المتظاهرون يرفعون صور السيسي إلى جانب صور عبد الناصر

منذ انقلاب 30 يونيو/حزيران 2013 وانطلاق دولة الـ3 من يوليو/تموز من نفس العام، شاعت المقارنات لدى الشارع المصري بين دولة يوليو/تموز 1952 ونظيرتها 2013، فيما ذهب البعض بعيدًا نسبيًا حين شبه الرئيس الحاليّ عبد الفتاح السيسي بالراحل جمال عبد الناصر، وهو التشبيه الذي تأرجح بين التأييد والسخرية، الرفض والقبول.

الأمر تبلور أكثر مع حرص متظاهري يونيو/حزيران وما تلاها من تظاهرات موسمية داعمة للنظام الحاليّ على حمل صور السيسي إلى جانب صور عبد الناصر، في رسالة مفادها أن السيسي هو ناصر المرحلة كما يردد البعض، وأن مصر بعد أن فقدت عبد الناصر كانت تبحث عن زعيم آخر ولم تجد حتى جاء السيسي ليقوم بهذا الدور، هكذا قال عضو البرلمان المصري، وأحد مؤسسي "حركة تمرد" محمود بدر.

اليوم وبعد مرور 70 عامًا على انقلاب 23 يوليو/تموز 1952، هذا الانقلاب الذي أطاح بالنظام الملكي وجاء بالحكم العسكري لمصر، تطل الكثير من التساؤلات برأسها باحثة عن إجابة: ما أوجه الشبه والاختلاف بين دولة السيسي ودولة ناصر؟ ماذا يجمع بين حراك يوليو الخمسينيات ونظيره في الألفية الجديدة؟ ما هي مساحات الاتصال والانقطاع بينهما؟

مساحات الاتصال

تتقاطع الدولتان - كما يُعرفان إعلاميًا - في عدد من المساحات وإن تباينت بشكل أو بآخر بين هذا وذاك، أولها السلطوية المطلقة، فكلتاهما تخدم مشروعًا سلطويًا من الطراز الأول، يكرس لهيمنة شاملة وديكتاتورية مكتملة الأركان، ويختصر مفهوم الدولة في النظام الحاكم الذي ليس لديه أي خطوط حمراء في الدفاع عن كيانه.

وقد ارتبطت السلطوية بين دولتي يوليو/تموز 1952 و2013 بالمؤسسة العسكرية التي أحكمت قبضتها على كل مفاصل الدولة وحولتها إلى "وسية" تتحكم فيها كيفما شاءت في خدمة الجنرالات، يتساوى في ذلك عبد الناصر ورفاقه مع السيسي وأصدقائه، فالدولة بكل أركانها في خدمة الجنرالات.

ولأجل هذا الهدف كرست الدولتان من جهودهما لعسكرة الحياة السياسية والاقتصادية، فحسمت دولة ناصر أزمة مارس/آذار 1954 لصالح هذا الهدف، رافق ذلك ما عرف بـ"مذبحة القضاء" واعتقال المعارضة من الساسة والصحفيين، كما أشار الخبير القانوني نور فرحات، الذي يرى أن "سلطوية يوليو كانت موجهة لخدمة مشروع تنموي منحاز للفقراء ولاستقلال مصر الاقتصادي، أما سلطوية ما بعد ٣ يوليو فمنحازة لسياسات صندوق النقد الدولي وإفقار الناس وإنهاء وجود أي مؤسسات مدنية ممكن أن تؤثر في القرار".

دولة ناصر كانت حريصة على مراعاة الفقراء والعدالة الاجتماعية تحقيقًا للشعبوية والجماهيرية علي حساب الاعتبارات الاقتصادية بل و تدميرًا لها، فيما ركزت الدولة الحاليّة على قطاع الإنشاءات بقوة دون الاهتمام بما عداه من أولويات، إلا في أدنى الحدود

حتى الصراعات التي شهدتها الدولتان بعد نجاح الثورة جاءت لخدمة الفرد على حساب الدولة، فبعد ٢٣ يوليو/ تموز 52 نشب صراع داخلي بين أعضاء مجلس قيادة الثورة، هذا الصراع لم يكن سعيًا وراء مصلحة الدولة، لكن بهدف إرضاء عبد الناصر، الأمر كذلك بعد 30 يونيو/حزيران 2012 إذ نشبت صراع قوي  بين الأجهزة الأمنية، لكنه كذلك كان سعيًا وراء النفوذ والسيطرة.

