يأمل الليبيون في انتهاء الحرب في بلادهم

يأمل الليبيون في انتهاء الحرب في بلادهم

ينتظر الليبيون منذ سنوات سماع خبر جيد ورؤية مؤشرات إيجابية لها أن تُحيي الأمل لديهم برؤية بلادهم آمنة مستقرة بعيدًا عن الحروب والانقسامات والتدخلات الأجنبية، لكن يبدو أن هذا الأمر سيتأخر قليلًا، فليبيا من سيئ إلى أسوأ ولا بوادر انفراج في الأفق على المستوى السياسي ولا العسكري، فهناك من يُريد أن يبقي الوضع على ما هو عليه حتى لا يفقد امتيازاته.

فشل مشاورات القاهرة

انتهت المشاورات الدستورية الليبية التي انعقدت في القاهرة دون الوصول إلى قاعدة دستورية تخص الانتخابات، إذ أعلنت المستشارة الأممية ستيفاني ويلياميز، قبل يومين، انتهاء الجولة الثالثة والأخيرة من مفاوضات اللجنة المشتركة من مجلسي النواب والدولة المتعلقة بالمسار الدستوري، مشيرة إلى أن الخلافات ظلت قائمة بشأن التدابير المنظمة للمرحلة الانتقالية المؤدية إلى الانتخابات.

وتوجد العديد من النقاط الخلافية التي لم تحسم منها التدابير المنظمة للمرحلة الانتقالية المؤدية إلى الانتخابات وهيكلة السلطة التشريعية واختصاصاتها ومقرها، فضلًا عن التنظيم الإداري المحلي، لكن أبرز هذه النقاط تلك المتعلقة بعدم السماح للعسكريين بالترشح لرئاسة البلاد بالانتخابات، فضلًا عن نقطة السماح لمزدوجي الجنسية بالترشح، إذ يُصرّ ممثلو مجلس النواب على حذف تلك النقاط حتى يتمكن حفتر من الترشح، الأمر الذي يرفضه ممثلو مجلس الدولة.

يعمل باشاغا على استغلال النفط الليبي للضغط على حكومة الدبيبة

أمام تعذر التوصل لاتفاق بخصوص هذه النقاط رفعت البعثة الأممية الأمر لرئاسة مجلسي النواب والدولة للفصل فيه، فقد وجهت ويلياميز دعوة لكل من رئيس البرلمان عقيلة صالح ورئيس مجلس الدولة خالد المشري، للاجتماع خلال 10 أيام في مكان يُتّفق عليه لاحقًا، لتجاوز النقاط العالقة في مشاورات الدستور الأخيرة.

هذا الفشل في اجتماعات القاهرة متوقع منذ البداية لأسباب عدة، منها طبيعة المشاركين في المشاورات، فهم لا يمثلون غالبية الطيف الليبي، كما أنهم لا يتحكمون في شيء على أرض الواقع، فالشرق تحت سيطرة خليفة حفتر ولا كلمة لغيره هناك، أما الغرب فتحت سيطرة الجماعات المسلحة التابعة لحكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبد الحميد الدبيبة، أي مهما كانت مخرجات الاجتماعات لن تنال رضا الجماعات التي لم تشارك فيها.

أيضًا توقع فشل المشاورات نظرًا لطبيعة عمل البعثة الأممية التي تقودها الدبلوماسية الأمريكية ستيفاني ويلياميز، فهي لا تحظى بدعم جميع المكونات المتدخلة في الشأن الليبي سواء المكونات الداخلية أم الخارجية وذلك لانحيازها لبعض الأطراف دون أخرى.

من أسباب الفشل أيضًا، عدم وجود إرادة دولية حقيقية حاليًّا لوضع حد للاقتتال والفوضى المنتشرة في ليبيا وإن ادعوا ذلك علنًا، فحل الأزمة الليبية يعني حتمًا انتهاء تمتع هذه القوى بخيرات ليبيا من ثروات باطنية وأموال كثيرة.

انتهاء مدة حكومة الوحدة

في الأثناء انتهت أول أمس الثلاثاء، المدة القانونية التي استندت إليها حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وفقًا لمخرجات ملتقى الحوار السياسي الذي حدد مدة عمل السلطة التنفيذية الانتقالية بـ18 شهرًا تمتد إلى 21 يونيو/ حزيران 2022.

وقبل أيام من انتهاء المدة قال الدبيبة: "كل الأجسام متأخرة عن جدولها الزمني وليست حكومتنا فقط، وننتظر إنجاز مجلسي النواب والدولة مهمتهما خلال اجتماعهما في القاهرة للتحضير للانتخابات، لكن في حال فشلهما سأدعو الشعب الليبي إلى التظاهر والتعبير عن رغبتهم في الانتخابات، إذ لا يمكننا الانتظار إلى ما لا نهاية"، وفق مقابلة مع صحيفة "جون أفريك" الفرنسية.

وأوضح رئيس الحكومة الليبية أن "مجلس الدولة تجاوز مدته الشرعية منذ 6 سنوات ومجلس النواب انتهت مدته منذ سنوات، والانتخابات ستنهي كل الأجسام ومنها حكومته"، وتعتبر الانتخابات وفق العديد من الليبيين الحل الوحيد لتوحيد البلاد والمؤسسات.

