"فلان سَلَّكْها" عبارة تونسية تُستعمَل في حالة الشخص الذي تتوالى عليه المآزق، فيخرج منها سالمًا غانمًا أو بأخف الأضرار، ونستعملها في تتبُّع مآزق راشد الغنوشي وحركته الإسلامية (حزب النهضة) التي تبدو حتى الآن بمنجاة من مكائد الانقلاب وأنصاره.

آخر هذه المآزق في الترتيب الزمني هو مثوله أمام القضاء طبقًا لقانون الإرهاب، بتهم تبييض أموال في جمعية نماء، بعد 9 ساعات من التحقيق والمرافعات عادَ الرجل الثمانيني إلى بيته، وانطلقت المناحات في صفحات من كان ينتظر أن يبيت "في التخشيبة".

هل يكون هذا آخر المآزق؟ لا نظنّ، بل ننتظر ضربة أخرى ربما بعد استئناف النيابة العامة للاتهام، وهي التي طالبت بالإيقاف فلم تظفر به، قد لا يُضارُّ الرجل العجوز في شخصه ثانية، ولكن المعركة ضده وضد حزبه لن تتوقف، إنها مصدر كل المآزق، وأعداء الغنوشي ليسوا جددًا عليه فقد عرفهم منذ بداية حياته الدعوية والسياسية، وهم ثابتون على مبدئهم بأنْ لا مكان للغنوشي وحزبه في تونس، وكل الأسلحة متاحة.

محاولة استعمال الرئيس قيس ضد الغنوشي

لم يكن خافيًا على أحد ممّن يتابع الشأن التونسي عن كثب أنه منذ ظهور أول بوادر الخلاف أثناء تكليف حكومة الحبيب الجملي، بين الرئيس قيس سعيّد وحزب حركة النهضة الذي يترأّس البرلمان، حصل انتقال لافت في موقف الجمهور الناخب، سمّيناه في حينها الهجرة الانتخابية.

تمثّلت هذه الهجرة في انتقال الجمهور الذي صوّت لعبد الكريم الزبيدي في الدور الأول ثم لنبيل القروي في الدور الثاني، وصوّت بالخصوص تصويتًا عقابيًّا ضد قيس سعيّد واصفًا إياه بالداعشي وغواصة النهضة الرئاسية وحزام سياسي للرئيس، مستثمرًا في هذا الخلاف بغية تحويل الرئيس إلى عصا غليظة لضرب غريمهم السياسي الأبدي.

وكانوا يرغبون ويدفعون إلى أن يبدأ المعركة منذ اليوم الأول، لكن كان للرئيس أجندته وجدول أوقات خاص به، فأجّل المعركة متفاديًا مواجهة مباشرة مع الحزب الأكثر تنظيمًا في الساحة، لكنه لم يلغِ هذه المعركة من أجندته، ونراه قد وصل إليها في الوقت الذي رغب لا في الوقت الذي طُلب منه فيه أن ينطلق فيها.

تصالحَ النهضويون مع البحيري ولم يكن عندهم محبوبًا، وغفروا للجبالي استقالته من الحزب وتنمُّره على الغنوشي في فترات سابقة

وجب أن ننبّه إلى أمر انتبهنا إليه متأخّرين بدورنا، إن الراغبين في استعمال الرئيس في الأجندة الاستئصالية صنفان أو جهتان: الأولى الجهة العجولة، وهي اليسار الاستئصالي، والحزيبات القومية جزء منه، وهؤلاء يفكّرون مثل أجهزة بن علي (عمقهم حتى الآن هو بوليس بن علي في الإعلام والأمن)، ولا برنامج لهم إلا الحرب على النهضة وما جاورها إلى قيام الساعة.

والجهة الثانية هي الكتلة المالية لنظام بن علي أو عمق المنظومة الحاكمة منذ الاستقلال (وإن تجدّدت وجوهها، فإنها لم تغيّر فكرتها بأن البلاد بلادها والرئيس رئيسها)، وهؤلاء ليسوا مستعجلين ونراهم ينتظرون دستورًا رئاسيًّا يقدّمه لهم الرئيس الآن دون أن يبذلوا فيه جهدًا كبيرًا، ثم إذا استعادوا سلطات رئاسية مطلقة بهذا الرئيس أو بغيره كما نرجّح، فإن على حزب النهضة الاستعداد لمآزق جديدة بنسق أرفع وضربات أقوى.