الإعلام كذلك يعتبر من مساحات الاتصال الكبيرة، إذ حرصت دولة ناصر على الهيمنة على وسائل الإعلام وتبني إستراتيجية الصوت الواحد، وفرض الرقابة الكاملة على كل ما يبث أو يكتب أو يقال، فلا صوت هناك كان يعلو فوق صوت المعركة، وهو التوجه ذاته الذي تتبناه دولة السيسي اليوم، حيث حجب المواقع وغلق القنوات والصحف واعتقال الصحفيين واحتكار المشهد الإعلامي من خلال شركات تابعة لجهاز المخابرات العامة، وكثيرًا ما عبر السيسي عن رغبته في أن يُمنى بإعلام كإعلام عبد الناصر الذي كان في خدمته وخدمة مشروعه.

كلاهما تبنى خطابًا شعبويًا في مخاطبة الجماهير العريضة، وإن تفوق عبد الناصر بحكم الظروف والأجواء التي كانت مسيطرة في ذلك الوقت وغياب الوعي وقلة مصادر المعرفة، حيث استندت دولة يوليو/تموز 1952 على فكرة العروبة والمقاومة ضد الاستعمار الخارجي، فيما ارتكنت دولة يوليو/تموز 2013 إلى مناهضة الإخوان المسلمين وشيطنتهم وتبني إستراتيجية الترهيب والتخويف من عودتهم للسلطة مرة أخرى، وذلك لتوسيع القاعدة الجماهيرية بما يسهل تمرير المشروعات والقرارات والسياسات التي ما كان لها أن تمر في غير تلك الأجواء الضبابية.

ومن أوجه التشابه التي يحاول البعض الترويج لها بين السيسي وناصر، الكاريزما، وهو الوجه الذي يعتبره البعض في غير محله تمامًا، إذ كان يتمتع الزعيم الراحل بحضور سياسي قوي بما يمتلكه من مقومات ثقافية واجتماعية، فضلًا عن مؤهلاته البلاغية والخطابية الجيدة، مقارنة بالنرجسية المنسوبة للسيسي التي تدفعه لعدم الاستماع إلى أي أحد، وفرض رأيه وصوته على الجميع بصورة مباشرة ولا تحتاج إلى تفسير أو مشقة تأويل، فهو الذي وصف نفسه بأنه "طبيب الفلاسفة" وكثيرًا ما ناشد المصريين بعدم الاستماع إلا إليه فقط وعدم تصديق كل ما يقال من سواه.

دولتا ناصر والسيسي.. حقائق تكشف الفارق

الخبير السياسي عبد الله الأشعل، يستعرض في مقال له عددًا من الحقائق الخاصة بدولة عبد الناصر تكشف الفرق بينها وبين دولة السيسي الحاليّة، أولها الموقف من العدالة الاجتماعية، لافتًا إلى نجاح دولة يوليو 52 في خلق ما أسماه "مجتمع الكفاية والعدل" وكانت القوة الشرائية للعملة الوطنية (الجنيه) وقتها أقوى بمراحل من علاقة الجنيه بالدولار، منوهًا أن راتب (17 جنيهًا مصريًا) كانت تكفي لبناء مستقبل زاهر لشاب في مقتبل العمر، متسائلًا عن الوضع حاليًا ومقارنته بما كان عليه قبل ذلك.

أما الحقيقة الثانية فتتعلق بالأجواء السياسية والاقتصادية والأمنية التي كانت تحياها دولة ناصر التي كانت تعاني من حرب اقتصادية خانقة حرمتها من الامتيازات المالية المتعلقة بالحرمان من العملات، تلك الأجواء فرضت على الدولة حينها بعض الحزم والإجراءات ومع ذلك حافظت على بعض القيم الاقتصادية والاجتماعية مقارنة بالوضع الحاليّ حيث تغيب تلك الأجواء بشكل عملي حتى إن حرص إعلام النظام على الترويج لذلك لتبرير فشله في كثير من الملفات.

شرعية جمهورية يوليو انتهت تمامًا في اليوم التالي لحرب 6 أكتوبر، فقد أصبحت هناك سياسات مغايرة لأهداف تلك الثورة، على رأسها إجراء اتصالات مع "إسرائيل" عبر اتفاقية كامب ديفيد 1978 والتحالف الوطيد مع الولايات المتحدة الأمريكية، وتجريف القطاع العام.. الكاتب الصحفي عبد الله السناوي

فيما تذهب الحقيقة الثالثة - بحسب الأشعل - نحو دور مصر الريادي إقليميًا ودوليًا بعد القضاء على الملكية، حيث قادت القاهرة حينها مشروع التحرر والقومية، وحملت مشعل لواء المقاومة ضد الاستعمار الإسرائيلي، وهو ما أكسبها احترام الجميع وقتها، الأنظمة العربية والشعوب، حتى الحكومات الأجنبية، أما دولة السيسي فتخلت عن كل تلك المسارات لتعمق من علاقتها بدولة الاحتلال، فاقدة رصيدها العربي الذي يتراجع بسبب سياستها الانفتاحية على "إسرائيل" والغرب على حساب عمقها العربي القومي.