ومن المنتظر أن يستغل فتحي باشاغا المكلف بمنصب رئيس وزراء من البرلمان، هذا الوضع لفرض حكومته على الليبيين، بعد أن فشل خلال مرات سابقة في دخول العاصمة طرابلس بالقوة في ظل رفض الدبيبة تسليم السلطة إلا لحكومة منتخبة.

تؤكد هذه التطورات الأخيرة أن ليبيا تتراجع إلى الخلف شيئًا فشيئًا ولا وجود لبوادر حل في الأفق القريب ولا البعيد

في هذا الصدد قال باشاغا في كلمة مسجلة نشرت عبر صفحته الثلاثاء: "ولاية حكومة الوحدة الوطنية انتهت وفقًا لما استند عليه ملتقى الحوار السياسي"، مضيفًا "فراغ السلطة التنفيذية بالعاصمة وانعدام الولاية القانونية والشرعية والدستورية لمن يحتل مقار الحكومة بطرابلس صارت آثاره واضحة وفاضحة، وهو ما يؤكد أن السلطة لا يمكن أن تكون إلا بشرعية دستورية وقانونية وليس بشرعية القوة وفرض الأمر الواقع".

ودعا باشاغا "كل الجهات الأمنية والسلطات القضائية والمالية والعسكرية، إلى تحمل مسؤولياتها الأخلاقية والوطنية والقانونية بعدم التعامل نهائيًا مع الحكومة منتهية الولاية، ويعد كل من يخالف ذلك خارجًا عن القانون والشرعية الدستورية والقانونية"، كما دعا المجتمع الدولي إلى دعم حكومته.

ويعمل باشاغا على استغلال النفط الليبي للضغط على حكومة الدبيبة، إذ أغلق زعماء القبائل كبرى المنشآت النفطية، بما فيها أكبر حقل في جنوب البلاد يسيطر عليه المسلحون المؤيدون لحفتر الذين يؤيدون باشاغا، بهدف حرمان حكومة الدبيبة من الأموال.

هذا الأمر من شأنه أن يزيد من حدة الانقسام في البلاد، فلا مكون يمتلك الشرعية في الوقت الحاليّ رغم ادعائهم عكس ذلك، ويطرح هذا الأمر العديد من التساؤلات أهمها: لمن ستصرف الميزانية لحكومة الدبيبة أم باشاغا؟ وأيضًا وفق أي شرعية يتواصل عمل مجلس الدولة والنواب إلى الآن؟ فضلًا عن مصير المجلس الرئاسي الذي لم يعمل منذ انتخابه.

تحشيد عسكري

بالتزامن مع هذه التطورات، عرفت ليبيا تنامي التحشيد العسكري، فكل طرف يريد الظهور بمظهر الأقوى، حيث شهدت العاصمة الليبية طرابلس قبل يومين استعراضًا مسلحًا لأرتال من السيارات العسكرية والأمنية التابعة للمجلس الرئاسي ولوزارتي الداخلية والدفاع في حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة.

جاءت هذه التحركات العسكرية لحكومة الدبيبة عقب أنباء عن تمركز قوات موالية لباشاغا في منطقة ورشفانة غرب طرابلس بعد أن قدمت من مدينة الزنتان بداية الأسبوع الحاليّ، وتشير العديد من الأنباء إلى وجود تحضيرات في معسكر باشاغا لاقتحام العاصمة مجدّدًا.

رغم فشله في أكثر من مرة في دخول العاصمة بقوة السلاح، ما زال باشاغا الذي بدأ عمله من مدينة سرت الساحلية يأمل في اقتحام العاصمة، لذلك يعمل حاليًّا على استمالة بعض الجماعات المسلحة التي يكون ولاؤها لمن يدفع أكثر لها.

قبل نحو 10 أيام، عرفت طرابلس اشتباكات عنيفة بالقرب من سوق الثلاثاء بين مجموعتين مسلحتين تابعتين لقوة النواصي وجهاز حفظ الاستقرار باستعمال أسلحة ثقيلة، وأسفرت الاشتباكات عن سقوط قتيل من المقاتلين وخسائر مادية كبيرة.

ويعد جهاز حفظ الاستقرار مواليًا للدبيبة بينما لواء النواصي مقرب من منافسه رئيس الوزراء فتحي باشاغا، ما يعني وجود شرخ كبير بين مختلف المجموعات المسلحة في طرابلس، التابعة لهذا المعسكر أو ذاك، كما تسلط هذه المعارك الضوء على هشاشة السلام النسبي الذي ساد لأكثر من عام.

تؤكد التطورات الأخيرة أن ليبيا تتراجع إلى الخلف شيئًا فشيئًا ولا وجود لبوادر حل في الأفق القريب ولا البعيد، ما من شأنه أن يزيد من مخاوف الليبيين من انزلاق بلادهم مجددًا إلى حرب أهلية، فلا يوجد أي طرف يسعى لحل الأزمة.