وجّهت الجهتان المجتمعتان وراء الرئيس منذ انقلاب 25 يوليو/ تموز 3 ضربات قوية لحزب النهضة، لكنها ضربات قوّته ولم تضعفه.

الأولى اعتقال الرجل الثاني في الحزب نور الدين البحيري، وخرجَ منها مرهق الجسد ولكن سالم الموقف، فلم يثبت عليه جرم بل تحوّل اعتقاله إلى جريمة من جرائم الرئيس؛ والثانية اعتقال حمادي الجبالي، أول رئيس حكومة نهضوي بعد الثورة، بتهم تبييض الأموال وبناء وفاق إجرامي ذي طبيعة إرهابية، لكنه نجا منها وأثبت طهارة سياسية يمكنه استثمارها لاحقًا لو رغب (لأنه استقال من الحزب)؛ وكانت الثالثة اتهام الغنوشي بجرائم إرهابية سقطت في جلسة التحقيق الأولى.

نتيجة الضربات الثلاثة انتهت لصالح الغنوشي وحزبه، فقد تصالحَ النهضويون مع البحيري ولم يكن عندهم محبوبًا، وغفروا للجبالي استقالته من الحزب وتنمُّره على الغنوشي في فترات سابقة، وتصالحت قواعد الحزب مع الغنوشي وكان عندهم محل انتقاد خاصة لجهة سعيه إلى التوافق مع المنظومة.

ونجزم أن هذه الضربات قد امتصّت الأثر السلبي الذي تركته استقالة الـ 100 في أول أيام الانقلاب، بل أظهرت المستقيلين كعناصر بلا وزن في الحزب، فالحزب بعدهم أشد تماسكًا حول قيادته (التي تنظّفت من الانتهازيين، وهو الوصف الذي يطلقه الأنصار الباقون على المستقيلين).

نضيف إلى هذه الضربات الفاشلة سياسيًّا أن كل تهم فساد النهضة وتلاعبها بالمال العام قد سقطت تلقائيًّا، إذ لم يتقدم الانقلاب صاحب شعارات مقاومة فساد النهضة ولا حزامه بأية قضية ضد أي نهضوي خلال سنة من الانقلاب، وتبيّن للمتابعين أن هذه التهم كانت علكة إعلامية يردّدها بوليس بن علي الإعلامي، ولمّا أُتيحت له فرص التحقُّق لم تقدَّم للقضاء.

هذه القوة الداخلية المهداة من الانقلاب وحزامه يحتاجها الغنوشي، وهو يخطط لمؤتمر الحزب، ثم أنه يصرّ على موقف لا يهادن الانقلاب ويقف له بالمرصاد، ويقرّ له عقلاء كثر بسلامة موقفه المبدئي من الانقلاب.

ما بعد الدستور تختلف الأمور

رأس الغنوشي خارج الماء، وهو يتنفّس، ولا شك أنه يخطّط للسباحة ثانية، فالقول إنه "مسلّكها" مع الانقلاب لا تنفي أنه خسر في مواضع أخرى، فالنهضة عام 2022 ليست النهضة عام 2011، لقد أكلت منها تجربة الحكم وكشفت ضعفًا كبيرًا في مستوى إنتاج الأفكار والبدائل، بل كشفت أن بها الكثير من أمراض منظومات الحكم التي سادت قبلها، وقد تسرّب إليها طيف انتهازي غنمَ منها ولم يفدها، بل حطَّ من سمعتها (مثال الوزير لـ 3 مرات في 3 حكومات عماد الحمامي).

لكن هناك قناعة تترسّخ ما دام الغنوشي حيًّا خارج السجن، فإنه يظل محتفظًا بقدرة كبيرة على المناورة وفرض رأيه ولو من موقع معارض (لم أشِر هنا إلى شبكة العلاقات الخارجية التي نسجها بإحكام وأناة)، ولا يمكن لأحد أن يحكم مطمئنًّا والغنوشي حي سياسيًّا ما لم يعطه موقعًا مؤثرًا.