فيما جاء دعم مصر ناصر للعرب والقيام بدور "الكبير" الذي يصلح بين الأشقاء ويعزز من وحدتهم، كأحد الخلافات الجوهرية بين الدولتين الكاشفة للكثير من الفروقات بشأن الدولة المصرية قبل عقود واليوم، فبعدما كانت "مصر سندًا للعرب، صارت اليوم عالةً عليهم" على حد تعبير الخبير السياسي المصري.

الفقراء.. الفارق الأكثر وضوحًا

كانت النظرة للفقراء والتعاطي مع همومهم وآلامهم محورًا رئيسيًا للمقارنة بين الدولتين، فوفق الباحث مصطفى الطوبجي، حرصت دولة 23 يوليو/تموز على دعم التوجه الاشتراكي الذي يراه توجهًا اقتصاديًا واجتماعيًا في آن واحد، فيما دعمت حكومة ما بعد 30 يونيو/حزيران التوجه الرأسمالي المتوحش الذي أودى بالملايين من المصريين إلى أتون الفقر والعوز وهو ما تكشفه الأرقام الرسمية، رغم بعض المحاولات على استحياء ومن بينها مبادرة "حياة كريمة".

الرأي ذاته ذهب إليه الكاتب الصحفي السيد منير، الذي أشار إلى أن إستراتيجية دولة ناصر كانت تتركز على "النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والريادة العربية والأفريقية وإقامة توازن سياسي عالمي يقوم علي سياسة عدم الإنحياز" مع التشديد على تقديم تعليم مجاني ومنح ومحفزات لمحدودي الدخل حتى إن كانت هناك أخطاء في التطبيق، "أما بعد 30 يونيو/حزيران لا تكاد تكون هناك إستراتيجية إلا للحفاظ على النظام في الداخل بالسيطرة علي الاقتصاد والقوة الصلبة المدعمة.. وفي الخارج باستمالة الغرب بصفقات وعلاقات مميزة معه و مع أصدقائهم في المنطقة" على حد قوله.

الخبيرة الاقتصادية عالية المهدي، عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة سابقًا، تشير إلى أن كلتا الدولتين أرادتا تغيير مراكز القوي و النفوذ في العهد القائم والإحلال محلهم في العهد الجديد، لكن دولة ناصر كانت حريصة على مراعاة الفقراء والعدالة الاجتماعية تحقيقًا للشعبوية و الجماهيرية على حساب الاعتبارات الاقتصادية بل وتدميرًا لها، فيما ركزت الدولة الحاليّة على قطاع الإنشاءات بقوة دون الاهتمام بما عداه من أولويات، إلا في أدنى الحدود، وفق تعبيرها.

وعلى الجانب الآخر يرى الكاتب الصحفي الناصري عبد الله السناوي أن "شرعية جمهورية يوليو انتهت تمامًا في اليوم التالي لحرب 6 أكتوبر، فقد أصبحت هناك سياسات مغايرة لأهداف تلك الثورة على رأسها إجراء اتصالات مع "إسرائيل" عبر اتفاقية كامب ديفيد 1978 والتحالف الوطيد مع الولايات المتحدة الأمريكية، وتجريف القطاع العام"، مضيفًا "كل الأنظمة التي تعاقبت على حكم البلاد بعد نظام عبد الناصر اكتفت بالاحتفال بذكرى 23 يوليو فقط مع التخلي عن نهج مبادئها. فضلًا عن استبدالها بشرعية الأمر الواقع دون غيره".

وفي المحصلة، فإنه رغم تباين الآراء بشأن التشابه والاختلاف بين الدولتين، فإن العامل المشترك الأكبر يتمحور حول السلطوية وتكريس حكم الفرد وعسكرة مفاصل الدولة كافة، مع خنق المجال السياسي وكبت الحريات، وإن اختلفتا في التفاصيل المتعلقة بالمشروعات والإستراتيجيات المتبناة التي تقترب أو تبتعد عن العامل المشترك صعودًا وهبوطًا.