تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية، وهو الأمر الذي كان ينظّر له قبل توليه الرئاسة.

تبين هذه النقاط أن الدستور الجديد سيكون نسخة طبق الأصل لمشروع سعيد السابق، تعمل اللجان على شرعنة نسخة الدستور هذه، الذي يسعى من خلاله سعيد إلى تكريس حكم الفرد الواحد والقضاء على باقي السلطات والمؤسسات والأجسام الوسيطة كأنه سيُخلّد في كرسي الرئاسة.