كان هذا موقف بن علي منذ قاس حجم الغنوشي وثقله في الشارع في انتخابات 1989 التي لم يشارك فيها الغنوشي بكل ثقله، وما كان لبن علي أن يحكم إلا بتغييب الغنوشي وحزبه من الساحة، ونظنّ جازمين أن ورثة بن علي (وهم حزام الانقلاب والمستثمرون فيه الآن) أفضل من يدرك هذه المعادلة.

مأزق تونس ليس الغنوشي وحزبه وأطروحته في الحكم وقد غامت ملامحها منذ الثورة، بل مأزق تأسيس الديمقراطية في دولة تحت الاحتلال

لذلك إن ما بعد الدستور الذي أعاد النظام الرئاسي وبسلطات إمبراطورية للرئيس ستكون بداية سلسلة جديدة من المآزق للغنوشي وحزبه، بقطع النظر عمّن يكون الرئيس فعلًا.

نتابع أن الغنوشي ما زال يطلق رسائل متفائلة بأن الانقلاب زائل لا محالة، وليس لدينا ما لديه من العلم والاطّلاع، ولكن نجزم أن مرحلة دستور 2014 قد ولّت، والجبهة السياسية التي أراد الغنوشي بناءها لاستعادته قد فشلت، ولهذا أسباب كثيرة سبق الحديث فيها، وإذا كان سيواجه الرئيس القادم وحده فلا نظنّه يملك نصيرًا غير جماعته، ومهما تماسكت فستظل أضعف من مواجهة حزام الانقلاب، وهو حزام دستور الرئيس.

ملاحظة، في الأثناء يعرف الجميع أن الدستور سيمرّ، فقد ألغى احتمال الإجابة بلا في الأحكام الانتقالية، والمقاطعون أو المتغيّبون يعملون على إضعاف نسبة التصويت لابتزاز الرئيس الفائز بدستوره بعد فوزه، أما جوهر موقفهم فهو القبول والاستمرار بالدستور الجديد، فقد عاد توصيف دستور 2014 بأنه دستور الغنوشي.

يشقى الغنوشي الآن وغدًا بتدبُّر حلفاء جدد ضد الرئيس الفائز، ويهرب من سيناريو المواجهة منفردًا، وهذا هو المأزق الحقيقي الذي لم يسلكه الغنوشي منذ ظهرَ في المشهد السياسي قبل نصف قرن.

لقد عارض 4 رؤساء وحيدًا و"سلّكها" بجسده وجسد حزبه، لكن معركته مع مجتمع مغلق على الاحتمالات المختلفة، وغير مستعدّ لتوسيع خياله الديمقراطي، وسيظل المأزق الأبدي له ولكل حزب يعلن انتماء إسلاميًّا. لنعُد إذًا إلى أصل المآزق جميعها ونختم.

هناك باب مغلق لم يُفتح للغنوشي وربما يكون قد طرقه بأسلوبه ولم نسمع طرقه، وهو باب فرنسا، وهذا باب لن يُفتح له ولو نزع جبّة الشيخ وحلق لحيته وأنكر أهله وجماعته.

مدار معارك الطبقة السياسية والنخب في تونس مع الإسلام السياسي مهما غيّر أسماءه العملية، هو مصالح المحتل القديم الدائم، وهذا المحتل يناور بشكل أفضل ولديه نخبة تخدمه بكل حماس في الداخل، فحياتها ومصالحها وحتى إرضاء غرائزها الدنيا مرتبطة بنفوذه في الداخل.

هل يمكن للغنوشي أن يعود إلى نقطة بداية بعيدة، وتحويل جهده من المشاركة في منظومة حكم عميلة إلى حركة تحرر وطني؟ عليه أن يخرط قتادًا كثيرًا قبل ذلك، ولا نرى العمر يسعفه بالقوة اللازمة.

إن مأزق تونس ليس الغنوشي وحزبه وأطروحته في الحكم وقد غامت ملامحها منذ الثورة، إنه مأزق تأسيس الديمقراطية في دولة تحت الاحتلال، إذا كان الغنوشي "سلّكها" مؤقتًا فتونس لم "تسلّكها".